الجمعة، 19 يوليو 2013

تركيا .. صراع النخب ينزل إلى الشارع




طوال العقد الماضي عاشت تركيا في جلباب "الأنموذج الإقليمي" خاصة في المجالين السياسي والاقتصادي. وحين دخل الشرق الأوسط في معمعة الربيع العربي بدت تركيا مستعدة للعب دور دولي كبير وكأنها استرجعت شيئا من سطوتها على العرب حتى أن كثيرين التقطوا نقاط تشابه مع العصر العثماني الذي يحنّ له كثيرا رئيس حكوتها رجب طيب اردوغان. وفي وسط فقاعة المجد هذه اندلعت أحداث ساحة التقسيم في اسطنبول، لتعيد مسلمات النجاح المطلق إلى خانة المراجعة، ولتطفو من جديد صراعات تركيا الداخلية التي لا قدرة لأي انجاز على حسمها حتى اذا ما نزلت إلى الشارع اتخذت أبعادا جديدة. ان ما يحدث ليس الا فصلا آخرا من مواجهة قديمة، لعل الجديد فيها بقاء الجيش على هامش الازمة وآثار عدوى الربيع العربي الذي حشرت تركيا فيه أنفها. 

بلوغ أردوغان القمة
تبدأ قصة صعود أردوغان من نقطة انتهاء وترهل مقولات النخبة التي حكمت تركيا منذ تأسيسها في العشرينات على يد مصطفى كمال أتاتورك، حتى أنهم يتحدثون عن الدولة الأردوغانية التي بدأت تخلف الدولة الكمالية.
إن الفئتين المصارعتين في تركيا لا ينحصر الاختلاف بينهما في المرجعيات السياسية، وانما هو قبل ذلك صراع من منطلقات مناطقية.
حيث أن نخب المدن هي التي احتكرت السلطة منذ أن تأسست الجمهورية سواء من السياسيين أو الجنرلات زمن الحكم العسكري. في المقابل ثمة نخب جديدة أتت من هضبة الاناضول وبدأت في صعودها منذ الثمانينات وسرعان ما غزت المدن نفسها، ليجسدوا كل ذلك مع بداية الألفية بالتموقع في المناصب الأمامية للسلطة. اذن كان هناك رافدان ظلا يصنّعان النخب المضادة للكمالية وهما منطقة الاناضول ذات الأكثرية السكانية والإسلام الذي ظل حيا بقوة في حياة الشعب التركي.

يبدو مشهد هذا الصراع وكأنه موظب بطريقة مسرحية. ففي 2002 خلف رجب طيب أردوغان في موقع رئاسة الحكومة الرجل السياسي القديم بولنت أجاويد أحد رؤوس الدولة الكمالية ورموزها. لقد اعتبرت شيخوخة أجاويد التجسيد الحي لشيخوخة النخب القديمة واهتراء خطابها الذي لم تعد تقبله الأجيال الجديدة.
قبل ذلك بقليل في سنة 2000 ، شهدت البورصة التركية انهيارا شبه تام، ومؤشرات الكساد الاقتصادي كانت جلية للعيان. وفي سنة 2001 أعلنت ثلاثة بنوك حكومية افلاسها. تعالت أصوات الإعلاميين والمجتمع المدني بمحاربة الفساد ولكنه لم يكن سوى كلمة فضفاضة لم تتقدم بالإجراءات خطوة. وقد كان أي اقتراب من أي ملف شيئا محظورا لأن الجيش كان يفرض وصاية حديدية على البلاد. وكان أجاويد ينظر اليه كرجل توافقي يعرف كل ما يدور في تركيا ولكنه جزء منه، وتبعا لذلك فهو لا يستطيع أن يذهب بعيدا في كشف الحقائق، وربما قد جيء به للحكم من أجل ضمان استمرارية الأمور كما هي.
إن موجة الفساد التي عمّت تركيا خلال التسعينات وأرهقت المواطنين  كانت عاملا حاسما في بلورة إرادة شعبية للتغيير، ووقتها لم يكن الا رجب طيب أردوغان (ومن ورائه النخبة الإسلامية) يقدم البدائل بحزبه الفتي الذي قطع حبل السرة مع الموجة الإسلامية الأولى لنجم الدين أربكان ونظرا لتكوينه الاقتصادي المطلوب وسوابقه في العمل الاجتماعي بترأس بلدية اسطمبول وجد نفسه بسهولة رئيسا للحكومة.
