الاثنين، 2 أبريل 2012

فبركة الرأي العام (بيار بورديو)



(لنحاول أن نفهم كيف تصنع المواقف التي يتبناها الرأي العام مستأنسين بفكر عالم الاجتماع بيار بورديو الذي نشرت له مؤخرا شهرية "لومند ديبلوماتيك" محاضرة ألقاها في التسعينات وكأنها تشير الى أن ما قاله بورديو منذ 20 عام مازال وكأنه يتحدث عن الوضع الحالي. "أوارنس" تنشر لكم هذه الوثيقة المهمة والتي ينطبق عليها نفس التقدير.)
من ناحية هناك وضعية اقتصادية واجتماعية غير مألوفة، ومن الناحية المقابلة جدل شعبي مشوّه باختصاره بين خيارات قليلة فإما تشدد اليمين أو عناد اليسار. كيف يمكن حصر فضاء الخطب الرسمية؟ وعبر أية أعجوبة يتحول رأي أقلية ما إلى رأي عام ؟

إن الرجال أصحاب المواقع الرسمية مثل الممثلين (أو مثل الدمى المتحركة) يتحدثون باسم الدولة. إنهم يأخذون وضعا رسميا. لذلك يجب وصف مشهد الرجل الرسمي فهو يتكلم لأجل وعوض جماعة يتوجه إليها. يتكلم بوصفه ممثلا للكل.
هكذا نقترب من مفهوم الرأي العام المعاصر. فما هو هذا الرأي العام الذي يتوسله جميع محركي المجتمعات؟
 نقول الرأي العام وكأنه ضمنيا رأي الجميع، رأي الأغلبية الساحقة أو رأي الذين لهم صوت ومن لهم الحقوق لإبداء آرائهم. أعتقد أن هناك تعريفا مبثوثا على نطاق واسع على أن الرأي العام هو رأي متنور وصائب لحد كبير (هنا اعتماد على تصور أن الأفراد يحسون بانتماء ما عبر خلط الانتماء الاجتماعي بانتماء الرأي)

إن منطق المأموريات والمهمات الرسمية يقتضي إحداث مجموعة من الناس يتم إعطائها جميع السمات الخارجية المتبناة على نطاق اجتماعي واسع مع إمكانية عرض الرأي القابل للعرض عبر أشكال خاضعة لمعايير. واحد من المعايير الضمنية الأكثر أهمية في اختيار أعضاء لجنة أو انتخاب رئيس هو حدس أن الشخص المزمع اختياره يعرف جيدا القواعد الضمنية للعالم الرسمي (البيروقراطي غالبا) ويعترف بها،  بعبارة أخرى شخص يعرف قواعد اللعبة ويستخدمها بطريقة شرعية  وكما نعرف في كل لعبة هناك قواعد وهناك أخلاقيات. وكي لا يكون أي تناقض هناك فن آخر هو فن اللعب بقواعد اللعبة. وهكذا يكون المخالِف المراقَب ضمانةً أمام كل ما هو ابتداعي غير تقليدي. المجموعة المهيمنة تضم أعضاء يحملون مؤشرات احترام قواعد اللعبة والمخالفات المعترف بها. وكلما زاد الصعود في سلم الامتيازات زادت فرصة اللعب بقواعد اللعبة.

الرأي العام هو نوع من الحقيقة المزدوجة. هو ما لا يمكننا أن لا ننشده حين نريد سن قانون في مناطق غير مقننة. حين نقول أن هناك فراغا قانونيا مثلا حول أطفال الأنابيب أو القتل الرحيم نستدعي أناسا سيعملون  لملئ هذا الفراغ عبر خطاب عام يعني إيجاد حل رسمي لمشكل يحيّر المجتمع كالاعتراف بأطفال مجهولي الأب مثلا. عندما نكون في مثل هذه الوضعية علينا أن نتوسل رأيا عاما. في هذا السياق يتم استغلال سبر الآراء ثم القول إن سبر الآراء معنا كما قيل من قبل إن الله معنا في سياق آخر. غير أن سبر الآراء يكون أحيانا مزعجا – مربكا فحين يكون الٍرأي المتنوّر ضد حكم الإعدام نجد سبر الآراء على النقيض. ما العمل ؟ هناك مهمة تنويرية تفرض نفسها هي صنع رأي عام بصياغة الرأي المتنور في شكل شرعي وقانوني ثم بثه لكي يتبناه الرأي العام (وهو إما ضد أو غالبا لا يملك رأيا). إن إحدى خصائص سبر الآراء هي وضع أسئلة للناس لم يطرحوها على أنفسهم ومن ثم تسريب أجوبة عليها. إذن في الحقيقة هي عملية فرض أجوبة.  إنها ليست قضية ميولات في وضع الاختيارات ولكن هو فرض الرأي ومن ثم صناعة أجوبة  (متنورة) عبر الأسئلة. لقد أوجدنا للناس أسئلة لم تكن موجودة بالنسبة لهم فيما كان السؤال الحقيقي ما كانت تفعله الأسئلة فيهم.
يعطي  ماكينون 1828 للرأي العام معنى مزدوجا إذ يقول "حين نتحدث عن الرأي العام نلعب على الكلمات بين المعنى المعروف (مطروح عبر الفهم المباشر للمصطلح) أي رأي الجميع وبين الرأي المناسب و المسموح به. وعبر هذا المفعول حول أي قضية مطروحة سيكون أكثر الناس الماما وأكثرهم ثقافة ودورا اجتماعيا أول المتبنين له وتدريجيا يقومون هم ببث الأطروحة في نطاقهم". إن حقيقة المهيمنين تصبح الحقيقة بالنسبة للجميع.

إن منتج كل ما هو رسمي يعرف جيدا صنعته فعبر مسرحة (إبراز) شيء ليس له وجود عيني يقوم بذلك. فهو لا يستطيع ألا يمسرح. ألا يجسّد .ألا يصنع المعجزات . المعجزات اللفظية (أكثر المعجزات المألوفة). النجاح البلاغي . انه يُخرج (بالمعني المسرحي) كل ما يسمح له بالكلام، بعبارة أخرى يجسّد السلطة التي يتكلم باسمها. إن كل من يقوم بوظيفة قولية (رجل السياسة والقانون والأدب) مجبر  على إخراج ما يقوم به بالتعبير عنه. مجبر على إنتاج خطاب وإنتاج إيمان ما أو قناعات داخل جمع ما (الأمة – الشعب – الطبقة – أهل المهنة ..). ألا نرى هذا الإخراج مثلا في طقوس  قسم المحامين وفي كل مراسم التتويج والتي هي كلها تواصل للمراسم الدينية. إننا نتحدث دائما عن إصلاح المنظومة القضائية أو الإعلامية ولا نفعل ذلك لأنه آخر قطع الملابس التي نحملها وان الملوك (السلطة) العرايا ليس لهم هيبة.
أحد الأبعاد المهمة جدا للمسرحة هي مسرحة المنفعة من أجل المصلحة العامة، إنها مسرحة قناعات المصلحة من أجل الكلي  من ذلك مسرحة عقائد رجال الدين وقناعات رجال السياسة وتجرّدهم وإيمانهم بما يفعلون. إذا كانت مسرحة القناعات من بين الشروط الضمنية لمهنة الاكليركي (من يستخدم في الأعمال الكتابية للكنيسة) أو كذلك الأستاذ فهي تقديم التقدير اللازم للرجل الرسمي، إنها ما يجب أن يقدّم للرجل الرسمي ليصبح رسميا، تقديم التجرّد، الاعتقاد فيما هو رسمي، ليصبح رسميا بالفعل.

