(لنحاول أن نفهم كيف تصنع المواقف التي
يتبناها الرأي العام مستأنسين بفكر عالم الاجتماع بيار بورديو الذي نشرت له مؤخرا
شهرية "لومند ديبلوماتيك" محاضرة ألقاها في التسعينات وكأنها تشير الى
أن ما قاله بورديو منذ 20 عام مازال وكأنه يتحدث عن الوضع الحالي. "أوارنس" تنشر لكم هذه الوثيقة المهمة والتي ينطبق عليها نفس التقدير.)
من ناحية هناك وضعية اقتصادية واجتماعية
غير مألوفة، ومن الناحية المقابلة جدل شعبي مشوّه باختصاره بين خيارات قليلة فإما
تشدد اليمين أو عناد اليسار. كيف يمكن حصر فضاء الخطب الرسمية؟ وعبر أية أعجوبة
يتحول رأي أقلية ما إلى رأي عام ؟
إن الرجال أصحاب المواقع الرسمية مثل
الممثلين (أو مثل الدمى المتحركة) يتحدثون باسم الدولة. إنهم يأخذون وضعا رسميا.
لذلك يجب وصف مشهد الرجل الرسمي فهو يتكلم لأجل وعوض جماعة يتوجه إليها. يتكلم
بوصفه ممثلا للكل.
هكذا نقترب من مفهوم الرأي العام
المعاصر. فما هو هذا الرأي العام الذي يتوسله جميع محركي المجتمعات؟
نقول الرأي العام وكأنه ضمنيا رأي الجميع، رأي
الأغلبية الساحقة أو رأي الذين لهم صوت ومن لهم الحقوق لإبداء آرائهم. أعتقد أن
هناك تعريفا مبثوثا على نطاق واسع على أن الرأي العام هو رأي متنور وصائب لحد كبير
(هنا اعتماد على تصور أن الأفراد يحسون بانتماء ما عبر خلط الانتماء الاجتماعي
بانتماء الرأي)
إن منطق المأموريات والمهمات الرسمية
يقتضي إحداث مجموعة من الناس يتم إعطائها جميع السمات الخارجية المتبناة على نطاق
اجتماعي واسع مع إمكانية عرض الرأي القابل للعرض عبر أشكال خاضعة لمعايير. واحد من
المعايير الضمنية الأكثر أهمية في اختيار أعضاء لجنة أو انتخاب رئيس هو حدس أن
الشخص المزمع اختياره يعرف جيدا القواعد الضمنية للعالم الرسمي (البيروقراطي
غالبا) ويعترف بها، بعبارة أخرى شخص يعرف
قواعد اللعبة ويستخدمها بطريقة شرعية وكما
نعرف في كل لعبة هناك قواعد وهناك أخلاقيات. وكي لا يكون أي تناقض هناك فن آخر هو
فن اللعب بقواعد اللعبة. وهكذا يكون المخالِف المراقَب ضمانةً أمام كل ما هو ابتداعي
غير تقليدي. المجموعة المهيمنة تضم أعضاء يحملون مؤشرات احترام قواعد اللعبة
والمخالفات المعترف بها. وكلما زاد الصعود في سلم الامتيازات زادت فرصة اللعب
بقواعد اللعبة.
الرأي العام هو نوع من الحقيقة المزدوجة.