كانت كل الأحزاب من حوله تعاني من شيخوخة قادتها. نعتتهم الصحافة التركية وقتها بمواليد العشرينات (ديميريل 1924 – أجاويد 1925 - أربكان 1926 .. ) في إشارة لسنوات تأسيس تركيا لابراز أن استمرارهم في قيادة تركيا غير معقول. اذن قرئ من كل ذلك، أن النخبة القديمة قد فقدت شرعيتها. فلم يكن مستغربا أن تعاقب في انتخابات العقد الموالي. 

نخب الكمالية أفلست
إن الهزيمة في الانتخابات ليست سوى شجرة تخفي ورائها غابة من الانقسامات والتفتت داخل الجبهة الكمالية. لقد ذهب البعض بالعقيدة الاولى نحو القومية المجحفة (عصمت اينونو) وآخرون نحو اليسار (أجاويد) أو الرأسمالية المتحررة (أوزال) أو تقدموا بها نحو النموذج الاوربي (ديميرال) فيما حنطتها وصاية الجيش. بعضهم انحاز لأوروبا وآخرون انحازوا للولايات المتحدة لتعلب القوى الخارجية هي الآخرى دورها في تمزيق شمل الداخل، فيما أداروا ظهورهم عامة للشرق الذي سيلتفت له أردوغان.
وبدلا من رسم سياسات تتلائم مع تركيا الطموحة والفتية المتطلعة للرفاهية بمعاييرها الأوربية والتي تحب في نفس الوقت الحفاظ على هويتها، بقيت النخب الكمالية وهي في مواقع السلطة تركز في خطابها على أعداء الداخل والخارج حتى نفرت كل القوى الشعبية منهم وبدأت في تطوير حلول للمضيق الذي وضع الجميع فيه.
ظلت هذه النخبة متقوقعة في المدن، مطمئنة بالسلط التي بين يديها ولانقياد الشعب التركي ولم تبحث عن ادماجه فيها، فكان ضروريا أن يبحث  لنفسه عن حلول لاشكالاته المنفصلة تماما عن إشكالات النخبة. منذ التسعينات، حين بدأت "الغزوات  البرلمانية" للاسلاميين وصعود رؤوس أموال من مدن الاناضول الداخلية، بدأت النخب الكمالية تكتشف أنها أقلية في البلاد وأنها لم تعد قادرة على املاء رغباتها على الشعب. وقتها فسّر التديّن الصاعد نحو السياسة على أنه انقلاب على مبادئ الدولة وسقطت النخب في الخوف المبالغ فيه.
كانت نتائج السياسة السكانية والذهاب بالاقتصاد نحو الصناعة في السبعينات ثم نحو الخدمات في التسعينات قد ساهم في تركيز كامل الثروات حول المدن الكبرى التي استقطبت أبناء الاناضول الذين لم يعد يوجد في قراهم وأريافهم ما يضمن لهم لقمة العيش. وفي جيلهم الثاني صبغوا المدن بصبغتهم وأصبحوا ينافسون أبناء المدن في كل شيء. أردوغان أفضل مثال على ذلك بما أنه ابن بحار صغير نازح من  مدينة طرابزون شمالي الأناضول الى اسطمبول. صراع آخر حسمه جيل الأناضوليّين الثاني هو معركة الحجاب الذي اعتبر في ايديولوجيات الدولة عنوان المرأة الريفية (الاناضولية) المتخلفة حتى اذا أصبحت الجامعات تخرّج المحجبات وتدفعهن نحو المناصب العامة، انقلب كعنوان جديد للهوية التركية في زمن العولمة.
ان أبناء الاناضول حين وجدوا أنفسهم بمصالح مخالفة لمصالح نخبة الدولة بحثوا في ثغرات خطابهم بالذات، فالدولة استعملت الإسلام من قبل كمضاد للشيوعية ولكنها خاصمته في مرات أخرى دون رضا شعبي، فلم يكن أسهل من أن يرتكزوا على الإسلام ليقلبوا موازين القوى لصالحهم، وهكذا اشتغلوا على الإسلام ووظفوه في صراعهم الكبير. 