التجرد ليس فضيلة ثانوية في هذا الموقف: إنها فضيلة لازمة لكل مفوّض. وان الفضائح السياسية هي انهيار الاعتقاد السياسي الذي يقول أن الجميع أصحاب ذمم سيئة، وهذا الاعتقاد هو شكل من أشكال سوء الذمة الجماعي بالمعنى السارتري: إنها لعبة يكذب فيها الجميع على أنفسهم وعلى بعضهم مع معرفتهم أنهم يكذبون. هذا هو الرسمي ... 
مقال مترجم لبيار بورديو

قراءة في "تاريخ تونس" للحبيب بولعراس




لكأنها من تقاليد كتابة تاريخ تونس أن نرى رجال الدولة يتعهدون بهذه المهمة الدقيقة فابن خلدون سياسي أساسا واحمد بن أبي ضياف وحتى حسن حسني عبد الوهاب تقلد مناصبا في الدولة وقت الحماية وآخرهم الحبيب بولعراس- رجل الإعلام والأدب علاوة على كونه رجل الدولة من جيل المؤسسين- في عمله الأخير "تاريخ تونس" الذي صدر بالفرنسية في 700 صفحة. محاولا أن يقدّم إضافة في كتابة تاريخ تونس بعد أن شهدت تطورات تاريخية تفرض إعادة قراءة تاريخنا من جديد.



يؤكد الحبيب بولعراس أن التواريخ وحدها لا تفي بالحاجة ولكن السؤال "كيف حصل ذلك؟" هو الذي يبث الحياة في التاريخ. وهو يريد أن يقطع مع مقولة تعريف تونس بملتقى الحضارات "علينا أن نعرف أننا حين نقول أن تونس ملتقى الحضارات فإننا لا نقول شيئا في الحقيقة". في مقدمته للكتاب يعطي للقارئ توجيهات لتسهيل التفاعل بينه وبين المادة التاريخية إذ  يشير أن يقرأ كأطلس أو كمعجم  و"الفصول عبارة عن مقالات حول الوقائع التي ساهمت في التكوّن التدريجي للبلاد ولشعبها" فهو يريد أن لا يسجن القارئ في القراءة المتصلة التي تجعل كل الأحداث تتشابك ولا نخرج بفهم إلا إذا رأيناها كلها، مستغلا على أحسن وجه الصور لتكمل ما يقوله السرد وهنا يبرز رجل المسرح حين يمزج بين النص والصورة لتبليغ نظرته للمتلقي.
إنها كتابة التاريخ من موقع قارئ متسائل. الأسئلة في هذا الكتاب كثيرة ويبقى سؤاله الكبير "حول تونس اليوم، لماذا وكيف تكونت جغرافيا، سياسيا، اجتماعيا وثقافيا؟" الإجابة ستكون باستغلال أعمال الاختصاصيين من المؤرخين والإخباريين مع إضفاء نظرة محيّنة تمكّن من فهم ما وقع على ضوء ما آلت إليه الأمور. هناك أسئلة أخرى مثلا "كيف أن هذه البلاد بعد أن حكمت أو على الأقل تركت أثرها المباشر في الفضاء المغاربي وفي جزر المتوسط واسبانيا انكمشت على مساحة جغرافية ضيقة في الأخير؟" وسنرى في هذا العمل أن تاريخ تونس أوسع بكثير من رقعتها الجغرافية الحالية.  يتساءل أيضا "كيف خسر بلد سمّي افريقيا اسمه لفائدة القارة كلها؟  ويقول موضحا "لا يوجد هنا أي حنين إلى الماضي ولكنها الرغبة في معرفة كيف وُضع التاريخ؟"      
بعد تقديم اركيولوجي عام يبدأ بولعراس قصة تاريخ تونس بتأسيس الفينيقيين لأوتيكا ثم قرطاج، المرحلة التي تنتهي بانتحار عليسة حرقا مثلما سينغلق هذا السفر في مشهده الأخير بالثورة التونسية التي انطلقت بانتحار محمد البوعزيزي حرقا كذلك. النظرة المتسائلة تنقلب إلى نقد تحليلي لما هو مبثوث كحقائق ومسلمات في تاريخنا إذ يراجع الأسباب وعلاقتها بالنتائج، مثلا في قصة تأسيس قرطاج يعترف أن المصادر معظمها أجنبية ويتم التعويل عادة على تناول فرجيل الشاعر من موقعه الروماني الذي يربط تأسيس قرطاج بسقوط طروادة فيما يشبه الربط المدسوس بين أقدار دول مهزومة ولكنه يبيّن لنا أن المؤرخين اكتشفوا أن طروادة سقطت قبل 3 قرون من بناء قرطاج مما يجعل رواية فرجيل تتساقط، سيتعامل "رجل الأدب" بكل أريحيّة مع مثل هذه المواقف التي تربك المؤرخين عادة فيقول "إن الأساطير لا تعوّض التاريخ ولكنها تزيّـنه". نفس الأريحيّة سنجدها عند تحليله لعوامل استقلال تونس بالاعتراف بدور بيار منداس فرانس وادغار فور.
يحاول بولعراس أن يظهر لنا أن تاريخ تونس في الغالب مكتوب من الخارج (الحروب البونية، الفتوحات الإسلامية ..) لذلك ثمة عديد الثغرات مثلا في تاريخ الأمازيغ بما أنه لا يوجد من كتب تاريخهم فإذا لم نكتب تاريخنا بأنفسنا فإما أن ننسى من التاريخ كما حصل للأمازيغ وإما أن يُكتب تاريخنا كما يريد الآخرون كتابته مثلما حصل في الكثير من فصول تاريخنا سابقا. نقد كذلك نظرة المؤرخين المسلمين لتاريخنا حين يعتبرون أن افريقية دخلت التاريخ مع الفتح الإسلامي وبعدها ينتقد المدرسة الاستعمارية في كتابة التاريخ التي اجتهدت لتبرز المقاومة الشرسة للمحليين ضد العرب الغزاة ليجيبهم مؤرخونا في رواية مضادة تماما بمناصرة السكان المحليين للفتح العربي، سيحاول بولعراس أن يتخذ له موقعا مستقلا فيقول "إن الحقيقة تقع في منتصف الطريق" ليقدم إشكالية كتابة تاريخ تونس وهي أننا واقعون غالبا إما في نظرة المؤرخين الغربيين وأتباعهم لتاريخنا وإما في نظرة المؤرخين المشرقيين والمتتلمذين عليهم الذين جعلوا كتابة التاريخ من موقع الدفاع عن النفس. 
بخصوص تاريخ القرون الأخيرة يستخلص لنا الحبيب بولعراس أهم الدروس، مثلا نقطة ضعف الدولة الحفصية أنها لم تحسم قضية تناقل السلطة مما جعلها تخسر كل ما تحققه في كل عملية انتقال سلطة، درس ما بعد ثورة بن غداهم إذ تقوّت السلطة وبقي حال الرعية كما هو، بعد إعلان عهد الأمان ودستور 1861  يشير إلى الانفصال بين النصوص والممارسة وهي ظاهرة تتكرر دائما لنفهم لماذا لم تنجح الإصلاحات لإنقاذ الدولة في درس يمكن أن يكون ثمينا اليوم، ثم كيف خسرت تونس آخر فرصة ليكون الإصلاح من الداخل مع خير الدين باشا وبعدها أصبح التدخل الأجنبي نتيجة معقولة للعجز على التطور.
منذ أن نقترب من القرن العشرين سيتقلص الجانب التحليلي ويجف ينبوع الأسئلة الحارقة ليصبح منذ 1956 تاريخا كرونولوجيا صرفا وكأن الحبيب بولعراس يتحاشى التأريخ لما بعد الاستقلال رغم أنه من المنتظر أن تكون لديه في هذا الخصوص إضافة مهمة لتاريخ تونس بما أنه شاهد عيان أو مشارك في الأحداث وهو بذلك لا يضيف كثيرا للمصنفات التي كتبت حتى الآن عن تاريخ تونس والتي تقف هي الأخرى مع الاستقلال. حتى تاريخ الحركة الوطنية لا نجد فيه إضافة فهو في نفس صيغة التاريخ المتناقل، أشبه ما يكون بالتاريخ المدرسي من وجهة نظر مؤرخي ما بعد الاستقلال. في المحصلة نجد أنه كلما اقتربت التواريخ من الحاضر كلما برزت شخصية رجل الدولة في الكتابة على حساب رجل الأدب والإعلام، ربما تكون  رهبة المسؤولية التاريخية هي التي جعلته يحجم عن الخوض في مسائل لم تحسم بعد ولكنه بذلك يتناقض مع ما منّانا به في المقدمة حين يقول أنه "لا يحق لنا اليوم أن نؤرخ للفترات المضيئة فحسب، والصفحات الحالكة لا يجب أن تطوى لأنها ملأى بالعبر وهي كذلك تجيب كيف أصبحنا على ما نحن عليه اليوم."
 تمنينا أن لا ينفصل السياسي عن الإعلامي والأديب ولكن ذلك لن ينقص من أهمية العمل من حيث تعدد الخبرات والخلفيات وزوايا النظر التي كُتب منها بعيدا عن الوثوقية وفرض الرأي. أكثر من هذا فقد بحث الحبيب بولعراس عن ترجمة للعلاقة الحميمية بينه وبين تاريخ تونس في وثيقة يقدمها لإنارة حاضرنا الضبابي الذي نعيشه. انه يكتب لنا نظريته في تاريخ تونس وهو الذي قال عام 1968 في مسرحية عهد البراق "أردت إنقاذ المستقبل" وان استيعاب تاريخنا عنصر أساسي لإنقاذ المستقبل. 