هو ما لا يمكننا أن لا ننشده حين نريد سن قانون في مناطق غير مقننة. حين نقول أن
هناك فراغا قانونيا مثلا حول أطفال الأنابيب أو القتل الرحيم نستدعي أناسا
سيعملون لملئ هذا الفراغ عبر خطاب عام
يعني إيجاد حل رسمي لمشكل يحيّر المجتمع كالاعتراف بأطفال مجهولي الأب مثلا. عندما
نكون في مثل هذه الوضعية علينا أن نتوسل رأيا عاما. في هذا السياق يتم استغلال سبر
الآراء ثم القول إن سبر الآراء معنا كما قيل من قبل إن الله معنا في سياق آخر. غير
أن سبر الآراء يكون أحيانا مزعجا – مربكا فحين يكون الٍرأي المتنوّر ضد حكم
الإعدام نجد سبر الآراء على النقيض. ما العمل ؟ هناك مهمة تنويرية تفرض نفسها هي
صنع رأي عام بصياغة الرأي المتنور في شكل شرعي وقانوني ثم بثه لكي يتبناه الرأي
العام (وهو إما ضد أو غالبا لا يملك رأيا). إن إحدى خصائص سبر الآراء هي وضع أسئلة
للناس لم يطرحوها على أنفسهم ومن ثم تسريب أجوبة عليها. إذن في الحقيقة هي عملية
فرض أجوبة. إنها ليست قضية ميولات في وضع
الاختيارات ولكن هو فرض الرأي ومن ثم صناعة أجوبة
(متنورة) عبر الأسئلة. لقد أوجدنا للناس أسئلة لم تكن موجودة بالنسبة لهم
فيما كان السؤال الحقيقي ما كانت تفعله الأسئلة فيهم.
يعطي
ماكينون 1828 للرأي العام معنى مزدوجا إذ يقول "حين نتحدث عن الرأي
العام نلعب على الكلمات بين المعنى المعروف (مطروح عبر الفهم المباشر للمصطلح) أي
رأي الجميع وبين الرأي المناسب و المسموح به. وعبر هذا المفعول حول أي قضية مطروحة
سيكون أكثر الناس الماما وأكثرهم ثقافة ودورا اجتماعيا أول المتبنين له وتدريجيا
يقومون هم ببث الأطروحة في نطاقهم". إن حقيقة المهيمنين تصبح الحقيقة بالنسبة
للجميع.
إن منتج كل ما هو رسمي يعرف جيدا صنعته
فعبر مسرحة (إبراز) شيء ليس له وجود عيني يقوم بذلك. فهو لا يستطيع ألا يمسرح. ألا
يجسّد .ألا يصنع المعجزات . المعجزات اللفظية (أكثر المعجزات المألوفة). النجاح
البلاغي . انه يُخرج (بالمعني المسرحي) كل ما يسمح له بالكلام، بعبارة أخرى يجسّد
السلطة التي يتكلم باسمها. إن كل من يقوم بوظيفة قولية (رجل السياسة والقانون
والأدب) مجبر على إخراج ما يقوم به
بالتعبير عنه. مجبر على إنتاج خطاب وإنتاج إيمان ما أو قناعات داخل جمع ما (الأمة –
الشعب – الطبقة – أهل المهنة ..). ألا نرى هذا الإخراج مثلا في طقوس قسم المحامين وفي كل مراسم التتويج والتي هي كلها
تواصل للمراسم الدينية. إننا نتحدث دائما عن إصلاح المنظومة القضائية أو الإعلامية
ولا نفعل ذلك لأنه آخر قطع الملابس التي نحملها وان الملوك (السلطة) العرايا ليس
لهم هيبة.
أحد الأبعاد المهمة جدا للمسرحة هي مسرحة
المنفعة من أجل المصلحة العامة، إنها مسرحة قناعات المصلحة من أجل الكلي من ذلك مسرحة عقائد رجال الدين وقناعات رجال
السياسة وتجرّدهم وإيمانهم بما يفعلون. إذا كانت مسرحة القناعات من بين الشروط
الضمنية لمهنة الاكليركي (من يستخدم في الأعمال الكتابية للكنيسة) أو كذلك الأستاذ
فهي تقديم التقدير اللازم للرجل الرسمي، إنها ما يجب أن يقدّم للرجل الرسمي ليصبح
رسميا، تقديم التجرّد، الاعتقاد فيما هو رسمي، ليصبح رسميا بالفعل.
مقال مترجم لبيار بورديو