تركيبة الدولة الكمالية
صنعت الدولة منذ العشرينات نخبة تدافع على توجّهاتها. مرّرت فكرة القومية التركية التي انبنت على مقولات لم يكن لتصل للعقول الا بفرض الرأي بالقوة. بعد ذلك عملوا على توضيح أن الدولة التركية والقومية التركية والعلمانية ترتبط بزواج كاثوليكي وهي أفكار تعود إلى أدبيات حركة "تركيا الفتاة" التي كانت ضد النزعة الجامعة للقوميات تحت لواء الدولة العثمانية.
في العقيدة الكمالية يكون دور الحكومات والبرلمان هو نقل إرادة الدولة الى الشعب لذلك فلا نجد أثرا لارادة انشاء ديمقراطية حقيقية. ومنذ أن فرض السياق العالمي وشروط الاتحاد الأوروبي الديمقراطية بمقاييسها الغربية أصبح هذا التناقض قاتلا.
تركيا هي بامتياز دولة الأمن القومي، لقد ظلت الدولة تغذي الشعب بتضخيم أعداء الداخل وهي أساسا ظلامية الإسلام وانفصالية الاكراد. وهو ما يفسر تضخم دور الجيش الذي غذته العقيدة الكمالية بعدم الثقة في الشعب. مع الجيش طورت الكمالية لكي تسد ثغراتها نظاما اداريا مركزيا قويا واعتبرت جميع العلاقات عمودية داخل جهاز الدولة.               
اختيار أنقرة كعاصمة للجمهورية كلف تركيا كثيرا ولكنه كان ضرورة بالنسبة للمؤسسين. فالقطيعة مع الإرث العثماني ومحاولة ترسيخ فكرة القومية فرضا ذلك، لأن اسطمبول لا يمكنها تأدية هذا الدور. وإلى اليوم تعاني أنقرة من مركب نقص تاريخي تجاه اسطمبول يظهر ذلك في قمع الأقاليم من أجل ان تلتفت الى عاصمة الجمهورية وليس الى عاصمة الخلافة. مركب نقص آخر - غير عاصمتها - عانت منه الدولة الكمالية وهو ضمور فكرة القومية بسرعة ولذلك التجأت إلى الإسلام وجعلت منه جزءا من تركيبة القومية التركية وكان ذلك على حساب الأقليات (طرد المسيحيين الى اليونان).
ان الاختلال في النظريات التي تريد أن تجعل من الشعب يخدم الدولة والهندسة العمودية الجامدة للدولة جعلت من التغيرات الاجتماعية والعالمية تعمل ضد ثوابت تركيا. وكان صعود النموذج الديمقراطي للعالم قد زاد من تصعيد فكرة إرادة الشعب ليحصل ذلك الصدام الفكري منذ السبعينات ونجحت في قمعه لعقدين بفضل أذرعها القوية: الجيش والقضاء والإدارة. الا أن التسعينات بيّنت أنها لم تعد تستطيع المقاومة أكثر فسحب بساط الحكم بسهولة من تحت أرجلها.
هذه العناصر وغيرها جعلت تركيا نموذجا خاصا بلا شبيه. فمثلا لا نجد في بلدان أخرى ذلك الانفصال بين مفهومي الحكومة والدولة، كما أنه لا يوجد في تركيا قاعدة ثابتة من الناخبين الذين يرتبطون بحزب بعينه.
ان قراءة عابرة في شريط الانتخابات التركية على مدى أكثر من خمسين عام تشير الى أن الناخب التركي غير مستقر، فالحزب الكبير "حزب الشعب الجمهوري" لم يكتسح في الانتخابات سوى مرتين في تاريخه سنتي 1973 و1977 حين كان بولنت أجاويد في قمة حياته المهنية وهو الذي سينفصل بحزب جديد ويبلغ به منصب رئيس الحكومة في مناسبة أخرى.
مكنت هذه الروح التركية المتقلبة من صعود أحزاب كثيرة للحكم. "الحزب الديمقراطي" لعدنان مندريس في الخمسينات، "حزب العدالة" لسليمان ديميريل أو "حزب الوطن الأم" لترجوت أوزال، كما أنها الروح التي فسحت المجال لصعود أربكان أو أردوغان. ولكن رغم أن تركيا قد تداولت حكمها أحزاب كثيرة فلم تتداول حكمها سوى أسماء قليلة، وتلك خاصية فريدة أخرى من خصائص عالم السياسة في تركيا. 