مرحلة الصحافة في مسيرة بورقيبة




في أواخر العشرينات عادت مجموعة من الشباب التونسي بعد سنوات التحصيل المعرفي في باريس. كان من بينهم  الحبيب بورقيبة الذي لم يقتصر على دراسة تخصصه في القانون وأطل على علوم السياسة والاقتصاد والفلسفة والتاريخ والأدب فلما عاد إلى تونس انكبّ على فهم الواقع الذي أفرز الوضع الاجتماعي والسياسي المتعفن الذي وجده مستغلا الأدوات التي لديه. كان هدفه كما أعلن دائما هو تغيير الأدمغة وتغيير الناس لتأتي النتائج بعد ذلك بصفة طبيعية. من أجل ذلك سخّر كل الوسائل المتاحة للقيام بهذا العمل الجبار والمعقد وكانت أوروبا وقتها واقعة تحت سحر آلات الدعاية الإيديولوجية ومن بينها الصحافة وبدأت تونس تواكب التطور العالمي بخطوات محتشمة. آمن بورقيبة دائما أن الوسيلة بحجم أهمية الغاية لذلك حين اشتغل على الصحافة كقناة بينه وبين الناس أعطاها الجهود الأدبية والمادية والزمنية اللازمة لتحقيق غاياته. ليتحوّل في النهاية إلى "مؤسسة اتصالية" حسب تعبير الأستاذ جمال الزرن.
   
تتقاطع قصة بورقيبة مع الصحافة بقصته مع مهنته الأصلية المحاماة فمن خلالها انفتح أمامه  باب العمل السياسي حين عمل متدربا في مكتب المحامي صالح فرحات وهو سكرتير عام الحزب الحر الدستوري. كانت مقالاته في البداية عبارة عن مقالات رأي احتجاجية غالبا وموجهة للمثقفين ممن لهم نفس تكوين بورقيبة. ولكن مع بداية انضمامه للحزب أصبح يكتب في جريدة الصوت التونسي الناطقة بالفرنسية فخصّص نصف وقته للكتابة. منذ 1930 أصبح لبورقيبة مكتب خاص به غير أن هذه الخطوة بالذات كانت شبه نهاية مسيرته المهنية فقد أصبح المكتب بوابة العمل السياسي وبرز في السنوات الأربعة اللاحقة كصحفي أكثر منه كمحامي. المحاماة مكنته من معرفة هموم الناس وكانت المقالات تتبع غالبا المنهجية الحجاجية للمرافعات. من ثم أحس بقوة الوسيلة التي يستعملها فأسس بالاشتراك مع رفاقه جريدة العمل ومنها انطلق قدر الزعيم.
في البداية كان المتلقي في ذهن بورقيبة هم المشتغلون بالعمل الوطني وأراد أن يكون منطلق مشروعه في التغيير من خلالهم. يقول الشاذلي القليبي:"ارتمى بورقيبة في العمل الصحفي وهو الإطار السياسي الوحيد الذي يستطيع الشباب من خلاله النشاط السياسي. إضافة بورقيبة للعمل الوطني كانت على مستوى التنظيم ووضوح الرؤية. لقد كان هناك انفصام بين المبادئ والعمل. إذ يُعلن عن أهداف في حين لا يتم القيام بعمل ايجابي قصد تحقيقها وهذا ما يمكن تسميته بالوعي التعيس لقادة تلك الفترة".
 وجد بورقيبة أن النخبة والعامة لا تستطيع أية فئة منهما أن تعوّل على الثانية وهذه الثغرة مع انفصال الباي عن الرعية والإدارة هي نقاط الضعف التي تلعب عليها فرنسا لتبقي حال التونسيين في الحضيض لذلك حاول بورقيبة أن يملأ كل هذا الفراغ ببث الوعي في النخبة أولا ثم في العامة بعد ذلك. سيكون لأزمة 1929 أثرها الاقتصادي على الأعيان وعلى الطبقات السفلى التي بدأت بالغليان تحت وطأة الجوع والجفاف. وبدأ سقوط الطبقة (برجوازية العاصمة) التي تمسك بالحزب شيئا فشيئا ماديا وأخلاقيا. في نفس العام 1929 وصل أحمد باي للحكم وهو المعروف بمرضه وضعف شخصيته فساهم ذلك في يأس النخبة والشعب في دور العائلة المالكة وعرف بورقيبة أن الوقت قد حان ليأخذ الشباب المتنور مصير الوطن بيديه إذ لا يمكن التعويل على أحد.

 أول ما استفز بورقيبة للكتابة الصحفية هي قضية الحجاب في جريدة "تونس الاشتراكية" ثم صار موضوع الهوية مفضلا لديه في جريدة اللواء للشاذلي خير الله خاصة في أحداث التجنيس التي كان له فيها دور كبير. في جريدة صوت التونسي أصبح البعد السياسي بارزا فعمل على تمرير قراءته وتحليلاته للواقع كي يستثمرها المشتغلون بالشأن الوطني. تحت سقف هذه الجريدة نضج بورقيبة السياسي وتعلم كيف يستغل أي حدث للتوظيف السياسي (التجنيس – قضية الحجاب والشاشية – خمسينية احتلال تونس وحتى مئوية احتلال الجزائر – المؤتمر الافخارستي ... ).
ما مّيز بورقيبة في جريدة صوت التونسي هو وضوح الرؤية السياسية والتحليل التاريخي مما أهله للبروز في أوساط المثقفين وبدأ مسيرة الصعود في الخطط الحزبية. أهم انجاز صحفي هو أن المقالات أصبحت موجهة مباشرة للسلطات الفرنسية في حين كان أعضاء الحزب لا يجرؤون على ذلك ويفضلون وضع الباي كوسيط بينهم وبين السلطات الفرنسية.
أحرجت مقالته عن ميزانية الدولة قادة الحزب فيما ارتبكت السلطات الفرنسية لأنها لم تكن تستطيع أن تثبت أنه محرض أو حتى على الأقل ضدها لقد كان يلعب على المساحة الضيقة من الحرية التي تسمح بها الثغرات القانونية. ظل  بورقيبة متابعا لتفاصيل الأحداث السياسية في فرنسا وخاصة الحملات الانتخابية فمتى صعد أصحابها إلى المناصب ذكرهم بوعودهم ووضع السلطات الفرنسية في تونس في حرج آخر لتناقضهم مع سياسة فرنسا المركزية كتب"إن الفرنسيين الموجودين في فرنسا قد فهمونا" ليلقي الضغط على سلطات الحماية في تونس.
تتلخص إستراتيجية بورقيبة تجاه فرنسا في هذا المقطع: "هذه الأحوال لا يمكن أن تدوم وإن أمن فرنسا لا يستقر إلا إذا وجدت دولة  تونسية حرة تتفهم وتتعاون معها. الأفضل لفرنسا أن تساعد على بعث هذا الوضع من أن تمضي في تعكير الأحوال". في هذه الفترة كان بورقيبة يعتبر نفسه يعمل في الصحيفة ولا يعمل في صفوف الحزب كما صرّح لصاحبها الشاذلي خير الله. 
أهم مقال لبورقيبة هو "تطور الحماية" الاثنين 23 فيفري 1931 وضّح فيه الأسباب العميقة لما حصل من ضعف الدولة من باب أخذ العبرة فركز على ضعف التمثيل الخارجي لتونس الذي كان يمكن أن يجعل الحكومة تحتاط خاصة أن مؤامرة الدول الاستعمارية كانت وقتها علنية في المؤتمرات وحتى في الصحف. كشف كذلك أن تونس عام 1881 كانت في حالة مالية غير كارثية وأن المشكل هو الخلل في الإدارة المالية وكان حل الحماية الذي عرضته فرنسا أكبر من المشكل بكثير وبعد أن منحت فرنسا الفرصة دمرت الجهاز الإداري التونسي وإصلاحات خير الدين. لقد وسعت هذه المقالة التحليلية أفق النظرة السياسية للتونسيين وكأنه يقول لسوء الحظ لم يكن لدينا وقتها سياسيون. كتب في نفس المقال "إن نظام الحماية يحمل في داخله بذرة موته، بسبب تناقضه الداخلي فالدولة لا تستطيع أن تكون في آن خاضعة وذات سيادة". بعد أشهر فقط أصبح يقول "يجب نقل المسألة التونسية لتصبح جزءا من الواقع السياسي في فرنسا في انتظار أن تكون جزءا من الواقع السياسي  الدولي" الخميس 25 جوان 1931.

 في أواخر 1932 أصبح الشاذلي خير الله تحت ضغط جماعة الحزب لذلك قرّر بورقيبة مع زملائه الخروج من الجريدة (بروفة الانشقاق الحزبي) فأنشأ مع بشير المهذبي جريدة العمل التونسي بالفرنسية التي صدر العدد الأول منها في 1 نوفمبر 1932  وظهرت منذ 1934 بصيغتها العربية بإدارة الطاهر صفر . أصبح جماعة المتخرجين من فرنسا يسمون قبل انشقاقهم جماعة "العمل التونسي" فارتبطوا عضويا بالجريدة التي أسسوها والتي أخذت على عاتقها في آن فضح ممارسات الاستعمار وخور قادة الحزب. كانت نقطة الخلاف الأساسية هي دور الجهات والجماهير في النضال الوطني وقد  لخص بورقيبة موقفه من الحزب في رسالة موجهة لمحمود الماطري قائلا "إن الحزب الدستوري أضحى منذ 1928 جزءا من مسرحية الحماية". بدأ بروز أسلوب التهكم والسخرية في كتابة بورقيبة وكان هذا نتيجة لفهمه الدقيق لتناقضات اللعبة السياسية وممارسات الاستعمار وتفاهة الوسائل لتحقيق الآمال الكبيرة. ونظرا للمساحة الجديدة التي توفرت لديه بدأ انتقاد الإدارة الفرنسية باسم الشعب الذي همشته "إن الجوع وكل قافلة التبعات المادية والمعنوية التي تسايره لا تستطيع أن تنتظر رفاهية المكاتب أو كسل الإداريات". في 8 مارس 1933 كتب خطابا مباشرا للمقيم العام في أكبر تحدي للسلطات الاستعمارية وتصوّر أعضاء الحزب القديم أنه قد حفر قبره بيديه غير أن بورقيبة كان يعلم أنه محمي بقانونية الغير مسموح به. مع ظهور النسخة العربية من الجريدة أخذ الطاهر صفر المشعل من بورقيبة الذي بدأ يتفرغ لمهام أخرى ويكتشف شيئا فشيئا مواهبه الكبيرة في الخطابة والاتصال المباشر بالجماهير. وحين ستحدث القطيعة مع الحزب القديم ستتبعها قطيعة مع العمل الصحفي.

 للمقال عند بورقيبة مخطط لا يحيد عنه تقريبا فثمة في البداية عرض تاريخي توظف فيه بعض الإشارات للراهن ثم يأخذ المقال الطابع الحجاجي معتمدا على المقارنة والمنطق البسيط ثم يقوم بتعرية الحقائق وفي النهاية غالبا ما تتحول الأفكار إلى شعارات تحريضية. كتب بورقيبة كذلك في المواضيع الأدبية والاجتماعية وكان قليل الزخرفة البلاغية يكثر من الاستشهاد بأقوال الخصوم ليبرز تناقضاتها ويبين الفرصة التي يمكن للشعب أو للمناضلين استغلالها ضد فرنسا.

من خلال الصحافة اختبر بورقيبة آرائه وعرف وقعها في الشعب وفي المستعمر وتعلم أن الكلمة المكتوبة جزء رئيسي من النضال ولكنه غير كافي لذلك سينفتح على الاتصال المباشر بالناس ليكمل مشروعه في تغيير الأدمغة والواقع.  صحيح أنه سينقطع عن الكتابة الصحفية ولكنه سيظل يوظفها في بث آرائه ويضعها في صفه وقت خصوماته وحين تولى الرئاسة بعد الاستقلال ظل مشرفا من بعيد على جريدة العمل وفي خطبه الموجهة للصحافيين نلمس نبرة أبوية خاصة. لقد كانت وسائل الاتصال  في كل مرة حليفة بورقيبة، وكان يستوعب كل تحديث في المجال الإعلامي فمن الصحافة المكتوبة إلى الخطاب الإذاعي إلى الخطاب التلفزي كان بورقيبة دائم الحضور وهو الذي كتب في أول مقال له  فيما يشبه المبدأ الذي لن يحيد عليه "إما أن يحصل التطور وإما أن يكون الموت" الجمعة 11 جانفي 1929.

المراجع
 Articles de presse 1929-1934 (Histoire du mouvement national) - Préface de Chedli Klibi
مقال للأستاذ جمال الزرن – مؤسسة التميمي 2005
بورقيبة سيرة شبه محرمة – الصافي سعيد
أرشيف جريدة العمل لسنة 1934

الوثائقيات الحربائية


ذكرى الاستقلال في التلفزة .. الوثائقيات الحربائية

مثلما تقتضي تقاليد السنوات الطويلة لا بد أن تعرض علينا التلفزة التونسية وثائقياتها بمناسبة ذكرى الاستقلال. الإطار هو مشهد تونسي متحرك: سنة من الثورة، وفاق وطني شبه منهار فيما تعرف الساحة صعود الباجي قائد السبسي –وهو صعود إعلامي أساسا- كفاعل سياسي مؤثر وتذمر شعبي وحكومي على الأداء الإعلامي للمؤسسة يجسده المعتصمون على أبوابها منادين بالتطهير والمحاسبة. اعتبارا لكل هذا كان هناك هذا العام تغير طارئ ولكنه تغير على مستوى القشرة لا غير كما سنبين اعتمادا على تقنيات تحليل المحتوى.
 