تحوّلات النخب السياسية
بعد القبضة الحديدية التي حكم بها تركيا كل من أتاتورك ثم الرجل الثاني عصمت اينونو، ستبدأ النخبة السياسية الملتفة حول ثوابت العلمانية والقومية التركية تتشطى كلما ابتعدت عن زمن المؤسسين. في الخمسينات ومنذ أن اعتمد النظام الديمقراطي، خرج "حزب الشعب الجمهوري" حزب أتاتورك التاريخي منهزما، الا أن الفائز عدنان مندريس كان جزءا من العائلة الكمالية الموسّعة.
في السبعينات اختلف اينونو ممثل الجيل القديم داخل "حزب الشعب الجمهوري" مع بولنت أجاويد الصاعد حول تدخل الجيش في السياسة بالانقلابات المباشرة. حصلت انتخابات داخلية سنة 1973 فاز فيها أجاويد بنجاح باهر فانسحب اينونو من السياسة وخرج أنصاره في حزب جديد سمي بـ "حزب الثقة" كان همّه الأول إسقاط أجاويد والعودة الى الروح الاتاتوركية الأصيلة لذلك تحالفوا مع زعيم المحافظين ومنافس أجاويد الأبدي سليمان ديميريل الذي استفاد لوحده من هذا التحالف.
حين أصبح التنافس السياسي منحصرا بين قوّتين متعادلتين (أجاويد وديميريل)
تحمّل الشعب التركي تبعات ذلك، حتى أن الأجهزة الأمنية كانت منقسمة بين الولاءات مما جعل الشارع جحيما. بدا الأمن غائبا في تركيا السبعينات، وأصبح السياسيون يلعبون على العواطف مثل تدخل أجاويد في قبرص ليبرز كبطل قومي أو تقدم ديميريل بخطوات سريعة في مشروع الاتحاد الأوروبي الذي دغدغ المشاعر التركية بالالتحاق بالاقوياء. الا أن الجيش كان يتربص للسياسيين الذين لم يقدموا شيئا لتركيا، وفي الأخير أفضت السبعينات إلى أشهر انقلابات تركيا العسكرية بقيادة الجينرال كنعان افرين سنة 1980 الذي سجن كل من ديميريل وأجاويد لفترة قصيرة وفرض كتابة دستور جديد ثم احتكر منصب الرئيس حتى 1988 وفي الأثناء صعد جيل سياسي جديد ولكن دون أن يلغي الجيل السابق.
حين تم الافراج عن أجاويد أسس تيار جديدا سمّاه بـ "اليسار الديمقراطي" وقد جعل منه حزبا قويا سيضرب به أكثر قاعدة الحزب الكبير دون أن يخرج عن مسلماته. وقد أوصله هذا الحزب لرئاسة الحكومة للمرة الخامسة سنة 1997 الا أنه أنهى مسيرته باخفاق شامل. فقد اقتربت الدولة من حافة الإفلاس لولا اسعافات صندوق النقد الدولي، وأجبر أجاويد على الاستقالة بعد خلاف كبير مع الرئيس نجدت سيزار.
في ظل تغييب الجيش لكل من ديميرال وأجاويد، صعد ترغوت اوزال كأبرز سياسي في الثمانينات والذي فهم أن إرادة التغيير حاسمة لدى الشعب التركي فأنشأ حزبا جديدا بكوادر جلبها من الحزب القديم مسميا حزبه بـ "حزب الوطن الام" ANAP. حرّر الاقتصاد من الدولة ليجعل من تركيا رأسمالية حقيقية وليست رأسمالية على الورق.
منذ أن تحرّر الاقتصاد تحرّر المجتمع التركي، ونمت طبقة رجال الاعمال الذي ساهموا في بناء مجتمع مدني سيبدأ في تأطير نفسه مخالفا توجهات الدولة، وهناك نما الإسلاميون على عقدين. فتح أوزال كذلك كواليس السياسة للاعلام مزيلا عنها كل المحرّمات مع الإبقاء على قدسية العلمانية والجيش كضمانة للقيم الكمالية. وكان أوزال أول ظهور لنخب الاناضول على حساب رجال المدن الكبرى.