في البداية تمجيد وتعظيم لصانع الاستقلال كدنا معه لا نعرف في أي سنة نحن، عمّق هذا الشعور صور الأبيض والأسود والصوت الهادئ الرتيب وفي الخلفية موسيقى كلاسيكية. الإضافة هي تلك التوابل الثورية من الاعتراف بانتهاكات النظام البورقيبي لمعارضيه والاستبداد المطلق بالحكم ففضح الديكتاتورية بضاعة رائجة اليوم وهي وسيلة لصناعة مصداقية. الضيوف كانوا عمر الشاذلي طبيب بورقيبة والمؤرخ عبد الجليل التميمي وآمر الحرس الوطني في الستينات سالم الصباغ وأحمد بن صالح الذي منح الفرصة ليبرر سياساته وليبرر بورقيبة كذلك. وكي لا يسأم المشاهد من التفاصيل التاريخية الدقيقة كانت التحلية كالعادة بزين العابدين بن علي فهو الذي خدّر بورقيبة وهو الذي عفّن كل الجوّ السياسي في الثمانينات للوصول للحكم وفي آخر البرنامج تنغلق الدائرة على تمجيد وتعظيم جديد إذ تستدعى هاجر بورقيبة لا لتتحدث عن الاستقلال وإنما لتؤكد تواصل البورقيبية في الفعل بمشاركتها في الثورة ثم لتصبح هي صانعة الثورة عندما قالت "لقد ترك لنا بورقيبة 10 ملايين سياسي" في مزيج من السطحية والتهافت والمغالطة. إنهم يصنعون مواقعا بدغدغة العاطفة الشعبية وبالكلمات والسيقان الجميلة (ظهرت ركبتا هاجر بورقيبة طوال فترة حوارها من الناحية العلمية لا يمكن أن يكون ذلك بريئا وخاصة أن المصوّر غيّر الكادر والحوار مسجل ولأن القليل من العري له وقع لدى المشاهد التونسي وهو جرعة لشد الانتباه).
هذه الوثائقيات التي كانت تقول لنا "ثم جاء فجر السابع من نوفمبر 1987 ليعيد مسيرة الاستقلال" هاهي اليوم تعود لتصنع قوالب جاهزة تتمحور حول الثورة والديمقراطية يريدونها أن تكون دعامة سلطة جديدة. أتساءل كيف يا ترى يريدوننا أن لا نفهم أن المضمون هو نفسه فيما لم تتغير سوى الأقنعة؟ الوثائقي من إعداد عماد قمعون الذي أتحفنا في العام السابق بملف "سقوط دولة الفساد" وكان رد الناس العفوي "دولة الفساد لم تسقط" فجاء اليوم مؤرخا للدولة منذ استقلالها ولكنه تركها ليؤرخ لمسيرة بورقيبة رغم أن مساحة كبيرة من الظل حول الاستقلال لم يتناولها الإعلام من قبل مثلا الصور الرسمية لتوقيع الاستقلال وتكوين الجيش الوطني والحياة النقابية وقتها وتجربة المجلس التأسيسي وهي مواضيع حية يمكن أن تساهم في تنوير الشعب.  الملاحظ أن هناك تذبذبا في التواريخ يكاد أن يكون متعمدا فلا يمكن للمشاهد أن يخرج بفهم موضوعي للتطور التاريخي وثمة خروج عن النص تجاوز على مستوى الحجم الزمني الموضوع الرئيسي وهو الاستقلال وهناك إسقاط مكثف للوجوه (القذافي وعبد الناصر..) والأكثر منهم جميعا هناك تبرير من كل ناحية (وسيلة بورقيبة، وزراء بورقيبة، بن علي ..).
القيمة التي يريد اعلاميو التلفزة عموما أن نقتنع بها هي المهنية ولكن ألا تقتضي هذه المهنية صلابة التكوين وصفاء المنهجية والثقافة الشاملة هذا إذا أردنا أن نسقط سوء الظن فلا نتكلم عن الحياد والموضوعية وتجنب الدعاية. غير أن المهنية التي نراها إنما هي مهنية صنعت بمعايير النظام القديم أو هي المهنية كما يفهمونها ويتصورونها لا كما ينبغي أن تكون. مثلا قيل في الوثائقي أن بن علي استعمل خطة إعلامية لصناعة انجازه.  أوكي ولكن لماذا يراد لنا أن نتصور أن نفس الممارسات ليست متواصلة.
كلمة أخيرة، بالله اتركوا الأجيال القادمة تقرأ التاريخ كما يحلو لها.

النسق الجنوني للجدال في تونس




تشهد تونس منذ بداية هذا العام نسقا عاليا من الجدال لم تعشه من قبل يتحول أحيانا إلى صراع مزايدات واتهامات. الأحداث تتواتر والمواطنون في حالة اقرب إلى اللهاث وراء ما يطرح من مواضيع للنقاش. المقاهي نبذت أحاديث الكرة والشؤون اليومية وصارت برلمانات مصغرة ولا شيء في الفايسبوك غير التعليقات والتعليقات المضادة. ولا ننتهي من الزوبعة التي يفرزها حدث حتى يأتي آخر. في هذه الحلقة الصاخبة أصبحنا اليوم نعيش. 
يمكن عنونة كل أسبوع في تونس باسم حدث فبعد أسبوع وجدي غنيم كان أسبوع طارق رمضان وبعده أسبوع حادثة العلم ثم أسبوع مقتل الشيخ السلفي وتدنيس المصاحف وفوق هذه المتغيرات لا ننسى الغيوم القارة في سمائنا مثل الصراع العلماني السلفي وأجواء المجلس التأسيسي ويوميات الحكومة ومطالب تطهير القضاء والإعلام علاوة على ما تراكم من ملفات الاقتصاد والمجتمع ودول الجوار. إضافة إلى الحدث في حد ذاته ثمة جدال مواز حول تناول الإعلام مما يضع العنصر الأبرز في هذه اللعبة تحت الضغط ويساهم أكثر في اضطراب المشهد  .
في الحقيقة ليس هذا الأمر من محدثات 2012 فتصريحات وزير الداخلية الأسبق فرحات الراجحي تجاوز صداها الجدال إلى العنف.  ولكن الجديد هو وتيرة الأحداث ورد الفعل الشعبي المشحون بالعدم الثقة والعصبية. وقد استوردنا لهذه الحروب الكلامية التشدد الوهابي والراديكالية الإيديولوجية العنيدة والجدل البيزنطي. وبذلك نزيد في تعقيد أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية. أحيانا نشتم رائحة سوء النية من أحد الأطراف فإذا أضفنا إلى سوء النية عدم الثقة المتبادلة فإننا نسير إلى تفكك اجتماعي لم تعرفه تونس من قبل. ويبقى الخطر الأشد إذا ما تواصل التصعيد هو نسف طمأنينة الناس.

فينوس حسب معايير الجمال المعاصرة .. الفن تحت سقف التقنية




حسب المعايير المعاصرة للجمال قامت الفنانة التشكيلية الايطالية أنا يوتوبيا جيوردانو بإعادة صياغة مجموعة من أشهر اللوحات التي تناولت ربة الجمال والحب عند الإغريق فينوس وذلك باستعمال الفوتوشوب وخلال عملها هذا راعت  القواعد التالية: نماذج الموضة الحديثة ,الالتزامات التي فرضها تحرر المرأة المعاصرة وإضفاء الأبعاد الأنثوية والجنسية المثيرة  فكانت النتيجة هي تخسيس الفينوسات على مستوى القد والأفخاذ وجعل الصدر أكثر انتفاخا. وكأنها تطرح السؤال التالي كيف ستكون فينوس لو أن الرسامين تخيلوها حسب معاييرنا الجمالية المعاصرة؟
بعد المرور تحت أدوات الفوتوشوب تتحول الفينوسات إلى أجساد أكثر نحافة وقد أسقطت عنها التدويرات والظلال حول الخاصرة وتم شفط البطن وتكوير الثديين. هذه العمليات "التجميلية" قد منحت للأسف – حسب صحيفة غواديان البريطانية – ربة الجمال والحب مظهرا سقيما. يبدو أن انتقاء الصور غير بريء بالمرة فقد اختارت الفنانة صورا تظهر فيها فينوس بطريقة مُربكة وغير تلقائية في الصور الأصلية ووضعها في المنظومة الجديدة يزيدها إرباكا. وإننا لنرى خطوطا مقطعة ببرود من لوحة "ولادة فينوس" لبوتيتشللي (1484) تتحول في صيغتها المعاصرة إلى حركات حادة وعصبية. كذلك تحولت لوحة فينوس لانجريس (1848) ذات الجسد الأبيض الرخامي إلى جسد شاحب وباهت. وكانت التغيرات التي طرأت على "فينوس أوربينو" لتيسيان (1538) أكثر مفاجأة فقد خسرت مع بطنها الكثير من جاذبيتها ولما حوّر صدرها القديم الأقرب إلى صدر مراهقة  أصبح متصلبا وكأنها خرجت من عملية تضخيم الثديين. وفي لوحة جنتيلاشي (1630) "فينوس النائمة" تظهر وكأنها على حافة الموت. من بين عشرة فينوسات ظلت لوحة كانابال (1863) مقنعة إذ لم تشملها حميات إنقاص الوزن المكثف وهي اللوحة التي تتمدد فيها فينوس في وضعية قريبة من أوضاع الصور البورنوغرافية الحديثة هنا فقط كانت إعادة الصياغة متناغمة مع الذوق الأصلي.
هذه المعالجة ويمكن القول التلاعب باللوحات يذكرنا بما تفعله الموضة والاشهارات بفرض النمط الواحد علينا وتقول أنا يوتوبيا أنها أقدمت على هذا العمل لما تراه من تعاظم حجم النظر لأنفسنا عبر المقاييس المجتمعية  فقد أصبحنا اليوم نقوم بعمليات تغيير لمظهرنا كلما كان غير متلائم معها كي نصبح مقبولين داخل الشبكات الاجتماعية وهذا ما أقدمت عليه في صور فينوس التي تمثل رمز الجمال عبر العصور فهي تستعمل التقنية لخلخلة أسطورة تبدو متعالية في الوعي الجمعي لتعطي مفعولا مربكا ولكن يبدو أنه كان ساخرا ومحزنا كذلك.
إن المفعول الذي تريد أن تبثه لدى المتلقي يعطينا انطباعا بأن معاييرنا الجمالية قد تدهورت في القرون الأخيرة .ولكن هذا غير صحيح تماما لأن من شوّه صورة فينوس هو الفوتوشوب وتطبيق المعايير الجامدة على الفن ولو كان لفنان حقيقي من لحم ودم أن يعيد رسمها بمعاييرنا لكان العمل أكثر جمالا وإنسانية.

شوقي بن حسن – مترجم      
مزيج مقالين من جريدتي ليبيراسيون ولومند

بورتريه غسان بن جدو




يتمتع غسان بن جدو بمصداقية وشعبية لدى المشاهد العربي لا يتمتع بها إلا قلة من رجال الإعلام فعلاوة على مهنيته وسعة ثقافته يمثل مزيجا عجيبا من مكونات الأمة العربية بما أنه منحدر من أب تونسي مسلم سني وأم لبنانية مسيحية مارونية ومتزوج من لبنانية شيعية ذات أصول إيرانية. 
غسان بن جدو مولود في 8 أوت 1962 بمدينة القصور من ولاية الكاف. كان والده الزيتوني الطاهر بن جدو دبلوماسيا تونسيا مقربا من بورقيبة وعاشقا لشخصيته  فنشأ غسان في جو مسيّس بامتياز منحه فرصة تطوير ثقافته وقد كان مدمنا على القراءة إذ يعتبر نفسه – كما صرح خلال حوار تلفزي-  في سباق القراءة والاستماع كي يستطيع مجاراة والده ومناقشته. لم يكن يخطط لأن يكون صحفيا فقد كان والده يتمنى أن يصبح طبيبا فخيب ظنه ولكنه الآن يعتقد أن أباه سيكون فخورا بما حققه غير أن "الوقت لن يمهله ليصحح علاقته مع أبيه"  فقد توفي الأب عام 1980 حين كان عمره 18 سنة وعرفت العائلة بعض الصعوبات المادية فاضطر للعمل في التجارة لمدة قصيرة وبعد نجاحه في الباكالوريا تحول لدراسة الاقتصاد في فرنسا بعد أن تحصل على منحة جامعية من تونس وشارك بكل حماسة في الحياة الطلابية وكان يدافع عن القضايا الكبيرة إلا انه كان متذبذبا دون انتماء بين الشيوعيين والقوميين والإسلاميين لاحقا وراسل من هناك الصحف التونسية. نشر أول مقالاته -دون احتراف الصحافة-  في جريدة الرأي التونسية وفي عام 1984 زار لبنان لأول مرة واستغل الفرصة للقيام بتحقيق صحفي ميداني لوقائع الحرب الأهلية وحاور وجوها قيادية. تحصل على شهادة الدراسات العليا في الاقتصاد الدولي عام 1985.  وفي تونس عاد ناشطا سياسيا عبر الأطر الجامعية والصحفية  ومعارضا للنظام ضمن الكتل الإسلامية خصوصا. كان نشاطه السياسي سببا لتضييقات الأجهزة الأمنية عليه وقد تعرض للتهديد والملاحقة البوليسية وفي الأخير وقع إجباره على مغادرة تونس في أواخر الثمانينات فيما يشبه النفي القسري. 