جاءت العولمة لتجعل من أوزال أسطورة حية، لأنها وجدت تركيا مستعدة للمنافسة في كل الأسواق. وحين توفي سنة 1993 تولى مهامه الرئاسية رئيس الوزراء سليمان ديميرال الذي وجد نفسه أخيرا يعمل بأريحية ليكمل مشاريعه وارتاح في موقعه كأب جديد لتركيا. كان يرى في الاتحاد الأوروبي ترياق كل مشاكل تركيا، فالحركية المفقودة في الداخل ستأتيه على طبق من الخارج وبذلك سيتغلب على تأثير الجيش والبيروقراطية. الا أن الاتراك اكتشفوا أن الركض خلف أوروبا قد زاد من زخم مشاكلهم نظرا لسياسة الابتزاز التي مارسها الاتحاد الأوروبي علاوة على موقع تركيا الاستراتيجي في حلف الناتو. رغم ذلك اندفع الجميع في الحلم الأوروبي، لأنه بدا في مصلحة الجميع: الكماليون من أجل ضمان ثوابتهم العلمانية، الإسلاميون المقموعون الذين ينتظرون الديمقراطية، الاكراد الذين سيجدون رقباء على تشدد الدولة التركية معهم، ورجال الأعمال الذين سيغنمون أسواقا جديدة. 

تزاوج نخب الاناضول بالاسلام السياسي
طوال تاريخ الجمهورية، كلما تحدّث رجل سياسي بالإسلام الا وأسقط. وهذا هو شأن أبو الإسلام السياسي في تركيا نجم الدين أربكان. الا ان كل هذا سينقلب رأسا على عقب حين سيتكلم رجال الأعمال بالإسلام الذي سيصبح صوته مسموعا وسيصل بأركان نفسه الى السلطة.
إن مدينة قيصري في قلب الأناضول تعدّ رمز التزاوج الثلاثي بين الأناضوليين والإسلام والمال والذي أنتج في الأخير هذه السيطرة الإسلامية السياسية. فمدينة قيصري هي نواة أكبر رجال الاقتصاد في تركيا اليوم الذين يدعمون أردوغان كما أن لديها رمزية احتواء مقرّ أقوى الشركات التركية التي غزت العالم وهي ماركة "أولكر" للبسكويت.
لقد تم الاشتغال على فكرة الإسلام بإعلاء قيمة العمل وبإثبات أنه داعم للاقتصاد الرأسمالي ليصبح بذلك متوافقا مع توجهات الدولة. وكان تجار الاناضول سواء في مدن الأناضول أو في المدن الكبرى هم أول من حصد ثمار العولمة وسياسات ديميريل المنحازة لاوروبا وبذلك كبرت طبقة التجار التي ستكون العمود الفقري لحزب العدالة والتنمية والتي طالما ضايق مصالحها تشدد أربكان لذلك ظلت بعيدة عن السياسة.
بدأ أربكان نشاطه السياسي من القاعدة بعد عودته في الستينات من دراسة الهندسة في ألمانيا، وتأسيسه لمصنع لمحركات الديزل في تركيا. رفع للحزب الذي أسسه بخلفيات إسلامية "حزب النظام الوطني" شعارات مساندة المواطنين في الحياة اليومية . قدّم القروض الصغيرة وجمع التبرعات لانشاء المشاريع الاجتماعية كالمسشفيات والمساجد والمدارس ولما ضربته الآلة القضائية بحجب ترخيصه انكمش في دائرة العمل الجمعياتي ليدخل فيما سماه مرحلة "الإصلاح الاسلامي الصامت".  

أسّس تنظيم "ميلي غوروش" (أي الرؤية الوطنية) في ألمانيا أولا ثم جاء به الى تركيا ليجعل من قبول الألمان به حجة على الأتراك، وهو التنظيم الذي فرّخ أردوغان وأوغلو وغول مواصلا في نفس التوجهات الاجتماعية، ولكنه زاد من جرعة التوجه الإسلامي بإضافة لمسات ثقافية ودعوية. نظم من خلاله رحلات الحج وحفلات الزواج والأنشطة الثقافية والدعوية وقوافل العمل التطوعي.