بدأ احتراف العمل الصحفي عام 1990 كمراسل لجريدة الحياة اللندنية من الجزائر في أحلك فترات تاريخ الجزائر المعاصرة مع صعود جبهة الإنقاذ وموجة العنف. في 1992 تحول للعمل في الولايات المتحدة الأمريكية في معهد الدراسات الدولية في واشنطن ونشر أبحاثه في المجلات السياسية. حصل على الجنسية اللبنانية بعد إقرار مرسوم التجنيس عام 1994، ما سهل أمامه الاستقرار في بيروت والعمل لبضعة أشهر مقدماً للبرنامج الحواري "مرايا الأحداث" على قناة المنار، قبل أن ينتقل مديراً لتحرير ثم رئيساً لتحرير مجلة "شؤون دولية" الصادرة عن المعهد العربي للدراسات الدولية بواشنطن.
كانت الخطوة الحاسمة في مسيرته الصحفية عام 1995 حين انتدبته هيأة الإذاعة البريطانية البي بي سي كمراسل لها في طهران وأصبح بعد مدة قصيرة مديرا إقليميا عن وسط آسيا وهناك صنع لنفسه دائرة علاقات كبيرة وعرف بصلاته الوثيقة من الرئيس محمد خاتمي وفي إيران تزوج من ندى الحسيني طبيبة الأسنان عام 1991 وهي مثله من زواج مختلط (الأب إيراني والأم لبنانية) وقد أتم عقد القران عالم الدين اللبناني محمد حسين فضل الله. عام 1999 تعاقد مع الجزيرة وهي في بداياتها ليصبح  رئيس مكتبها في طهران وقدم من هناك برامج حوارية استقطبت عدد كبيرا من المشاهدين تميزت بروح الابتكار كالحوار في الهواء الطلق أو في المناطق التي شهدت الأحداث والمزج بين المحاور الواحد والتفاعل مع الجمهور. غطى عام 2000 لقناة الجزيرة تحرير جنوب لبنان وبدأ معها برنامجه الشهير حوار مفتوح الذي كان غير دوري. في إحدى الحلقات أدار حوارا من على طاولة كانت تستعمل من قبل الاسرائيليين في التحقيق ونظرا لنجاح البرنامج وضرورة جعله أسبوعيا طرح عليه الإقامة  في الدوحة مع الإبقاء على موقعه مديرا لمكتب الجزيرة في طهران غير أنه فضل البقاء بعيدا عن الجو الإداري للقناة ووجد حلا وسطا عام 2004 حين أصبح رئيس مكتب الجزيرة في بيروت.
وضع اغتيال رفيق الحريري في فيفري 2005 مكتب الجزيرة في بيروت تحت الأضواء فقام بتغطيات مكثفة وحوارات هامة في مراحل حساسة من الأزمة بعيدا عن التحريض وقد أكسبه ذلك محبة وثقة اللبنانيين من جميع الطوائف. غسان بن جدو المنسوب اليوم إلى المدافعين عن النظام السوري منع لمدة عام ونصف من دخول سوريا لعدم رضا النظام السوري على أدائه الصحفي أيام أزمة مطالبة اللبنانيين بخروج القوات السورية من لبنان وقد غلب في تلك المرحلة مهنية الصحفي على الجانب العاطفي.
 يعتبر غسان بن جدو أن أكبر شرف وصل إليه هو محاورته الرئيس الكوبي فيدال كاسترو والسبق الصحفي الذي قام به خلال حرب 2006 على لبنان بمقابلة حسن نصر الله وفي 2009 قام بالدخول إلى قطاع غزة المحاصر وتصوير حلقتين من برنامج حوار مفتوح بعد أن وصل إليه عبر الأنفاق من مصر وقد منعته السلطات المصرية من اجتياز معبر رفح. إضافة إلى تغطيته الدقيقة للأحداث في لبنان وخاصة العدوان الإسرائيلي في 2006 صنع من برنامجه حوار مفتوح ورقة مهمة في جماهيرية قناة الجزيرة وقد جال البرنامج  العالم من البرازيل إلى أميركا إلى الصين (أول برنامج حواري يدخل سور الصين العظيم) واليابان ( أول برنامج عربي يحاور رئيس وزراء ياباني) وتركيا وجنوب إفريقيا وغيرها.
لم يتردد غسان بن جدو من الاستقالة من قناة الجزيرة في 23 أفريل 2011 رغم المسيرة المهنية الناجحة والامتيازات احتجاجا على طريقة تناول قناة الجزيرة للحراك الشعبي في البحرين علاوة على موقعه القريب من سوريا وحزب الله وبخصوص استقالته يقول بن جدو "قناة الجزيرة أنهت حلما كاملا من المهنية والموضوعية وباتت تلك المهنية في الحضيض بعدما خرجت قناة الجزيرة عن كونها وسيلة إعلام وتحولت إلى غرفة عمليات للتحريض والتعبئة". وبعد هذه التصريحات فضّل أن لا يخوض هذا الموضوع لاعتبارات أخلاقية.
رفض غسان بن جدو بعد الثورة في تونس أن يتسلم مناصب عليا عرضت عليه لأن ذلك سوف يجبره على التخلي عن جنسيته اللبنانية وصار في المدة الأخيرة ينتقد الحكومة التونسية كثيرا خاصة بعد احتضان تونس مؤتمر أصدقاء سوريا. علما أنه لم يعد إلى تونس إلا في أواخر جانفي 2011 لأول مرة منذ 21 عاما وفي خضم الزخم العاطفي للثورة التونسية قرر إنشاء قناة تونسية ببعد عربي ولكنه بعد دراسة متأنية لواقع الإعلام العربي شعر أن المطلوب هو قناة عربية متموقعة في بيروت خاصة أن نايف كريم عرض عليه دمج مشروعه مع قناة الاتحاد التي يعتزم إنشائها فتم الاتفاق على إنشاء قناة الميادين.
ستكون إدارته لهذه القناة بعدا جديدا ينضاف لمسيرته المهنية وهو الحريص على تقديم إعلام مختلف وبنّاء إذ يعتبر أن الفضاء الإعلامي العربي مازال يستوعب المزيد رغم كثرة القنوات وأن المجتمع العربي في مرحلة حساسة يستطيع أن يستغلها ليحقق أحلامه وتطلعاته ووظيفة الإعلام أن يساهم في هذه المسيرة.
شوقي بن حسن

متى تبدأ قناة الميادين في البث ؟




التونسيون في حاجة لإعلام بديل فهم غير راضون على التلفزات المحلية دون استثناء وقد كانت القنوات العربية وخاصة قناة الجزيرة ملجأهم الآمن غير أن منسوب المصداقية أصبح في انخفاض اثر المتغيرات الوطنية والإقليمية لذلك كانت بارقة الأمل هي إعلان غسان بن جدو مباشرة بعد استقالته من قناة الجزيرة (افريل 2011) أنه سوف يطلق قناة إخبارية جديدة وكان متوقعا أن تبدأ مع بداية 2012 غير أن ذلك لم يحدث مما جعل الأسئلة والتأويلات تتزايد عن أسباب عدم انطلاقها.
الصعوبات التي تعرفها قناة الميادين شيء متوقع لما نعرفه من هيمنة الإعلام الخليجي المدعوم ماليا وتقنيا واستقطابه لأبرز الكفاءات وكذلك للحزازيات التي تركتها موجة المنشقين من قناة الجزيرة. غير أن المسئولين عن القناة يفضلون عدم الخوض في التفاصيل والأسباب وحسما للأمر طلع غسان بن جدو في برنامج حواري على قناة المنار ذات التوجهات القريبة من الخط التحريري لقناة الميادين ليعلن أنه يريد أن يكون تاريخ انطلاق القناة ذو دلالة لذلك قرر مجلس الإدارة أن يكون الموعد يوم 30 مارس 2012 أي تزامنا مع ذكرى يوم الأرض فهل يتمكن المشرفون على القناة من تحقيق ذلك؟
القناة بدأت بالبث التجريبي منذ 6 أشهر وقد بثت سابقا اللقاء الإعلامي الذي نظم في نقابة الصحفيين ببيروت بعد الحصول على تأشيرة البث من لبنان. شعار المحطة "الواقع كما هو" وفي ذلك إشارة لاختار عدم الانحياز إلى أي طرف رغم ميولات بن جدو وشريكه نايف كريم المعروفة للنهج المقاوم. وللحفاظ على استقلالية القناة طرحت أسهم الشركة خفية الاسم للاكتتاب من قبل المستثمرين وتقدر ميزانيتها بـ 20 مليون دولار.  

المشروع الأصلي لبن جدو كان قناة تبث من تونس موجهة للعالم العربي إلا أنه وجد أن العرض الذي قدّمه له نايف كريم صاحب مشروع قناة الاتحاد بدمج المشروعين ذو مردودية أفضل ويوفر العديد من الامتيازات للجميع وكان الاتفاق على اسم القناة كتعبير عن التحالف الذي أنجح الثورات العربية بين الإعلام والميادين. وقد تقرر أن يتولى غسان بن جدو منصب رئيس الإدارة ونايف كريم مدير عام للشركة وسامي كليب -المستقيل هو الآخر من قناة الجزيرة- رئيس تحرير الأخبار. ستكون أغلب البرامج حوارية تعتمد على وجوه إعلامية بارزة مثل الفلسطينية إيمان عياد والتونسية كوثر البشراوي والمصري حمدي قنديل واللبناني زاهي وهبي وسيكون لغسان بن جدو برنامج "رأي مع غسان بن جدو".

العشاق والشاعر
(أحمد فؤاد نجم في ضيافة نادي أحباء الشيخ إمام) 


في كهف دار الثقافة ابن رشيق "اتجمعوا العشاق". كعادتهم في أمسية كل خميس هم على موعد. منسحبين من أغراضهم الشخصية ومن لغو الحياة السياسية وضغوطات الشوارع المزدحمة . عدد الكراسي محدود ولكن الجلوس على الأرض أو تقاسم كرسي واحد أو البقاء واقفا ملمح لبساطة وتلقائية أهل النادي هي في النهاية بساطة وتلقائية الشيخ إمام.
يوم الخميس الفارط كان لقاء أحباء الشيخ إمام مع أحمد فؤاد نجم رغم أنه لم يكن في تونس أصلا - وليس لهؤلاء الإمكانيات لاستضافته كما لآخرين حين استضافوا وجدي غنيم أو عمرو خالد - ولكنهم تجاوزوا عوائق الجغرافيا بفضل السكايب حيث كانوا على موعد في الساعة الخامسة بتوقيت تونس مع الشاعر المصري الكبير الذي تحول إلى بيت صديقه سيد عنبة لكي يتمكن من الاتصال بأحباء رفيق دربه ليصبح عنصرا من النادي وفردا من الكورال المردد لاغاني الشيخ إمام وهو الذي كتب أغلب كلماتها. نجم تلقى أسئلة الرواد وأنار جوانب من تاريخه مع الشيخ إمام كما تفاعل بالغناء والتصفيق وأهداه خالد الشامخ – صاحب فكرة إنشاء النادي - أغنية "سايس حصانك" التي يعرف أنها أحب أغاني الشيخ إمام إلى قلب نجم رغم أنه ليس كاتبها وشاركه في أدائها كل الحاضرين. بهذه الأفكار البسيطة والجميلة يؤثث الجماعة ناديهم وكل فرد هو جزء من صنع الفرجة المشتركة. أفكار تتجاوز القواعد المعروفة في النوادي الثقافية المتعالية عن الشعب وعلى التكنولوجيا – ربما لأنها تحولت شعبية -.
إذا كان أحمد فؤاد نجم ضيفا فان العنصر القار في كل خميس هو فن الشيخ إمام إذ يتحول الجميع إلى صوت واحد وجسد واحد يردد "حاحا" أو "دور يا كلام "أو "شيد قصورك" في طقوس تشبه القداس أين يتحول الغناء الجماعي إلى حمام من النشوة والتجلي. للتذكير فقد أصبح الشيخ إمام جزءا من ذاكرة المكان بعد أن رسمت له صورة حائطية في القاعة التي تحتضن لقاءات المحبين.

طارق رمضان.. لعنة الازدواجية




طارق رمضان ظاهرة عالمية استوردتها تونس ليومين (25 -26 فيفري 2012) بعد استدعائه لتقديم كتابه "الإسلام والصحوة العربية" في جو سياسي واجتماعي دقيق حيث أن التجاذب بين الحكومة والمعارضة على أشده كما أن زيارة وجدي غنيم من قبله ما زالت تلقي بظلالها على المشهد. ويبدو أن طارق رمضان قد قرأ الوضع في تونس جيدا فأتى بتصنيفات وتفسيرات لما حدث وكذلك بحلول واستشرافات أهمها سخافة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين ثم مطالبته للنخب التونسية أن تنزع من ذهنها محاولة إثارة إعجاب فرنسا ولم يفوت الفرصة لتهنئة التونسيين بانجازهم فيما ظل مصرا على عدم اعتبار ما حدث ثورة وهو بذلك لم يفلت من التهمة التي تلاحقه أينما حل: ازدواجية الخطاب.
طارق رمضان مولود عام 1962 في سويسرا وهو حفيد حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين غير أنه لا ينتمي للحركة إذ يصر على اعتبار نفسه مفكرا إسلاميا مستقلا. درس الفلسفة والأدب الفرنسي وعمل في التدريس. في الثمانيات بدأت أولى خطوات ظهوره الجماهيري بمشاركته المكثفة في الجمعيات والمنظمات العالمية واهتم خصوصا بالمغتربين في المجتمعات الأوروبية وبقضايا العالم الثالث. منذ 1992 تخصص في الدراسات الإسلامية حين استقر بمصر لمدة عام ومنذ نهاية التسعينات بدأ يأخذ بعدا عالميا نظرا لتصاعد اهتمام الغرب بالظاهرة الإسلامية وظهور مفهوم الاسلاموفوبيا الذي سيكون محور العديد من مؤلفاته فصنع لنفسه موقعا مثيرا للجدل بين من يعتبرونه من القلة المؤهلة لبناء الجسور بين العالمين الغربي والإسلامي وبين من يرى فيه تواصلا لدور الدعاة الإسلاميين المتشددين لكن من داخل الأطر الجامعية والثقافية العالمية وبأسلوب عقلاني مرن يستطيع من خلاله تمرير خلفياته الإيديولوجية. 


يعتمد طارق رمضان كثيرا على المحاضرات واللقاءات المباشرة مع الناس لنشر مواقفه ويتميز ببساطة الهندام والمصطلحات وكثرة استعماله لإشارات قسمات وجهه في الحوارات وأحيانا الهزل ورغم أصوله المصرية فهو قليل التحدث باللغة العربية لكنه في محاضراته بالفرنسية أو انجليزية يضمّن عددا من العبارات العربية ويجتهد في ترجماتها أما لغة الكتابة فهي عادة الفرنسية ولذلك فحجم تأثيره في فرنسا كبير مما جعله في مواجهة متواصلة مع نخبها. في 1994 أصدر أول كتبه  "المسلمون في العلمانية" وبعدها بعام منع من الإقامة في فرنسا ولكنه ظل يزورها بصفة مكثفة. تتمحور أغلب أعماله حول إشكالية مشاركة المسلمين في المجتمعات الغربية ووضع الإسلام عموما في العالم الغربي. ما يميز طارق رمضان كذلك هو كثرة الكتب التي كتبت حوله أهمها "هل يجب إسكات طارق رمضان؟" لعزيز الزموري و"الأخ طارق" للفرنسية كارولين فوريست و"من يخاف طارق رمضان" للألمانية نينا زو فورستنبورغ. الملاحظ أنه ورغم العدد الكبير من مؤلفاته – أكثر من عشرين عملا - فلم يترجم للعربية سوى 3 كتب.
  طارق رمضان من أبرز المحللين لشخصية المسلم المغترب إذ يرى أنه يعاني من عقدة نقص مزدوجة بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية يقول للمسلمين في أوروبا "كفوا عن النظر لأنفسكم كأقلية مهمّشة"و"عوض البحث عن العزلة أو البحث عن الاندماج دون جدوى علينا أن نقدم بديلا" من هنا نفهم كيف جمع المعجبين حوله وتحول للكثيرين منهم إلى رمز للهوية وقد اعتبرته جريدة التايمز اللندنية نجم الشباب الإسلامي في أوروبا.
إن حجر الأساس في شهرته  هي المواجهة التلفزية في 2003 مع نيكولا ساركزوي وزير الداخلية آنذاك حول الحجاب في المؤسسات العامة إذ تميز بالأريحية والجرأة وأثبت أن مفهوم الحرية لديه اكبر من مفهوم الحرية لدى العلمانية الفرنسية بما أنه يدافع على حق اختيار المرأة للباسها فيما تقوم الدولة الفرنسية بإجبار النساء على اختيار معين. كثيرا ما يبدي طارق رمضان إعجابه بالنموذج التركي في الحكم ويصر دائما على تمرير فكرته الأساسية "أن الخوف من الإسلام يشل تفكير الغرب وهذا هو سبب مشاكل الشرق الأوسط" . في أوائل 2010 حصلت ضجة إعلامية في أمريكا حوله بعد أن رفعت إدارة الرئيس أوباما الحظر الذي كان عليه طوال سنوات حكم جورج بوش فاعتبرت ذلك مجلة ويلكي ستاندراد المقربة من المحافظين "انتصارا لفكر الإخوان في أمريكا".
الدفعة الثانية المهمة في مسيرة طارق رمضان هي الثورات العربية التي أعادت له الكثير من الأضواء وقد أصبح من أكبر المتحدثين عنها في أوروبا رغم إصراره الدائم أن مصطلح الربيع العربي غير مبرر وأن ما حصل ليس ثورة ورغم ذلك فتونس هي الثورة الأنجح. موقفه من الثورة يذكرنا بما قام به عام 2005 حين وجه بيانا للعلماء المسلمين عبر فيه عن رفضه لتنفيذ الحدود لعدم توفر الشروط الموضوعية ولكن يلح أنه ليس مع إنكار الحد وبمثل هذا الابتعاد عن الوضوح والحسم يبدو كأنه يدفع بالذرائع لخصومه حين يتهمونه بازدواجية الخطاب.
بعيدا عن المناصرين أو المتهجمين هو الآن صوت الإسلام الأول في المنظومة الفرنكوفونية لا يكدر صفو هذه المكانة سوى وضعه الإشكالي المرتبط بقناعاته وأهدافه إذ يريد البقاء في موقع يتواصل منه مع المتخاصمين وهو في الحقيقة  يصنع عداوات من الطرفين ولكنه أحيانا يحقق الكثير من الأنصار وهو ما شهدته تونس.