بعد مرحلة الجمعيات تم التوجه في اطار حزب جديد "حزب الرفاه" بالعمل على المستوى البلديات متقدما بخطوة أخرى في تسلق طبقة النخبة الإسلامية للسلالم الاجتماعية والسياسية، وقد كان أردوغان مرشح الحزب سنة 1994 في بلدية اسطمنبول وتعتبر هذه الخطوة حاسمة في مسيرته. بعدها توجهت خطط أربكان نحو البرلمان حيث بدأت مقاعده منذ نهاية الثمانينات تمتلئ تدريجيا بالاسلاميين مما مكنه من المشاركة في الحكومات.
 أربكان كان أول من زعزع في الثمانينات خطاب الكمالية حين هاجم التودد لأوروبا معتبرا أن تركيا لن تصير أوروبية أبدا معتبرا أوروبا ناديا مسيحيا تديره الماسونية.
توّج أربكان كل هذه المسيرة حين وصل للحكم في 1996 ولكنه لم يستطع أن يبدد المخاوف من تبديل أركان الدولة وخاصة العلمانية التي كان يهاجمها صراحة والوصول إلى دولة إسلامية وهدم كل ما تحقق نحو بلوغ الاتحاد الأوروبي، لذلك نشطت ضدّه آلة الاعلام وسرعان ما أسقطه الجيش في 1997. وفي الحقيقة لم يبكه الكثيرون لانه كان بعيدا جدا عن الشخصية التوافقية. ولكن من جلبابه ومن أخطائه سيخرج جيل اسلامي ثان سيحقق كل النجاحات مع تعديلات طفيفة.
ان حزب العدالة والتنمية الذي تأسس سنة 2001 يعتبر حزبا براغماتيا بامتياز، فقد تنازل عن خطاب الملهم اربكان الاسلاموي لصالح السياسة. العلمانية موضوع لا يتم الخوض فيه، والتوافق مع الغرب أصبح جزءا من مشروعهم. تميز صعود الحزب أيضا بالعودة للخطاب الدعوي لسعيد النورسي (داعية أناضولي اضهده العلمانيون في النصف الأول من القرن العشرين) وخاصة فتح الله جولن داعية الحداثة الإسلامية.
وكما أن اتاتورك استثمر التقارب التركي الألماني لبناء العلمانية بالآليات البسماركية. استلهم الجيل الثاني من الإسلاميين إسلامهم السياسي من التجربة الألمانية حيث يعد الحزب المسيحي الديمقراطي (حزب اديناور، هيلموت كول وانجيلا مركيل) نموذجهم علاوة على الخلفيات الاخوانية التي هي عمق الإسلام السياسي التركي.
كان صعود الإسلاميين من القاعدة للقمة في تركيا إنجازا صفق له الجميع. وتمكنت النخبة الحاكمة الجديدة من تجاوز الازمة وتقديم بدائل على جميع المستويات. لعبت الدعاية دورا مهما في صنع أسطورة النموذج الإسلامي التركي الناجح، وتم اللعب على عواطف شعبية كثيرة. الا أن الشعب التركي يبقى في جزء كبير منه صنيعة الدولة العلمانية وقواها الخفية ولذلك فهي تستطيع في أي لحظة أن توجهه. لقد بدا أردوغان لسنوات وكأنه قد حقق كل شيء مرضيا الجميع من الغرب إلى الشرق، ومن أعلى إلى أسفل الطبقات الاجتماعية. فجأة اندلعت أحداث ساحة التقسيم. 
ثغرات النموذج الاردوغاني
علاوة على أن أردوغان وجد أرضية ملائمة لصعوده، فقد سمحت له إنجازاته من تطوير بروباغندا سياسية متكاملة. هناك ورقة اقتصادية لعبت بقوة، وهي تمكن تركيا من تسديد كافة ديونها لصندوق النقد الدولي. هذا علاوة على النجاح في تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية منذ 2008 إلى اليوم بسلام. الا أن قراءة بأكثر حدة نقدية تفسّر أن هذه الإنجازات قد تمت على حساب جوانب أخرى.
إن الأرقام الجيّدة قد تكون مغالطة كبيرة اذا ما وضعنا ازدهار الاقتصاد أمام استحقاقات العدالة الاجتماعية. فتحت حكم حزب العدالة والتنمية، زاد التفاوت الاجتماعي وتقلصت الطبقة الوسطى أكثر فأكثر كما أن نسبة الفقر تقدّر اليوم بـ 20 % في تركيا. لقد دخلت تركيا في سياسة خوصصة مكثفة - قد تكون الأعلى نسقا في محيطها الإقليمي - فلم تكتف بخوصصة شركات القطاع العام بل ذهبت الى خوصصة خدمات الدولة نفسها ومرافقها. كما يواجه اردوغان انتقادات خصوصا من رجال الأعمال من غير التجار، بتوجيهه الاقتصاد التركي نحو الخدمات والسياحة ضاربا بذلك الصناعات التركية التي انكمشت الى نسبة 25 % بعد أن كانت تتجاوز 40 % في عهد سليمان ديميرال، وكذلك يشتكي من هذه السياسات المتداخلون في القطاع الفلاحي.  

كل هذا دون أن ننسى تبعية تركيا المعروفة لسياسات الغرب وموقعها في منظومات الأمن الغربية ومخططات حلف الناتو وهذا ما يفسّر تناقض خطابها السياسي مع حقيقة سياستها الخارجية ففيما تحاول أن تلعب دورا في قضية الشرق الأوسط لصالح القضية الفلسطينية بقيت على تحالفاتها الاستراتجية مع اسرائيل. في هذا الاطار وافقت على نشر رادارات الدرع الصاروخي للناتو في أراضيها، لتكون جزءا أساسيا في منظومة دفاعية مشتركة مع اسرائيل ضدّ ايران والصين وروسيا. كما ان قوات تركية ساهمت في تدخل الناتو في ليبيا علاوة على رعاية المعارضة السورية بالدعم المعنوي والتسليح.
اذن يمكن أن يكون الوجه الايجابي للاقتصاد التركي مندرجا في صفقات معينة، مثل توجيه الأسواق لها حسب الاتفاقيات والمساهمة في لعب أدوار في السياسة الدولية، وقد تكون أسواق الشرق الأوسط وشمال افريقيا جزءا من غنائمها وهي الأسواق التي أنقذتها من تبعات الازمة الاقتصادية العالمية. 

مضيق البوسفور السياسي
بدأت احتجاجات التقسيم من إرادة استثمار اقتصادي من بلدية إسطنبول بتحويل ساحة التقسيم الى مركب تجاري لتصل الى استثمار سياسي بامتياز. كثيرون سيلقون بصناراتهم المتربصة في ورطة أردوغان بداية من النخب العلمانية التي أسقطها والتي تلتقط في خطابه الكثير من التشفي، وصولا إلى الجار السوري الذي يريد أن يرد صفعة التدخل في شئونه، دون إغفال المصالح المتشابكة للأكراد والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وروسيا واليونان والولايات المتحدة وايران. وتوجد قراءة أخرى ترى أن تركيا مثال جديد لبلد يريد أن يرفع رأسه ويجالس الدول الكبرى فتتلقف طموحه بمآمرات الداخل.
ساهم غرور أردوغان في الأيام الأولى في تأجيج الاحتجاجات وتصعيد المتظاهرين لشعاراتهم وردود أفعالهم. ثم خرج قرار جديد بتسمية جسر على البوسفور باسم السلطان العثماني سليم الأول الذي تميز حكمه بالتشدد تجاه حركات التمرّد وخاصة قمعه للعلويين وهي من كبرى الأقليات في تركيا علاوة على أنها الطائفة التي ينتمي لها الأسد.
إن قرارا مماثلا يبرّر اتهامات العلمانيين لأردوغان بأنه يحاول فرض "الأسلمة" من أعلى، بينما تجيب النخبة الإسلامية بأن دولة اتاتورك هي التي فرضت العلمانية من أعلى وبقسوة. وهذا ليس غريبا عن سياق العناد الذي يعتبر من خصائص الشخصية التركية.
بعد قرابة عقد من الذهول، تبدو اليوم النخب العلمانية بصدد الافاقة من جديد في معقلها التركي. لقد وجدت نفسها في بداية الألفية لأول مرة في موقع دفاع واستغل اردوغان ارتباكها .. اليوم تجد الفسحة للمناورة ليجد أردوغان نفسه لأول مرة في موقع دفاع. وبعد أن تصارعت النخب في المؤسسات السياسية و تجادلت بالفكرة وتنافست في الاقتصاد وفي وسائل الاعلام، هاهي صراعاتها تنزل اليوم للشارع في لعبة بقواعد مختلفة وفي سياق عالمي مغاير.

هناك تعليق واحد: