السبت، 16 يونيو 2012

انتخابات الرئاسة في مصر .. الديمقراطية كإشكال (لعبة الميدان والصندوق)


انتخابات الرئاسة في مصر .. الديمقراطية كإشكال

جولة أولى في انتخابات الرئاسة المصرية كانت نتيجتها إظهار تناقض عميق إذ وُضع الشعب المصري اليوم أمام خيارين كلاهما مرّ، فيما يبدو وكأنه درس مهم وأساسي من دروس الديمقراطية. فلو تركنا جانبا نظرية المؤامرة وإمكانية التلاعب فنحن أمام إحدى ثغرات الديمقراطية حين تنتج خيارات لا ترضي تطلعات الشعب والذي لا يمكنه سوى تحمّل المسؤولية ما دام قد اختار هذا السبيل ولا سبيل للعودة إلى الخلف فالديمقراطية لعبة إذا لم تعرف قواعدها فلا يمكن تحقيق النجاح فيها وإذا تم فما هو إلا ضربة حظ. 

الوضع - المفارقة
لو تتبعنا ما يقال اليوم عن أحمد شفيق ومحمد مرسي -المرشحين اللذين عبرا نحو الجولة الأخيرة- لاستغربنا من حجم ما يتهم به كلاهما بحيث لا يقارن مع أي من المنسحبين وكأن الصناديق الانتخابية دخلتها أصوات شعب آخر إلا أن ما يحصل معقول جدا نظرا لتعدد المترشحين في المرحلة الأولى وتشظي الأصوات ويبدو أن كل ذلك كان مدروسا منذ البداية لكي يفرز النتيجة الحاصلة اليوم بطريقة سلسة وقانونية ثم ليكتشف الناس وربما ليصدم ويحبط البعض أنهم بين خيار العودة إلى الوراء أو المخاطرة غير مأمونة العواقب مع حزب بتوجهات دينية في ظل واقع مصر من حيث هي بلاد تعتمد على السياحة والصناعة الفنية والأخطر هو كيف سيكون وضع الأقباط تحت حكومة إسلامية. يصل التصعيد والمزايدات التي تبثها وسائل الإعلام الجماهيرية إلى حد تصوير الوضع على أنه تخيير بين عودة الفساد ممثلا في أحمد شفيق أو الذهاب إلى الظلامية مع محمد مرسي ويلاحظ شق آخر أن الثورة أفرزت نفس قطبي التنافس في الانتخابات البرلمانية تماما كما كان يحصل خلال العشرية الأخيرة في عهد مبارك بالصراع بين كتلتي الحزب الوطني الحر والإخوان المسلمون مما يجعل درس الديمقراطية هذا ساخرا ولكنه في كل الحالات سيكون باهض الثمن. ولو عدنا إلى نتائج الجولة الأولى من الانتخابات لوجدنا أن حاصل الأصوات التي أعطيت لصالح شفيق ومرسي معا أقل من النصف بقليل أي أننا سنجد خلال المرحلة الثانية أكثر من نصف الناخبين لم يكن لا شفيق ولا مرسي خيارهم الأول وهذا ما يزيد من وزن اللحظات الأخيرة من الحملة الانتخابية وأن التصويت لن يتم حسب القناعات ولكن عبر منظومة من المؤثرات.
من ناحية أخرى تشير نتائج الانتخابات إلى مخرجين محتملين لمستقبل أي ثورة في إطار الربيع العربي، وفي ذلك تعبير عن معادلة قوى لا مجال للتغافل عنها،  فالإسلام السياسي وخاصة الحركات الاخوانية المنزع أصبحت تراهن بقوة على اللعبة الديمقراطية لأن التجربة والتوقعات أثبتت أنها سبيل سالك نحو المناصب والمواقع الكبيرة ولاكتساح الشرعيات للعبور نحو السلطة، من جهة أخرى يعتمد أحمد شفيق على  حنكة طبقة سياسية مارست السلطة سابقا في إطار نظام مبارك وهم العارفون بكواليس اللعبة والمواقع إستراتيجية ما ظهر منها وما بطن بما أنهم كانوا وحدهم الفاعلين طيلة عقود لا يشاركهم أحد في القرار وفي ممارسة السياسة.               
المشهد العام
عناصر المشهد المصري اليوم متعددة ومتشابكة، لا يغيب عنا موقع مصر في خارطة الربيع العربي وأهمية هذه المحطة  في أي مسار يتم التخطيط له، وعلى أرض الواقع هناك فاعلان أساسيان: أولا المجلس العسكري الذي لا يحظى بأي حسن ظن لا شعبي ولا إعلامي وهناك قناعة عامة بأنه السبب الرئيسي في الاحتقان الجماهيري الذي لن يسمح بالاستقرار، غير أن أهم ما يميّز المرشحين المتبقيين من هذه الزاوية أنهما يعتبران الأكثر تقاربا من الجيش من بين كل من دخلوا الرهان الانتخابي.
 في المقابل يبدو ميدان التحرير  كمحرّك حاسم في اللعبة الديمقراطية أو على الأقل هذا ما تعمل على ترسيخه وسائل الإعلام والمجتمع المدني بينما بدأت القوى السياسية بعد أن أصبحت تتمتع بغطاء شرعي تضيق ذرعا بتحركات الجماهير في الميدان ولكنها تعود إليه بما أنها ترى فيه ورقة ضغط سياسية مهمة. وفيما يخص الانتخابات المقبلة لا يحمل الميدان ومن ورائه الشارع المصري عموما أي ثقة في كلا المرشحين وهو المشهد الفاضح فيما يخص إشكالية الديمقراطية في مصر إذ وكأنه يظهر تناقضا بين الثورة والديمقراطية (الميدان والصندوق).
وبين هذين القطبين تتحرك ظواهر أخرى أهمها توجيهات الأحزاب المنسحبة والمد الإسلامي على المستوى البرلماني وعلى مستوى الشارع وكذلك يوميات الثورة كمحاكمة حسني مبارك وحركات الاحتجاج الاجتماعي والأدوار التي يلعبها قادة الرأي العام مثل محمد البرادعي وأيمن نور وعمرو موسى وفي الخلفية توجد الثنائية الإسلامية القبطية والعوامل الجهوية وطريقة التناول التهويلية لدى الصحافة المصرية.
 المترشحان
بالنسبة لأحمد شفيق (70 عام) وهو الشخصية المصرية الموازية لموقع محمد الغنوشي من الثورة في تونس بما انه كان رئيس الحكومة الأخير في عهد مبارك وتواصلت رئاسته لها حتى مارس 2011 ، وقتها نفخ في صورته كرجل من النظام السابق لكنه يتمتع بنظافة اليد والكفاءة في إدارة الأزمة، قبل ذلك تقلد العديد من المناصب العسكرية في سلاح الطيران وتقلد حقائب وزارية في عهد مبارك إلى أن حملته موجة الاحتجاجات في بداية 2011 إلى رئاسة الحكومة خلفا لأحمد نظيف وبعد استقالة حسني مبارك تركه المجلس العسكري لمواصلة المهمة حتى يوم 3 مارس 2011 حين قدّم استقالته ليلة مظاهرة مليونية في ميدان التحرير كانت القوى الإسلامية من أبرز مؤطريها.  غاب مدة عن المشهد السياسي حتى فاجأ الجميع بالترشح للانتخابات الرئاسية الذي رفض بادئ الأمر باعتبار قانون العزل السياسي ولكنه طعن في القرار وتقدّم للانتخابات وحاز المركز الثاني الذي أهّله للجولة الحاسمة وكانت إحدى أوراقه عدم دخول مغامرة الانتخابات من بوابة حزب، ولديه أوراق ثقيلة أخرى يعتمد عليها أهمّها مصالح الأقباط ورجال الأعمال الذين يبحثون عن شخصيات توافقية وجزء مهم من الطبقة المتوسطة يبحث عن الاستقرار والأمن  قبل أي انجاز آخر. إن أهم ما يميّز أحمد شفيق أنه يتمتع بحسن إدارة الحملة الانتخابية فلم يترك لخصومه سوى باب واحد للتشهير به وهو أنه من فلول النظام السابق ولكنها نقطة ضعف أشبه بكعب أشيل.
أما منافسه محمد مرسي (60 عام) فهو من استقرت عليه الاختيارات فيمن سيدير التوجهات السياسية لحركة الإخوان المسلمين التي فضل منظروها البقاء حركة إسلامية مرجعية وبعث حزب الحرية والعدالة كلاعب سياسي لحسابها في الساحة المصرية علما أن محمد مرسي كان الوجه الثاني للحزب إلا أن استبعاد خيرت الشاطر من الترشح للرئاسة لأسباب قانونية دفعه إلى الواجهة.  المهندس ذو الأصول الريفية سيعتمد على هذين العنصرين من شخصيته لبناء شعبية لا يستطيع أن يوفرها منافسه ثم سيعتمد على التأطير الحزبي علاوة على الأسبقية المعنوية والبرلمانية التي تتمتع بها الحركات الإسلامية في العالم العربي بعد نجاحاتها في تونس والمغرب وكثيرا ما يطرح اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع وهو يقف موقف النقيض تماما من منافسه الذي يعدّ نفسه الضامن الوحيد لمدنية الدولة لنفهم من هذه الزاوية حجم التضاد بينهما الذي لا يترك فرصة للكثيرين -ربما يمثلون الأغلبية الحقيقية- لأن يروا تصوّراتهم تنطبق مع ما يطرح لهم. كثيرا ما يركز محمد مرسي في خطابه الإعلامي على أنه واحد من الوجوه التي صعدت بعد الثورة وأن الوضع الطبيعي هو التخلص من كل وجوه النظام السابق ولقد أوصلته الانتخابات لأن يكون البديل الوحيد.
المشهد النهائي
ستطوي مصر – من ناحية الأطر القانونية على الأقل - المرحلة الانتقالية لما بعد مغادرة مبارك للرئاسة غير أن هذا التجاوز ينطوي على عدم رضا فئات موسعة لذلك فان المرحلة الانتقالية لن تطوى فعلا ولن تفضي الانتخابات لواقع جديد مهما كان اسم المنتصر ثم لأن جزءا كبيرا من الفعل السياسي في مصر يقع خارجها. في المشهد النهائي يبدو المجلس العسكري الذي هندس هذه اللعبة الانتخابية متغلبا على ميدان التحرير ويبدو الشعب الذي دعي للاختيار وكأنه لم يختر. فإذا أظهرت الجولة الأولى الديمقراطية كإشكال وعكست عدم وضوح الرؤية فكيف ستكون دروس الجولة الحاسمة؟

دجالو الاقتصاد .. مجبرون على الاستماع لمن لا يملكون حلولا




في كتابه "دجّالو الاقتصاد" يؤشر لوران مودوي الصحفي الفرنسي المتخصص في الشؤون الاقتصادية، إلى صدامات المصالح المحتملة بين الاقتصاديين على المستوى الإعلامي. فكان هذا الحوار المفتوح بينه وبين مستعملي موقع ياهو على شبكة الإنترنيت. ملاحظة: نفس الآراء التي تنطبق على صراع رجال الاقتصاد في وسائل الإعلام الفرنسية تنطبق أيضا على صراع المصالح بين رجال السياسة في وساءل الإعلام التونسية.


ما هي أطروحتكم بالأساس ؟
هدف الكتاب هو وضع أسئلة ديمقراطية للمساعدة على فهم ما يقدّمه الإعلام عبر أفواه الاقتصاديين. قارنت بين مجالات متباعدة: ففي مجال الصحة مثلا، نعلم أن الخبراء الذين يعطون موافقتهم للأدوية لا يتمتعون بسمعة جيدة، لذلك فمفهوم أن نرى المرضى قلقين. في مجال الصحافة، معلوم وجود صحفيين منحازين لطرف دون آخر، سيكون مفهوما أن نرى المواطنين مشغولي البال. نفس الشيء في المجال الاقتصادي، إذا كان رجال الاقتصاد مقربين ومستغلين من قبل البنوك والشركات الكبرى، ألا نجد هنا أيضا أسبابا للقلق خاصة في فترات الأزمات، في هذا الإطار وضعت هذا التحقيق. لقد أثبت أن رجال الاقتصاد الفرنسيين الأكثر ظهورا إعلاميا هم لسوء الحظ في صراع مصالح.

ماذا تطرحون لتجنب صراع المصالح هذا؟
يلزمنا اليوم دراسات أكثر حول العلاقات في السوق والابتعاد قليلا عن مواضيع الاقتصاد الكلي الذي علينا أن نبدأ في معالجته لأنه وقع في أحادية النظرة النيوليبرالية غير أن علم الاقتصاد هو بالأساس علم اجتماعي وليس علما صحيحا لذلك فهو قادر على استيعاب تعدد طرق البحث. ثم هناك التباس يجب تبديده، إذ يقع فهم الاقتصاد كعلم موضوعي يدرّس في الجامعات وهو في الحقيقة جزء من الخطاب السياسي وعنصر مهم في بناء العلاقات بين القوى الفاعلة اجتماعيا. كذلك علينا معالجة الإطار الإعلامي الذي يقع فيه طرح القضايا الاقتصادية، فهي تسمح بعدم وجود تسامح عند تعدد وجهات النظر.

أليست مسؤولية الإعلاميين الذين يعطون الكلمة لرجال الاقتصاد ؟
نعم للإعلاميين مسؤولية كبرى، فتحت تسمية خبير اقتصادي يخلطون الموظف البنكي والأستاذ في علم الاقتصاد والمحاسب ورجل الدولة. كذلك علينا العودة إلى العلاقة بين الإعلام والاقتصاد فمن يحتكرون الكلمة هم رجال اقتصاد مقرّبون لمموّلي الإعلام ومنها البنوك.

هل ترى صوابا أن نكتفي برجال اقتصاد أكاديميين أبعد ما يكون عن الممارسة التطبيقية لعلومهم في السوق ؟
التصوّر العام بخصوص هذا الأمر أنه غير ممكن، ولكن رجال الاقتصاد هم من يقدمون مثل هذه الحجج الغير بريئة ليقولوا أنهم مجبرون على متابعة الظواهر التي يدرسونها عن قرب. غير أن هذا القرب لا يكون إلا في محيط المال فلا هم يقدمون حلولا أمام صعوبات الدولة كالعجز التجاري أو مشكلة البطالة ولا هم يساهمون في تنمية الشركات الصغرى. ثم هل ثمة ميثاق يضمن استقلالية رجال الاقتصاد الأكاديميين.

 كيف تفسر بقاء اقتصاديين في الواجهة رغم أنهم لم يستطيعوا التكهّن بأزمة 2009؟
ليس الخطأ في أنهم لم يتكهّنوا ولكن في إعادة نفس الخطأ وبطريقة آلية. في 2007 كان آلان مينك يقول أن نظام المالي العالمي أصبح معقدا تقنيا إلى حد أنه أصبح من المستحيل وقوع أزمة. اليوم يفسّر الأزمة بالعوامل النفسية كي تبقى نظريته قائمة وهو مازال من أكثر الاقتصاديين حضورا في وسائل الإعلام. من خلال هذا المثال نفهم ماذا يقع اليوم، إننا مجبرون على الاستماع لمن لا يملكون حلولا. 

الأحد، 3 يونيو 2012

دالي والجسد .. نحت أسطورة معاصرة



حين كانت المدارس الفنية لبداية القرن العشرين تذهب نحو التجريد بعد أن كان تصوير الطبيعة والجسد هو المهيمن في فن الرسم الكلاسيكي، أراد الرسام الاسباني سالفادور دالي أن يمزج المنزعين في أعماله لذلك اعتنى بقضية الجسد من منطلق مدرسته السريالية وطوّر تصوّرا جديدا له.
معلوم تأثر المدرسة السريالية بفكر عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد، لذلك فان منطلق فهم دالي للجسد هو اللاوعي، بعبارة أخرى هو يبحث عن نقل صورة الجسد الموجودة في اللاوعي هاربا من التصوّر المألوف للجسد في إطار قطيعته مع تقاليد فن الرسم وتنظيرات التوجّهات الفنية الحديثة. إن النكهة الأساسية التي يقدمها دالي في أعماله هي الانبهار فبدونه يرى أنه لا يمكن فهم – أو حدس – الجسد.

لقد كان يقول أن القرن التاسع عشر أفرز تخمة من الأفكار أدت إلى الحروب والكوارث النفسية ولن يداويها سوى العودة للمرح –بالمعنى الديونيزوسي- الذي يوفّره الجسد. فأصبح التيمة الرئيسية لأعماله في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها حين هجر أضواء الحياة العامة وأخذ يتحاشى تبذير أفكاره في شرح مواقفه السياسية. وكان هذا الحياد السياسي موقفا في حد ذاته يعبّر من خلاله عن اشمئزازه من خواء السياسيين ولامبالاتهم بالمصائب التي يجنونها على الناس. 
من خلال هذه الخلفيات طوّر دالي رفضا عنيفا للمسلمات والواقع، أبرزه في هجومه على المجتمع حيث لا هروب من تعقيداته وآلامه سوى في عوالمنا الداخلية. اعتبر أن الجسد بطل في تراجيديا إغريقية، وجعل أعماله تعبيرا عن وضع الجسد المأساوي في العالم. كما انتقد بأسلوب فني راقي السلطة الباطرياركية حين تناول جسد المرأة إذ كان يشير أنه قد قيّد ووضع تحت القواعد والأطر (الزواج – العذرية ..)  ليكون اغتصابه أكثر اقتصادا. وهكذا بعد أن كان الجسد يمثل موقفه السياسي أصبح يمثل تقريبا كل موقفه من الحياة فصاغ منه ميثولوجية معاصرة.     









الجسد المهمّش والمقدس .. لعبة الأهواء والسلطات



الجسد شكل حضور الفرد في العالم وشرط إدراكه لما حوله ولكن يحدث للجسد أن تعريه العادة والاكراهات من بهائه وثرائه وأن نفتقد أمامه الدهشة والتساؤل وأحيانا المتعة في التعامل معه. ومقابل هذا التغاضي الفكري في تناوله يبقى حاضرا بارزا في واقعنا الفردي أو الجمعي، فهو الذي يترجم أهواءنا وميولاتنا ومشاعرنا وانتماءاتنا وحتى أفكارنا وفوقه تكتب تجاربنا الحياتية، وهو أداة لا بديل لها لكل منا من أجل تحقيق ما يرغب فيه وهو الشاهد على تحولات الهوية في الأوطان والفاعل في الميادين العملية كما في الفن وفي السياسة وموضوعها. إننا نعيش اليوم تجاذبات فكرية يبرز السياسي منها في الأدوار الرئيسية غير أن هذا الصراع السياسي المعلن يوازيه صراع غير مكشوف على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والرمزية مثلما يحدث من صراع حول المواقع الثقافية أو الفضاء العمومي أو حول الجسد .

الجسد .. ميدان لمعارك فكرية
يقول المفكر الوجودي جابرييل مارسيل "تكون الأشياء موجودة في نظري بقدر ما أعتبرها امتدادا لجسدي" ويضيف في مقام آخر " إن المعطى المشترك بين شعوري وشعور غيري هو جسدي" إذن كل تغييب لعنصر الجسد يؤدي إلى وعي ناقص للوجود. فإذا كان الجسد إشكالا بطبعه فان إرادة التعامي والابتعاد عن فهمه تضاعف من حجم هذا الإشكال.
"أريد أن أكشف لمحتقري الجسد حقيقة موقفهم: إني أطلب من هؤلاء أن يتخلوا عن أجسادهم الخاصة فيصبحون بذلك بكما" بمثل هذه الكلمات تحدث نيتشه على لسان زرادشت واضعا إشكالية الجسد في إطار هجومي تهكمي يشير فيه إلى بقاء البعض في وسط حلقة أفلاطون منذ العصر الإغريقي الذي يرى أن الجسد هو قبر النفس. لقد كان نيتشه يحاول تخليص الجسد من مأزق تصوّره كمصدر للشر في مقابل الروح التي هي منبع القيم والفضيلة ويبدو أننا نتجه في مجتمعنا للعودة إلى نفس الجدلية العقيمة حين يراد بالجسد أن يتخفّى أو أن يتشابه وفي أحسن الحالات أن يدجّن خوفا مما يمكن أن يحققه، ولا شيء يعيق التقدّم مثل الانغلاق في هذه الثنائيات فقد انحصرت الفلسفة المثالية في مثل هذه التصورات حتى جاء سبينوزا ليصالح الروح والجسد ويوحّد بينهما في رؤيته للإنسان وألهم بعمله هذا اينشتاين الذي قام هو الآخر في نظرية النسبية بتوحيد مفهومي الزمان والمكان لكي يتمكّن من تطوير فهم الكون.
إن الضجة التي قامت حول مسألة النقاب في تونس إنما هي معركة لافتكاك مواقع في ميدان الجسد، فلا بد لصعود السلفية على المستوى الكمي أن يواكبه امتداد على مستوى المفاهيم لذلك برزت إرادة فرض مواقف على الجسد بوضعه تحت نمط في الملبس يعبّر عن تصورهم للحياة ويتم تبرير هذا الموقف أحيانا بأنه يمثّل ردة فعل تجاه من استورد لنا ثقافة تسليع الجسد وتقليد فهم الجسد حسب المعايير الغربية وهكذا نعود إلى حلقة الثنائيات المفرغة وجعل واقعنا ميدانا لصراع الاتجاهين، دائما ما يكون جسد المرأة هو لب هذا الصراع  إما بتغطيته وإخفاءه إلى أبعد ما تحدده النصوص وإما بتعريته وتزييفه إلى أقصى ما تسمح به المعايير الجمالية. وفي كلا الحالتين، نحن أمام فقدان حرية أمام السلف أو أمام الآخر، ولكن أليس من العبث الحديث عن فكر حر في جسد مقيّد فما بالكم بجسد متخفي ومطموس أو في جسد مقلّد ؟
إن هذا الجدل العقيم كان مقيما في أوروبا القرون الوسطى، في حين كان العرب في الأندلس وفي الشرق قد تجاوزوه ويتعاملون مع الجسد وقيم الفن والحب بكل أريحية وكأنه يراد لنا أن نعود إلى ما كانت عليه أوروبا قبل عصور التنوير وأكثر من ذلك أن نقطع مع الجزء المشرق من تاريخنا، ويمثّل هذا الجدل مؤشرا لمراحل التحوّلات إذ تظهر الآراء المتضاربة ويجد التطرف من الجانبين مجالا للبروز بكل وضوح. نفس الصراع حصل في  تركيا المعاصرة، حيث كانت المعركة الإيديولوجية بين التيار العلماني والتيار الديني تدور أيضا حول الجسد وكان في كل مرّة تعبيرا عن انتماء وموقف بما أن اللباس – كيفية إخراج الجسد – هو الجانب الظاهر والمعيش من هذا الصراع فكان التجاذب على المستوى الرجالي بين الطربوش و نمط اللباس الغربي وعلى المستوى النسائي الحجاب والسفور والموضة. 

التاريخ الوطني للجسد
لو عدنا إلى بلادنا، إلى تاريخ دولتنا المستقلة حيث بدأت تترسخ قناعة بأنها دولة الاستبداد والقمع. لقد كان هذا القمع يمارس على الجسد أيضا، إما بتعنيفه أو حرمانه من التعبير أو بمنعه من التجمهر أو بفرض لباس أو نمط حياة عليه. إن القمع بصفة عامة إنما يمارس على الجسد وتبعا لذلك فالحرية إذا أريد حقا أن تمارس، ستمارس على الجسد. فعلاقة الجلاد  بالضحية علاقة جسدية وكانت علاقة الشرطي بالمواطن علاقة جسدية عبر العنف الذي يمارس عليه وقهر المجتمع الذكوري المفروض على المرأة في مجتمعاتنا عموما علاقة تتمحور حول الجسد ومن بينها معركة الحجاب والسفور التي كانت عنصرا حاسما في بناء الدولة حسب التصوّرات البورقيبية، ثم لقد كانت شعارات الدولة التنظيرية مثل بناء دولة الاستقلال وتحقيق التنمية تتوجّه أيضا للجسد، فالبناء والعمل والجهاد الأكبر وسيلتها الجسد إذ يكون هو الباني وهو العامل وهو المجاهد الأكبر. ثم حين يكون توجّه الدولة نحو تأسيس مجتمع استهلاكي ينعكس ذلك مباشرة على الجسد فيتحوّل هو إلى قاطرة للترغيب.
إن المنعرجات التاريخية الكبيرة لا يحققها إلا الجسد. فالثورة لم تندلع إلا حين حققها الجسد أولا بمشهد إحراق جسد وان هذا الجانب الحسي الأليم هو الذي يقنع الآخر بالمصير المشترك وبضرورة المقاومة وقليلا ما يتحقق ذلك بالحجج العقلية ثم لقد كان مشهد الثورة الرئيسي هو حضور أجساد التونسيين المكثف وتحالفها ظهيرة 14 جانفي. الأجساد شاركت في الثورة وحققتها خاصة أن هناك إجماعا بأن الثورة التونسية ليس لها بعد ثقافي واضح. والثورة خدمت الجسد بان قلّصت من حجم القمع المسلّط عليه، نتمنى أن تصل الثورة إلى كيفية النظرة إلى الجسد والتفكير فيه وإلا فإنها ستخسر حليفا مهمّا. 

التوظيف السياسي للجسد
لقد كان ميشال فوكو رائدا في تعرية السلطة وكان أحد انجازاته ربط كل ممارسات السلطة بالجسد، فالسلطة هي " فن صياغة الأجساد " إذ تهدف المنظومات التربوية والتأديبية (المدرسة والسجن مع العديد من المؤسسات الأخرى) إلى اختلاق جسد طيّع يمكن استغلاله في العمل للصالح العام،  فالطفل يعرّض للتأديب الجسدي أو يهدّد به حتى يتحوّل إلى ما يريده منه محيطه الاجتماعي وكذلك الجانح إذ يعاد إخضاعه جسديا حتى لو كان جرمه غير بدني بالمرة كالتزوير أو التخطيط لجريمة. يوضّح فتحي التريكي في عمله "الفلسفة الشريدة" هذه الفكرة بالقول "لا يصبح الجسد قوة مفيدة إلا إذا كان منتجا وخاضعا وهذا ما تقوم به السلطة" وذلك عبر وسائل ما يسمى بتكنولوجيا السيطرة على الجسد.
بما أن الجسد هو شكل حضور الفرد في العالم فهو يمثل أول ما يتلقى منه في محيطه، وهذه أول عملية اتصالية علاوة أن كل أدوات الاتصال الخاصة بالإرسال أو التلقي هي ملكات جسدية، وبتضخم مفهوم الصورة في العقود الأخيرة الموازي للتطورات الاقتصادية والتقنية تضخّم دور الجسد وأصبح أكثر فأكثر محورية، فالجسد هو بطل الصورة الأول وهدفها بما أنها تقدّمه مثالا للتقليد، يبرز ذلك في الفنون البصرية وفي الإشهار إذ يمثل الجسد فيه وسيلة إقناع أساسية فمثلا حتى إذا كان المنتوج سيارة أو مادة غذائية فان التركيز يقوم على إبراز قيمته في الجسد لأن الجسد هو قرين الرغبة. 
يزداد حضور الجسد في السياسة فحركات السياسيين لها دور في تبليغ رسائل للمتلقين سواء بصفة واعية أو غير واعية وقد أصبح الأداء الجسدي للسياسيين موضوع درس اليوم كما فعل المحلل النفساني جوزيف مسنجر في كتاب "المعاني الخفية لحركات السياسيين" إذ يربط بين السياسي وأتباعه بوجود توافق بين ما يقدّمه وما ينتظرونه جسديا. ثم ألا نرى أن تركيز السياسيين على وسائل الإعلام المرئية أكثر بكثير من المقروءة والسمعية لتغييبها للجسد في مادتها الإعلامية، نفهم من ذلك أن تسريب الأفكار بالصورة يأتي في مرتبة أهم من تسريبها عبر الخطاب اللفظي القائم فقط على الأداء الصوتي والتسلسل المنطقي للحجج. لا يغيب عنا أن هذا السياسي هو الذي يدير لعبة السلطة الطامحة لإخضاع الأجساد من حولها فلا مجال إلا أن يستغل الجسد بقوة للإقناع والجذب و للتحيّل أو ما يسمّى بالنفاق بالجسد والذي تقوله بعبارات أخرى القاعدة الأولى في السياسة "الغاية تبرر الوسيلة".
للجسد نفس الدور الجوهري في الفن، فالسينما والمسرح والرقص فنون الجسد بامتياز وهو مثل الآلة الموسيقية لدى الممثل حيث يتم إسقاط كل الأحاسيس والأفكار والخبرات في إطار واحد هو الجسد. هذا عن دور الجسد في الأداء، أما الجسد كموضوع فلا يخلو أي شكل فني منه – فيما عدا الموسيقى ولكن صعود ثقافة الصورة جعلت الجسد مكمّلا للموسيقى -  ويتضح هذا خاصة في نسبة تناول الجسد في النحت وفي الرسم، حتى الفنون الأدبية فرغم أن اللغة هي المحور الذي تدور عليه العملية الإبداعية فان الجسد هو الذي يكتب في النهاية.
علاوة على السياسي والفنان الذي له علاقة جوهرية بأدائه الجسدي، يمثل الجسد لآخرين سبيل الرزق وتحقيق الذات اقتصاديا وهنا نتحدث عن  الجسد كمهنة بالنسبة للرياضي وعامل الترصيف والمناجم والمومس .. حيث يصبح الجسد هو الحياة. وتقودنا علاقة الجسد بالاقتصاد والمال إلى موقع الجسد في عالم الجريمة فهو محور عوالم الدعارة والإباحية وتجارة الأعضاء البشرية وهو وسيلة الإفساد القيمي.

علاقة المجتمع المتوترة مع الجسد
إن المجتمع هو الذي أوصل الجسد إلى الصورة التي هو عليها الآن. فلو تساءلنا ماذا يفعل الناس بأجسادهم في مجتمعنا؟
يمكن الحديث في مجتمعنا اليوم عن ثلاث فئات كبرى: فئة المنحازين لمظاهر التديّن ومنطقها مع الجسد هو الحجب والحرمان يقابلهم فئة الانفتاح المفرط على الغرب بمنطق علوية الجسد إلى حد توثينه، ويقع بينهما أغلبية لا توافقهما إلا في القليل وهؤلاء تبقى ممارساتهم خاضعة للتصوّر الاجتماعي الموروث الذي يتميّز بلامبالاته تجاه الجسد. وفي الثلاث حالات يمتهن الجسد.
 من بين الممارسات الموجّهة للجسد نجد الإهمال والتقليد والنمطية ومحاصرته بالتابوهات المتعسفة مما يؤدي إلى منعه من اللذة والجمال والتقدير وتركه للألم والأمراض علاوة على التدجين والتلقين وتعريضه للعنف المباشر والاستغلال أو لجبروت الغريزة مقابل الكبت والحرمان (العنف السلبي) وإبقائه مقصى من دائرة الإشباع وأحيانا يتم التعامل مع الجسد بمفهوم الجثة بأن يوارى أو يتخلص من صورته. إن وجود مشكلة بين الإنسان وجسده تصنع ضرورة مشكلة بين الإنسان وحياته، والمجتمع هو مجال تراكم هذه المشاكل. كما نلاحظ التباسات تضيّق على الجسد مثل ربط مفهوم الشرف بالجسد وإسقاطه خصوصا على جسد الزوجة أو الابنة المرتبطين بفكرة الملكية في المجتمعات الأبوية في حين أن مفهوم الشرف يتم التساهل فيه لو تعلق بالشرف المهني أو العمومي.
تبقى علاقة المجتمع العربي بالجسد في حاجة إلى مراجعة شاملة، لأن البقاء بنفس التعامل معه يعيق أي فرصة للتقدم إلى الأمام في أي مجال، فمن بين المفاهيم الثلاث التي يقع بينها الإنسان يظل الجسد هو الأدنى موضعا بعد العقل والروح لذلك يقول الكاتب الصحفي مأمون فندي في مقال له بجريدة الشرق الأوسط " الجسد هو الثلث المعطل للحياة العربية سياسيا وثقافيا".

الإسلام كدين للجسد
إن نظرية الإسلام في الجسد غير متعالية،  فالإسلام دين ضد الحرمان والكبت: إذ لا يقبل الجسد المجرّد من نوازعه ورغباته ويدعو لعدم تعريض الجسد للشهوات دون تنفيس ويبرز ذلك مثلا في حثه على الزواج والتيسير فيه ويبقى التضييق الذي يرافق الزواج من صنع المجتمع الذي ينتج بذلك ما سمّيناه سابقا بالعنف السلبي تجاه الجسد. ثم إن الإسلام لا يمكن فهمه بمعزل عن عباداته فممارسات الصلاة والصيام والحج والوضوء تدور كلها حول الجسد، يقول فريد الزاهي في كتاب الجسد والصورة والمقدّس في الإسلام "ظل الجسد خادما للمقدّس الإسلامي وسندا له" رغم ذلك فإن "مفهوم الجسد حبيس النص الفقهي ولم يجد له مرتعا سوى في النص التخييلي شعرا كان أو حكيا". في داخل هذه المنظومة الفقهية نلاحظ أن تناول الجسد يوازيه تضخّم لمفهوم العورة حتى تحوّل تناول الجسد من منظور إسلامي إلى ما يشبه البدعة. وأسقط ذلك على حركية المجتمع وأصبح منتجا لقيم مفارقة للتصوّر الأصلي للجسد في الإسلام قادت إلى صعود فكر متشدّد أو ما ورائي.
عموما لا تنفصل الأديان عن الجسد سواء بطقوسها التعبّدية أو بما تحيط الجسد به من تعاليم، ويبقى الختان أبرز مظهر لذلك إذ يمثل عهدا بين الله والعبد يكتب في جسد المخلوق. كذلك ترتبط الخطوات الأولى للإنسان بالجسد في قصص الخلق المختلفة يبقى أبرزها قصة الخطيئة الأصلية في الديانات السماوية الثلاث أو قتل قبيل لهابيل وكذلك في صلب يسوع حسب التصوّر المسيحي إذ أن فداء الإنسان من الخطيئة الأصلية تمّ عبر الجسد في إشارة لأن كل طريق للخلاص يمرّ منه. 

مصالحة الجسد
إن بداية الطريق لتغيير أنفسنا -ومنه لتغيير واقعنا- يمر من إعادة تأسيس علاقة أكثر وعي وجديّة مع الجسد، وإن تمجيده لا نقصد به توثينه ولا يعني نبذ الجانب الروحاني أو مصادرة العقل فكلاهما ينتظر سندا جسديا متينا، نحتاج إلى نظرة معتدلة للجسد لا تهمّشه ولا تقدّسه وأن نعمل على وضعه في المكانة اللائقة به لأنه العنصر الظاهر الذي يمكن أن نلمس حجم المنجزات فوقه. وإن إحدى معضلاتنا اليوم أننا حين نُمنح الحريّة لا نحسن استغلالها ونبقى مرتبكين أمامها، وكما أشرنا سابقا فالحريّة تمارس في الجسد وعبره، غير أننا بعدم فهم دور الجسد وقيمته نعطي فرصة للبعض كي يجعلوا منه أداة تحقيق غايات لا تكون في صالح الجميع وهم من يقول فيهم طاغور: كل ما يحرّر الإنسان يحوّلونه إلى قيود.

ألبوم سقوط القمر لمرسال خليفة .. عن سقوط الفنان في النخبوية



"سقوط القمر" هو الألبوم الجديد لمرسال خليفة غير أنه لا يحمل لعشاقه جديدا، فجميع أغانيه يعرفونها من خلال حفلاته أو مشاركاته الإعلامية وهو يمثل حصيلة أعماله خلال الخمس السنوات الأخيرة. كثيرون انتظروا أن تكون أعماله التي تصدر في هذه المرحلة رجع صدى للربيع العربي ولكن بعد الاطلاع على محتوى الألبوم يغلب الانطباع بأنه لمسة وفاء  للشاعر الراحل محمود درويش إذ يحتوى على 13 أغنية من تأليف محمود درويش منها 3 اعادات لأعمال سابقة (أجمل حب – في البال أغنية – آه يا جرحي المكابر) وبقية الأعمال – وهي 18 في المجمل - معزوفات صامتة. أهم الأغاني: يطير الحمام، ونحن نحب الحياة، تذكر نفسك، تعاليم حورية ...
منذ مدة – عشرية تقريبا-  صار مرسال مركزا أكثر فأكثر على تطوير الشكل الموسيقي وهو يواصل الابتعاد عن صورته النمطية التي صنعتها له الجماهير كفنان ثوري ملتزم والتي يعود إليها أحيانا في لقاءاته معهم ولكنه على المستوى الرسمي – اسطواناته - لا يتنازل في الذهاب في مشروع آخر تماما يكاد أن يكون نخبويا بامتياز تأخذ فيه الآلة الموسيقية والبحث على الابتكار الدور الذي كانت لعبته الكلمات والشعارات في المرحلة السابقة، القاسم المشترك الوحيد تقريبا هو قصائد محمود درويش التي استطاع مرسال خليفة أن يطوعها لأغراض كلا المرحلتين.  تتأكد كذلك من ألبوم إلى آخر محاولة مرسال خليفة لإرساء حوار حضاري مفقود ومطلوب بين الشرق والغرب على مستوى الموسيقى وهو مصر على أخذ كل ما يمكن استثماره من التراث الموسيقي الشرقي دون حرج في أعماله الأخيرة، لكن باستعمال وسائل  وآليات الموسيقى الغربية التي ذهبت أبعد منا في تطوير الشكل وهو بذلك يريد أن يكون نقطة التقاء ولكن يبدو أن هذه النقطة شاهقة العلو بحيث تجعله أبعد فأبعد عن الشعوب التي يتوجه إليها أولا وأخيرا.  
 

يمكنكم الاستماع لأهم مقاطع هذا الألبوم على موقع مارسيل خيلفة الرسمي

وللاطلاع على كل الألبوم

للاستماع لكامل أعمال مرسال خليفة السابقة


أطفال الشوارع .. معضلة قائمة واعتراف مؤجل



أعدادهم تتزايد بمرور الأعوام، ينتشرون في الطرقات وفي المحطات وفي المفترقات غير آبهين للنظرات اللامبالية أو بالتضييقات أو بالمخاطر أحيانا. أطفال الشوارع يفرضون أنفسهم شيئا فشيئا كأمر واقع في خارطتنا الاجتماعية، ولكن غالبا ما يكون الجواب الرسمي بخصوصهم أنهم مجموعة حالات محدودة لا ترتقي إلى درجة الظاهرة ، ليس لأنهم بالفعل كذلك وإنما لأننا جميعا لا نريد أن نرى ما في الحقيقة من قبح ولأن تزوير الواقع هو طريقة من طرق الهروب من مواجهتها إذ نحاول أن نتخلص منها بوضعها في خانة المسكوت عنه ولكن لا يمكن أن يتواصل هذا الوضع لأن السكوت ببساطة ليس في مصلحة أحد.

أسباب معروفة
يصنف أطفال الشوارع في 3 مجموعات كبرى، أولا الأطفال الذين يعيشون مع عائلاتهم في الشارع، ثانيا الأطفال الذين  يقضون أغلب الوقت في الشارع ولكن لهم عائلات في بيت قار يعودون إليه وأخيرا الأطفال الذين هم بغير سند عائلي سواء كانوا متروكين من عائلاتهم أو هم بغير عائلة أصلا. عموما تصاحب هذه الظاهرة نمو المدن الكبرى، ويمكن اعتبار تونس محظوظة لان عددا من الأسباب الرئيسية لتفشي هذه الظاهرة في العالم لا تنطبق عليها مثل الحروب والكوارث الطبيعية والهجرة غير الشرعية فكل العوامل بالنسبة لتونس محصورة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية.
إن ظاهرة أطفال الشوارع هي أساسا ثمرة عدم القدرة على كفالة الأطفال لدى عائلات الطبقات المتدنية ويزيد من حدة هذا الوضع تدهور الظروف الاقتصادية للبلاد التي تولّد البطالة ومعلوم أن بطالة الأولياء تؤدي بنسبة مرتفعة جدا إلى ترك الأبناء للمدرسة وتشير أغلب الدراسات إلى أن الآباء غالبا هم صناع أطفال الشوارع حين يجبرونهم على العمل معتبرين إياهم وسائل لجني المال. ثاني سبب هو النزوح العشوائي، فالانفجار الديمغرافي الذي تعرفه العاصمة أدى ويؤدي إلى اختلال ميزان توزيع الثروة بما أن الموارد ستكون غير كافية للعدد الموجود مما يولد الفقر والبطالة لنعود للدوران في نفس حلقة السبب الأول. ثالثا تمثل العلاقات الجنسية غير الشرعية عاملا مهما في إفراز أطفال الشوارع إما بتخلص الأبوين من الطفل أو أن تكون الأم من أطفال الشوارع وقامت بعلاقة غالبا في إطار منظومة الدعارة ويحدث أن يكون الأبوان نفسهما من أطفال الشوارع، عادة ما يكون الحمل في سنوات البلوغ الأولى وإضافة لعدم وجود أي موانع أخلاقية أو مادية تنظم هذه العلاقات فان نسبة تكاثر أطفال الشوارع تكون مرتفعة.
هناك أسباب بعيدة كذلك، أهمها أن المدرسة أحيانا تكون عاملا في تنفير الأطفال من الدراسة مما يجعلهم يلتجئون إلى الشارع كملجأ إذ يبدو لهم موفرا للحماية ولفرص ممارسة الحرية والمتع التي افتقدوها في إطار المدرسة، يكون النظام التربوي عموما غير ملائم لأبناء الطبقات المتدنية لأنه قائم بالأساس على قيم الطبقة الوسطى كما تكون المدرسة فضاء للتداخل الطبقي ونظرا لترسخ النمط الاستهلاكي في مجتمعنا وتضخم أهمية المظاهر فان الفقراء لا يجدون إلا مشاعر الهوان والاحتقار في المدرسة. هناك أيضا انهيار النظام الأسري خاصة لدى الطبقات الاجتماعية الفقيرة حيث لضروريات الحياة  الخانقة يستغنى عن الأخلاقيات والروابط الأسرية، إن الأسر المنهارة معامل لتفريخ أطفال الشوارع وتبقى أسباب تفكك العائلة اجتماعية بالأساس أهمها الطلاق وهروب أو وفاة أو مرض أو إدمان أو سجن أحد الأبوين، إلا أن مساندة الأقارب أو الجيران أو الجمعيات الخيرية يمكن أن يقلص من حجم المشكلة ويساعد على تجاوزها. بخصوص الأطفال الهاربين من عائلاتهم –غالبا بسبب العنف المسلط عليهم- تترسخ لديهم عدوانية شديدة تجاه الكهول سيجدون في الشارع فضاء لتفريغها علما أن الكثير من القوى إجرامية أو سياسية أو مذهبية تبحث عن فرص لتحويل الضغائن (ولا ننسى الأحقاد الطبقية) إلى عنف يدعم مصالحها وسيجدون في أطفال الشوارع مجندين مثاليين. 

الدولة والمجتمع متورّطان
    يبقى في خلفية كل هذه العوامل الدور الذي تلعبه الدولة، فكل الأسباب التي أنتجت الظاهرة يمسها من قريب أو بعيد سوء التخطيط وقلة الإشراف وقصر النظر. لقد أفرزت الحروب في أوروبا ملايين أطفال الشوارع خاصة في ألمانيا وانجلترا ولكن المعالجة القانونية والاقتصادية والاجتماعية الصحيحة مكنتهم من تجاوز المعضلة في ظرف سنوات معدودة. صحيح أن المنظومة التشريعية في تونس عملت على حماية الطفل عبر المصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في نوفمبر 1991 وأنشأت مجلة مستقلة خاصة بالطفل في 1995 وأحدثت كذلك خطة مندوب الطفولة إلا أن انفصالا كبيرا حاصل بين النص والواقع. للتذكير فإن القانون في تونس يحمل كافة المجتمع مسؤولية تعرض الأطفال لصعوبات فلدينا "واجب إشعار مندوب الطفولة عندما يتبين لأي مواطن أن هناك ما يهدد صحة الطفل أو سلامته البدنية أو المعنوية" كما أن مجلة الشغل تمنع تشغيل الأطفال الذين يقل سنهم عن 16 سنة (الفصل 53) فأين هذا مما نراه على أرض الواقع؟ إن كل مجهودات الدولة تنحصر في معالجة النتائج في حين كان أولى الذهاب لمعالجة الأسباب أولا.
  إن ظاهرة أطفال الشوارع متروكة إلى التهميش الرسمي والحكومي، إذ لم يتم تناول الموضوع بجدية لا من حيث الدراسة ولا من حيث مواجهة الأمر الواقع، فلا نجد أرقاما دقيقة تتيح رؤية المسألة بأكثر جدية ولا يتم تقديم حلول أو الرقابة على مخالفي قانون تشغيل الأطفال ولا توجد برنامج شاملة وواضحة لاستيعابهم وتأطيرهم وكان أولى أن تأخذ بعين الاعتبار صورة تونس على أقل تقدير وأساسا معاناة هؤلاء الأطفال المتواصلة فهم لا يشهدون سوى الجانب العدواني القبيح والغير إنساني للمدن الكبيرة فلا غرابة أن يردوا الفعل عليها ولن يجدوا أي وازع أخلاقي يقنعهم بترك ذلك ثم لا بد أن نفهم أن الحلول النمطية والمستوردة لم تعد تجدي ولقد جربناها طوال عشريتين فلم تغير شيئا.
إن المجتمع متضرر أكثر من الدولة من هذه الظاهرة، فهذه الأخيرة تعرف كيف تستثمرها لمصلحتها أما الناس الأبرياء فلن يروا منها سوى وجهها المخيف لذلك لا يمكن التعويل فقط على الغطاء القانوني ومبادرات الدولة، لقد ورد في تقرير اللجنة المستقلة للقضايا الإنسانية الدولية أن أحد اكبر أسباب تواصل تفاقم الظاهرة هو "موقف المجتمع غير الحاسم" كما جاء في التقرير "إن حالة أطفال الشوارع هي من أعراض الأنانية المنتشرة - سواء لدى العامة  أو لدى المسئولين - وتلاشي روح الجماعة ". إن نظرة المجتمع لهؤلاء الأطفال قاسية وجارحة فلا غرابة أن يأتي رد الفعل بنفس الحدة والقسوة لأن فقدان الروابط الأسرية وبوصلة القيم ومن ثم الالتجاء إلى الشارع ليحل محل الأسرة والمدرسة في موقع المربي، فلنتصور ماذا يقدم لهؤلاء الأطفال. لذلك فالجميع متورط في هذه القضية، ومن خلال مشكلة أطفال الشوارع نرى إحدى نتائج عزوف المواطنين عن العمل الاجتماعي، إذ لا يمكن مقاومة الظواهر التي تهدد طمأنينة الناس ويظل الجميع يدور في حلقة مفرغة من إلقاء المسئولية على الغير فالمجتمع يتهم الحكومة بالتقصير والحكومة تعود بالمشكلة إلى جذوره الاجتماعية.

حياة بلا تخطيط
عالم الشارع شبكة من الصعوبات والقسوة والعنف، يعبره كل طفل منهم بقصة حياة ثقيلة مرهقة ولا تتقاطع قصصهم إلا على مستوى حجم التعاسة والمعاناة.عادة ما يكون التسوّل هو العمل اليومي لهؤلاء الأطفال لرغبة من هم خاضعون لهم في استغلالهم لجلب المال ويكون التسوّل مقنّعا في بعض الحالات عبر ترويج مواد ليست ذات قيمة مثل اليوميات وأوراق الدعاء، وبتقدم سن الطفل تتطور أعماله فيدخل في منظومة تجارية مصغرة إما بترويج سلع صغيرة في المقاهي وفي الشارع خاصة في المفترقات أو القيام بأعمال خدماتية بسيطة كمسح بلورات السيارات والأحذية أو جمع القوارير والخبز البائت.
طبعا في غياب الرعاية الأسرية والاجتماعية سيكونون عرضة لأي نوع من الاستغلال وعرضة لتبني السلوكيات المنحرفة فتنمو لديهم مهارات السرقة والتحيّل والعنف خاصة في سنوات بداية المراهقة، ويمكن فهم ذلك بأنهم تحت ضغط الحاجة فلا يمكن أن ينتظروا حسنات من يحن عليهم – وهي قليلة عادة – فتكون السرقة أو البراكاج ضرورة أكثر منها خيارا أو ميولات إجرامية، وهكذا يتورطون في مختلف أنواع الجريمة بمنطق أن ليس لهم ما يخسرونه وحسب الإحصائيات الدولية فان أكثر 3 سبل عيش مفضلة لديهم هي السرقة وبيع المخدرات والدعارة. ربما تكون الثورة في تونس بما حملته من انفلات امني ساهمت بتوجيههم نحو هذه الخيارات، وحتى إذا ما تم القبض عليهم فإنهم غير قادرين على التغيّر نظرا لظروف نشأتهم بل على العكس ففي المنظومة الإصلاحية يتكوّنون أكثر ويتعرفون على سبل الجريمة المنظمة ويطوّرون أساليبهم ولا ننسى أنهم في إطارها عرضة أكثر من غيرهم للعنف والتحرش الجنسي لعدم وجود من يهتم بحفظ حقوقهم.
ليس نادرا أن تتكون في مجتمع أطفال الشوارع مجموعات تصل إلى تصنيف عصابات أحيانا، بقواعد وتنظيمات معقدة صعبة الاختراق والتفكيك، ففي الشارع هذا الفضاء الذي يطبق فيه مبدأ لا بقاء إلا للأقوى ونظرا لتفاوت الأعمار واختلاطها فان الطفل الذي لا يجد إطارا للحماية عند أسرة أو مؤسسة يحتمي بما هو متاح لديه مقابل أي تنازل فيتم توظيفه في هذه الجماعات واستثمار مهاراته، تتكوّن لدى هذه التجمعات أخلاقيات فطرية ويلعب الإحساس بالانتماء دورا في بناء منظومة قيم خاصة وأبرز ظواهرها تلازم التضامن بينهم بالاستغلال.
من الجانب الصحي تبقى حياة هؤلاء مهددة من مختلف الجوانب فهم لا يعرفون إلا سوء التغذية وينامون في العراء معرضين للبرد والأوساخ ومن عاداتهم التدخين منذ سن مبكرة علاوة على تدخين أعقاب السجائر وشم المواد اللاصقة واستهلاك العقاقير والمخدرات، كما يجعلهم نمط حياتهم فريسة لكل الاعتداءات الجسدية والأخلاقية مما يهيئهم لتطوير السلوكيات العنيفة كأسلوب دفاع عن النفس والتي تعرضهم هي الأخرى لمواقف خطرة قد تصل إلى القتل.

التناول الإعلامي والاجتماعي
أطفال الشوارع الذين ظهروا في الأعمال الروائية الكبرى للقرن التاسع عشر خصوصا بشخصيات أوليفر تويست لشارلز ديكنز وغافروش لفيكتور هيغو في رواية البؤساء و ألهموا شارلي شابلن شخصية شارلو، تناولتهم الأعمال العربية المعاصرة كذلك مثل رواية الخبز الحافي لمحمد شكري (وهو أحد أطفال الشوارع وتحوّل إلى روائي معترف به عالميا) كما تجرأت السينما المصرية وحتى التونسية لطرق الموضوع بكل جرأة. ففي مصر أصبحت لتضخمها تعتبر ظاهرة معترفا بها علنيا خاصة في الصحافة ولكن هذا التناول الإعلامي أو الفني لم يكن كافيا لأن عجلة الاقتصاد والسياسة التي أفرزت هذه الظاهرة تظل تدور غير منصتة لأي نداء استغاثة، فمن يقع على عاتقه إنتاج الحلول هم بالأساس الدولة والمجتمع المدني لكن يبدو إلى حد الآن أن المسألة مازالت تعد مؤجلة تاركين لها الفرصة لكي تنمو أكثر فأكثر وتاركين هؤلاء الأطفال إلى أقدارهم وكي يتحولوا إلى مجرمين أو في أحسن التوقعات إلى حاقدين.
في المغرب هناك تجربة مهمة بتأسيس جمعية "بيتي" التي تقدم المأوى لأطفال الشوارع وتخصيصها لما سموه بمكوّني الشارع وهم متطوّعون يقومون بتأطير أطفال الشوارع ووضع برامج تعليمية وترفيهية لهم على أمل إعادتهم إلى الأسلوب الحياتي العادي للطفل، الجمعية التي تأسست منذ 1995 مازالت تعتبر نتائجها هزيلة نظرا لعدم التنسيق مع مؤسسات أخرى ومع الدولة وكذلك لضعف الإمكانيات المادية، غير أن الصعوبات المادية عادة ما تكون أسهل العوائق إذا توفرت أرضية صلبة من التخطيط والدراسة والإرادة. في تونس، كثيرة هي الجمعيات المهتمة بالطفل ولكن موضوع أطفال الشوارع لا يشغل بال إلا قلة منها، وقد أسست مؤخرا جمعية هداية لحماية أطفال الشوارع ولكن يبدو أنها تحتاج إلى دعم أكثر لتبدأ في إعطاء ثمارها.
الظاهرة في العالم
من الناحية الإحصائية، هم على المستوى العالمي يقدرون بما بين 100 و120 مليون طفل، تحتوي الهند وإفريقيا السوداء على أغلبية هؤلاء ولكن حتى الدول الصناعية الكبرى تعرف هذه الظاهرة فمثلا يقدرون في فرنسا بـ 40 ألف وهم أكثر من ذلك بكثير في الولايات المتحدة، في دول شرق أوروبا يوضع هذا المشكل من بين أولويات الحكومات اليوم لأنهم بدئوا يتلمسون خطورة الظاهرة التي سكتوا عنها في بداية التسعينات، فقد أفرزت عصابات الجريمة المنظمة والتهريب والدعارة والتقت في أحيان كثيرة مع منظمات إجرامية عالمية كبيرة كالمافيا والمنظمات الإرهابية، نفس هذه الأولويات بدأت تظهر في دول أمريكا الجنوبية حيث أن التجارب أثبتت أن الحرب على عصابات المخدرات تكون بلا جدوى في وجود أطفال شوارع وأن وجود هذه الطبقة في دائرة الصراع تخفي كل الخيوط التي يمكن أن تدل على المجرم الحقيقي وتضعهم في الصف الأول من المواجهة.  أما بالنسبة للعالم العربي فهناك ما يقدر بـ 10 ملايين منهم 3 ملايين في مصر وحدها حسب تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة أما في المصادر الرسمية المصرية فيقل العدد عن المليون ويعود ذلك أولا إلى التعريف المتبع لأطفال الشوارع في كل إحصاء وكذلك للعوائق الإدارية وإرادة إخفاء الحقائق لدى الرسميين إلا أنه في كل الحالات تبقى هذه الأرقام كارثية.

مناطق ظل
نحن غالبا ما نرى الأولاد في حياة الشارع فأين البنات؟ وهن بلا شك جزء من هذا العالم. يلتقي قدر الفتيات في أغلب الأحيان بالدعارة إذ هن مجبرات على امتهان الدعارة إما في بتقديمها كخدمة لجلب المال أو في إطار مجتمعات الشارع مقابل الحماية والأكل. وإذا كانت البنات غير ظاهرات من موقع الشارع، فلا يجب نهمل الإشارة للقاصرات اللواتي يعملن كخادمات أو عاملات أو كمومسات، رغم أن تعريف أطفال الشوارع لا ينطبق عليهن تماما. بالنسبة لكثيرين يصبح الإقدام على تقديم الجسد شيئا تافها وهنا نتحدث عن دعارة لكلا الجنسين وعن دعارة داخلية وأخرى مع من هم خارج مجتمعهم الضيق، وان تضخم عدد أطفال الشوارع يؤدي إلى ازدهار ما يسمى بالسياحة الجنسية كما يحصل في المغرب ويعطي الفرصة لتنامي سوق للتجارة بالأعضاء.
بعد سن العشرين ماذا يفعل أطفال الشوارع؟ هل يفكرون في تكوين أسرة؟ ما هو مفهوم الوطنية والانتماء الديني لديهم ؟ هم لا يعرفون سوى ذلك النمط من العيش فمن الطبيعي أن يفكروا بإعادة إنتاجه تماما كما نفعل نحن بالتفكير في بناء أسرة جديدة وتربية أولاد بنفس الطريقة التي تلقيناها، سيكون عمل شاب الشوارع هو استقطاب وتأطير أطفال شوارع في أعمال لحسابه وهكذا ستبقى كرة الثلج تتضخم مع مرور الوقت. كما أنه من المرجح أنهم سيكونون معرضين لأن تستقطبهم منظمات إجرامية أو توظيفهم في أغراض سياسية وتصفية حسابات أو أن تستغلهم الدولة كما في تجربة أطفال بورقيبة حين تم تحويلهم إلى جلادين واستثمرت مأساة هؤلاء لتدعيم سلطة الدولة وإرهاب شعبها. 

ألا يثور الضمير الإنساني
إذا تواصل الأمر في التفاقم فان ما سيحصل شبيه بما يحدث في مصر مثلا أي أن تتحول ظاهرة أطفال الشوارع إلى عالم يتوالد من بعضه على هامش المجتمع بعيدا عن الإحصاء وأعين الدولة ومتجاوزا الفهم والحصر. بعد أعوام سيلتقي الأولاد الذين ربتهم عائلاتهم على قيم العائلة والمدرسة والمواطنة وهؤلاء الذين تربوا على قيم الشارع القاسية والغير إنسانية سيلتقي الجميع في نفس الفضاء. إن أطفال الشوارع جزء مما يفرزه واقعنا وما يجنيه مجتمعنا على نفسه، من خلال هذه الظاهرة ألا نرى كم في بلادنا من عناصر قابلة للانفجار في أي لحظة.

يوسف القرضاوي .. رجل دين بامتيازات سلطانية



بين أضلاع مثلث السلطات الأكثر فاعلية اليوم تقع ظاهرة القرضاوي، فهو من ناحية الموقع الديني يعتبر من رؤوس الفكر الإسلامي المعاصر، يتمتع بشعبية كبيرة في العالم العربي وخارجه بدعم واضح من أكبر وسائل الإعلام ومؤسسات أخرى مما جعله من بين أكثر الشخصيات في العالم الإسلامي تأثيرا في العقول، فلا غرابة أن يمتد حضوره إلى الواجهة السياسية ليساند البعض ويمنع بركاته عن آخرين. 

ولد يوسف القرضاوي في عام 1926 في قرية صفر تراب في مصر، حفظ القرآن مبكرا وتميّز في جميع المستويات التعليمية والتحق بالأزهر حيث  تتلمذ على يد نخبة عصره كمحمد الغزالي وسيد سابق وعبد الحليم محمود والتونسي محمد الخضر حسين عميد الأزهر في بداية الخمسينات. انتمى منذ حداثته إلى تنظيم الإخوان المسلمين، سينعكس تكوينه السياسي على مواقفه الدينية طوال مسيرته وهو حلقة مهمة في انتشار الفكر الاخواني في العالم رغم أنه لم يعد منتميا للتنظيم الحزبي منذ مغادرته مصر. لقد كلفه هذا الانتماء السياسي سنوات من الاضطهاد والسجن في مصر طوال الخمسينات مما اضطره أن يهاجر إلى قطر عام 1961 حيث عمل في وظائف إدارية وأكاديمية دينية وتحصل على الجنسية القطرية. كانت قطر تبحث عمن يساعدها في تطوير صورتها ووجدت في الشيخ القرضاوي ضالتها فحصل تحالف "مقدس" بينه وبين آل ثاني شبيه بتحالف آل سعود مع محمد بن عبد الوهاب. العنصر الثاني في مشروع قطر هو قناة الجزيرة، وقد كان للقرضاوي كذلك مركز مؤثر في صعودها فحقق كلاهما انتشارا مضاعفا. هكذا توفرت للشيخ آلة إعلامية قوية وإمداد مالي غير محدود فكان لا بد أن يمكنه ذلك من أخذ مواقع دينية بأبعاد سلطوية متزايدة بفضل المؤسسات التي ترأسها وهي غالبا خيرية أو علمية ويبقى أهمها رئاسته المتواصلة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ أن تم تأسيسه في 2004 وهو ما جعله واجهة الإسلام السني الأولى في العالم، منذ التسعينات أخذ موقعا مقربا من كل الحركات الإسلامية ليتجاوز انتمائه للإخوان وغلب عليه الجانب الدعوي، فيما اعتبر "أن الصحوة الإسلامية تمر الآن من مرحلة المراهقة إلى سن الرشد". وبدأ يبث أفكاره حول الإسلام كدين للوسطية وعدم جدوى الحلول المستوردة وحتمية الحل الإسلامي وهو بذلك يمثل تواصلا للخط الدعوي للسيد قطب حتى أن راشد الغنوشي وصفه بالمنظر الاستراتيجي للصحوة الإسلامية.
بدأت شعبية القرضاوي من خلال كتاب "الحلال والحرام في الإسلام" وهو واحد من أكثر الكتب الإسلامية المعاصرة تأثيرا، كتب أساسا للمسلمين غير العرب لذلك ترجم إلى كل لغات العالم وصار مرجعا للمسلمين في العالم الغربي وفي تركيا وباكستان، يبدو الكتاب مقتصرا على المعلومة والحجة الدينية غير أنه ضمنه العديد من المواقف السياسية أهمها قوله "إن جماهيرنا المسلمة لا تزال بخير، وإنما الفساد والانحراف في القيادات العميلة المفروضة عليها". بخصوص أعماله المكتوبة يعتبر من أكثر الأزهريين انفتاحا على المفكرين الإسلاميين من خارج الأزهر فكثيرا ما نرى في قائمة مراجع أعماله كتاب التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور أو كتب أبو الحسن الندوي.

طوّع القرضاوي الإفتاء للدعوة فهو يتعامل بمرونة مع الحاضر وهو أبعد ما يكون عن الفتاوى المتحجرة أو المتطرفة ويفسر ذلك جزءا كبيرا من شعبيته فهو يقدم الإسلام الذي تبحث عنه الأغلبية في العالم العربي فيما يعرف اليوم بفقه التيسير. يعتبر من أكثر المتمكنين من أدوات الاجتهاد، وتحول منهج الوسطية الذي يدعو إليه إلى أهم مدرسة في الإفتاء اليوم طبعا لا يخفى فضل الإمكانيات المتوفرة لديه التي أشرنا لها سابقا. ما يحسب له هو محاولته لترسيخ التسامح الديني بين الإسلام والأديان الأخرى وبين السنة والشيعة ومختلف المذاهب فمثلا وقف ضد تفجير أصنام بوذا الموجودة في أفغانستان وأفتى بعدم جواز تكفير الخوارج، غير أن استسهاله للفتوى كثيرا ما يجلب له انتقادات خاصة من علماء السعودية والعراق. يريد القرضاوي أن لا يقع في تقليد السلف ولا الانسياق وراء نمط الحياة الذي يفرضه الغرب على الشعوب المسلمة وهو يقف ضد تيارين: أولا ضد المذاهب المتشددة ثم ضد العلمانية وهو -كما تقول الباحثة المغربية خديجة مفيد- النقيض الموضوعي للعلمانية سواء على مستوى التنظير أو الممارسة، وكثيرا ما يجادل زعماء الغلو الديني ليحد من انتشارهم لذلك فالبعض يعتبر أنه حتى إذا كان مهيمنا سلطويا فان هيمنته شر لا بد منه. من الناحية المذهبية يحاول أن يزاوج بين المذاهب الشرعية وكثيرا ما يخالفها لإحلال الفتوى التي تتماشى مع الواقع رغم تقاربه مع المذهب الشافعي وتأثره بمدرسة ابن القيم في الفقه.  يتمتع القرضاوي بأريحية  كبيرة في الاجتهاد -ولذلك نحن نتحدث عليه كسلطة- غير أنه يمكن ملاحظة وجود تذبذب في فتاواه إذ مرة هو مع ما تنتظره الشعوب العربية منه تجاه قضاياها ومرة ضدها فبينما دعم العمليات الاستشهادية في فلسطين خلال الانتفاضة أثارت فتوى جواز مشاركة المسلمين في الحرب على الإرهاب ردودا عنيفة ضده إلا أنه برر موقفه بأنه لو فعل العكس فانه يعرض المسلمين في أمريكا والغرب لما حصل للمسلمين في البوسنة مع الصرب. يقول القرضاوي" المنهج الذي أؤمن به يقوم على التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة، مع الثبات في الغايات والتطور في الوسائل .. الإتباع في الدين والابتداع في الدنيا".
القرضاوي حين يفتي أو يلقي محاضرة تتجسد فيه صفات السلطة جميعها، وهو الوحيد بين علماء السنة الذي يتمتع بسلطة شبيهة بالمرجعيات الشيعية. وهو يعمل على خمسة مستويات: الدعوة للإسلام وتتداخل مع الحضور الإعلامي المكثف في أكثر الوسائل انتشارا وخاصة الفضائيات سواء الجزيرة ببرنامج "الشريعة والحياة" حيث أنه ضيف قار بينما يتغير المقدمون بصفة دورية وكذلك عمله لمدة طويلة في برامج الفتوى على المباشر في التلفزيون القطري ثم لا ننسى إشرافه على موقع إسلام اونلاين وهو أهم موقع إسلامي على الانترنيت، يبقى كذلك عمله الأصلي بين التدريس والمناصب الأكاديمية داعما لوزنه المعرفي إذ يساهم في تكوين علماء الدين، دون أن ننسى اهتمامه بالعمل المؤسساتي عبر وتأسيس المنظمات والجمعيات وتنظيم المؤتمرات ونشر الدوريات وأخيرا الأعمال الخيرية. كانت السياسة طوال مسيرته مجرد خلفية لآرائه الدينية إلا أنه مع الربيع العربي أصبح وجها سياسيا بارزا فهو حاضر في اللحظات الحاسمة وفي المعارك الإيديولوجية في تونس ومصر بالخصوص. إذ أمّ القرضاوي صلاة الجمعة في ميدان التحرير ويبقى أقوى تدخل سياسي له فتواه بحمل السلاح في وجه القذافي. يصرّح "إن الإسلام لا يكون إلا سياسيا فإذا جردته من السياسة أصبح دينا آخر" وهو يتهم المنطق العلماني بالتهافت، بخصوص تونس يرى أن النظام العلماني جنا على الشعب كما حصل في تركيا وهو ينطلق من قناعة أن الشعب التونسي متدين أساسا أسقطت عليه السياسات النمط العلماني. اليوم يمثل القرضاوي الرافد الرئيسي الذي تستمد منه حركات الإسلام السياسية حججها لذلك فان زيارته إلى تونس لا تخلو من مساندة ودعم لحركة النهضة وهي في موقف غير مريح كما يمكن أن تقرأ كتدعيم لمواقعه في العالم بافتتاح مقر  جديد لاتحاد العلماء المسلمين في تونس لما ترمز له حاليا.

سيبقى القرضاوي نقطة اختلاف بين من يراه في خدمة إسلام متطرف بأساليب مرنة وبين من يراه على العكس داعما للمشاريع الغربية في الشرق الأوسط فيما يعتبر نفسه أنه ليس من هذا ولا من ذلك فهو رمز الوسطية في العالم الإسلامي. القرضاوي ظاهرة إشكالية ملتبسة لا يمكن الخروج منها برؤية واضحة نظرا للعناصر التي تكونها، فلا تلتقي سلطات الدين والسياسة والإعلام إلا لتخلق ظاهرة بهذا الحجم والغموض.  

النقابة واستثمار الرصيد النضالي


            (الجزء الأول: التاريخ البعيد للعمل النقابي في تونس)

من بين جميع المؤسسات والمنظمات في تونس لا يختلف اثنان على أن الاتحاد العام التونسي للشغل هو الأكثر فعالية وحضورا في الحياة السياسية والوحيد بينها الذي لا يمكن إسقاطه من القرارات المصيرية للبلاد. فمن أين يستمد الاتحاد العام التونسي للشغل هذا الوزن الذي لديه الآن؟ ولماذا تراهن عليه دون غيره من المؤسسات أغلب القوى السياسية سواء في محاولة إخضاعه أو العمل من بوابته؟ ثم كيف أخذ تلك الهالة من القداسة التي يضفيها البعض عليه، خاصة فيما يخص علاقته بالسلطة ؟ ومن أين له القدرة أن يتحول إلى سلطة موازية ؟  لكي نستطيع تطوير إجابة عن هذه التساؤلات علينا أن نفهم ظاهرة العمل النقابي في بلادنا. سنعالج في هذه المقالة الإطار العام للنضال النقابي ثم العوامل التي جعلت الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة نقابية لها شرعية المشاركة في صنع القرار في تونس. 

بدأ العمل النقابي في العالم مع الثورة الصناعية حين خلقت كتلا اجتماعية جديدة على أساس المهنة وأفرزت بمرور الزمن طبقة عمالية عريضة اقتضاها تطور وسائل الإنتاج. لقد أحست مجموعة أفراد من نفس المهنة بالمصير والمصالح المشتركة وتحت ضغط الاستغلال وعدم تكافؤ توزيع الثروة بدأت فكرة النقابة بالبروز كضرورة بلورتها الظروف من اجل إيجاد مراكز وسيطة بين الفرد والدولة إذن هي تطور معقول في علاقات الإنتاج. منذ البداية بدا واضحا أنه لا يمكن فصل تحقيق نتائج على المستوى الاجتماعي عن التغيير على المستوى السياسي لذلك سوف تتداخل النشاطات النقابية بالسياسة إلا أن النقابات ستكون دائما مسرح صراع بين شقين أولهما يدعو إلى ضرورة فصل العمل النقابي عن السياسي فيما يدعو الشق الثاني لحتمية الجمع بينهما وكلا الموقفين لا يخلو من خدمة أطراف خارج إطار العمل النقابي. ولقد تزامن تأسيس النقابات المهنية مع صعود تيارات فكرية في أوروبا القرن التاسع عشر أهمها القومية والفوضوية والماركسية ستجد جميعها في العمل النقابي ميادين عمل لها داخل خارطة التغيير الاجتماعي وفرصة لإيصال أصواتها للشعب والسلطة. فمثلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبعد أن تنظمت الايدولوجيا الماركسية في أحزاب بدأ يحصل الالتباس بين العمل النقابي والدعاية الإيديولوجية نظرا لتقارب المطالب ووجود الرأسمالية كخصم مشترك ، سيترسخ هذا الالتباس أكثر بعد انتصار الثورة في روسيا خلال القرن العشرين عندما تحولت النقابات إلى أجهزة دعاية داخل منظومة الحكم الاشتراكي. وباقترابها من السياسة والطامعين في مواقع النفوذ تطورت وسائل الضغط في يد النقابيين حتى أصبحت النقابة في عالمنا المعاصر واحدة من أهم القوى المجتمعية اللازمة لتحقيق التوازن بين قطبي السلطة: الحاكم والشعب.
كثيرا ما يتم تناول موضوع العمل النقابي بكثير من الحيطة والحذر إذ يعتبر الكثير من المؤرخين أنه لم يكن أبدا أمرا عفويا، فالنقابات إنما هي أدوات في يد قوى اجتماعية معينة بمصالح غير معلنة تبحث على غطاء من الشرعية لزعزعة سلطة الدولة أو تقاسم السلطة معها ولقد وجدت في النضال ضالتها، غالبا ما تتهم بذلك منظمات مثل الماسونية والمافيا أو عرقيات مثل اليهود أو إيديولوجيات مثل الفوضوية أو ظواهر كالاستعمار بحثا عن تطبيق مبدأ "فرق تسد" وهي وسيلة للتدخل الأجنبي غير المباشر في شؤون وطن ما. تبنى هذه النظريات المفكرون الألمان وجاء هتلر ليجسدها على أرض الواقع حين حل كل النقابات في ألمانيا الثلاثينات معتبرا أنها تساهم في تشتيت السلطة مما يترتب عنه تدهور نسق الإنتاجية في بلاد تحتاج لتركيز كل جهودها للبناء والتنمية. اعتبر فيما بعد أن سهولة ضرب العمل النقابي في ألمانيا يثبت أن النقابة لا يمكن أن تكون منحصرة بالحدود الوطنية لذلك تقرر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تأسيس الاتحاد النقابي العالمي الذي سوف يكون دعامة لكل نقابة قطرية وترسيخا لموقع النقابة في العالم كمؤسسة لا يمكن الاستغناء عنها في أي بلد. عموما سيتلوّن مفهوم النقابة حسب الظروف التاريخية فدورها يتراوح بين  الدفاع عن حقوق العمال وتحقيق مطالبهم والوساطة بين الطبقة الشغيلة والدولة أو أصحاب وسائل الإنتاج وكذلك قد يكون دورها تأطيريا أو تحسيسيا من خلال تمرير خطط التنمية ومشاريع الدولة الاقتصادية علاوة على الدور الاجتماعي والثقافي فيما تخترق في أحيان كثيرة لتصبح أداة من أدوات السلطة.
نشأت الطبقة العمالية في تونس بفعل الاستعمار (قدر في مطلع القرن العشرين 2620 عامل فرنسي – 2000 مالطي – 18631 ايطالي و62163 عامل تونس) وبدأت تتزايد شيئا فشيئا حين لم يجد الحرفيون التونسيون سبلا لمنافسة البضائع الفرنسية فاضطروا لأن يصبحوا عمالا في المشاريع الفرنسية. في أول أعوام الحماية كان العمل النقابي ممنوعا إلا أن فرنسا لأغراض استعمارية أهمها تشجيع الهجرة إلى تونس كونت عام 1894 اتحاد العمال الفرنسي برئاسة فكتور دي كانيار وكذلك فعل الايطاليون فكانت النقابات عبارة عن تكتلات عمالية وقومية في الوقت نفسه. 
أول إضراب في البلاد كان في 8 ديسمبر 1900 قام به عمال السكك الحديد للمطالبة بالزيادة في الأجور وكان أهم تحرك عمالي في 1904 احتفالا بعيد الشغل لأول مرة وتم القيام بمظاهرات في اليوم الموالي وبدأ العمل النقابي يظهر بقطع النظر عن الجنسية. واجهت فرنسا ذلك بالعودة لقانون 1884 بعدم الاعتراف بالحق النقابي إلا أن في أواخر 1909 ستعود الإضرابات وبدأت أولى المؤشرات للعمال لتحقيق مطالبهم، كانت في خلفية المشهد هو بداية تسرب الفكر الاشتراكي لتونس وبوادر الحركة الوطنية بإنشاء "حركة الشباب التونسي" وكذلك أحداث الجلاز في نوفمبر 1911 التي دعمت النزعة الوطنية لدى عامة الشعب. في 9 فيفري 1912 داست عربة ترامواي يقودها ايطالي طفلا تونسيا وتزامنت مع احتلال ايطاليا لليبيا فقرر التونسيون مقاطعة ركوب الترامواي (قرار من علي باش حانبة) وكانت هذه الحادثة فرصة لتقارب النخب السياسية والعمال إلا أن دور النقابة كان متذبذبا فلم يتحقق الكثير للتونسيين. بعد ذلك هدأت الحركة النقابية بسبب الحرب العالمية الأولى التي خرجت منها فرنسا منهوكة اقتصاديا وبشريا فكثفت من استغلالها للمستعمرات لإعادة بناء اقتصادها مما جعل الطبقة العمالية تتوسع أكثر فأكثر. في الأثناء بدأت الأحزاب في التكون إذ تأسس الحزب الدستوري ثم الحزب الشيوعي التونسي 1920 الذي سيمثل رافدا مهما للحراك العمالي. من 1919 إلى 1921 تعددت النقابات وأصبح الإضرابات التعبير الرئيسي عن المطالب. إلا أن تشتت العمال بين النقابات أبقى النتائج محدودة لذلك تجمعت كل النقابات في الكنفدرالية العامة للشغل سي جي تي التابعة للنقابة المركزية في فرنسا وساهمت هذه الخطوة في تكوّن العديد من التونسيين نقابيا غير أن هؤلاء اكتشفوا بعد مدة أنهم خارج حسابات النقابات الفرنسية وأنها لا تدافع سوى عن مصالح الأجانب. وفي  خضم أهم تحرك نقابي مستقل للعمال التونسيين -إضرابات عمال الرصيف بتونس وبنزرت- الذي أطره محمد علي الحامي واستغل الفرصة للدعوة لبعث منظمة نقابية تونسية في أكتوبر 1924 فكانت جامعة عموم العملة التونسيين وهي أول منظمة نقابية بمبادرة من رجل من العالم الثالث. فلما رأت السلطات الفرنسية التنظيم الذي أصبح يحرك العمال التونسيين قررت أن تتجه نحو الرأس المدبر فاعتقلت محمد علي الحامي في 5 فيفري من السنة الموالية ونفي في نوفمبر وضاع بعده مشروع النقابة رغم محاولات الطاهر الحداد الذي حاول أن يكمل مسيرة الحامي خاصة على مستوى التعبئة والتنظير. شمل التعنت الفرنسي بعد ذبك كل النقابات ففي أزمة 1929 التي تسببت في التضخم المالي وارتفاع الأسعار وعدم وجود تكور موازي للأجور ونظرا لأن نسق الاحتجاجات سوف يتسارع عادت لسحب الشرعية من العمل النقابي لينتكس العمل النقابي لمدة.
في نوفمبر 1932 صدر مرسوم الاعتراف بالحق النقابي وكانت النقابات وقتها فرنسية سي جي تي والكنفدرالية العامة للعمل الموحد. وفي نفس العام وصلت الجبهة الشعبية للحكم في فرنسا ذات الانتماءات اليسارية مما زاد من مساحة التحرك النقابي. تنظم إضراب عام (2 مارس 1937) بمناجم الفسفاط تحت رعاية سي جي تي الا أنها جعلت المطالب اجتماعية بحتة في حين أنها كانت في إطار السخط على الاستعمار، ولأنها لم تعط  المسألة الوطنية حجمها وهي في أوجها قرر العمال التونسيون إحياء جامعة عموم العملة التونسيين في 27 أفريل 1937 وانتخب بلقاسم القناوي كاتبا عاما للجامعة وظهر تنافس مع سي جي تي لاستقطاب العمال. إلا أن نقطة الضعف كانت عدم التنسيق بين النقابة والقوى السياسية وخاصة الحزب الدستوري الجديد الذي استقطب أغلب الفاعلين في القضية الوطنية، لقد كان بلقاسم القناوي ضد إقحام النقابة في التجاذب السياسي . لذلك سعى الحزب لتغيير القيادة لتصبح النقابة مسايرة لخطه السياسي، ففي مؤتمر جانفي 1938 انتخب الهادي نويرة المقرب من الحزب الدستوري الجديد أمينا عاما للجامعة فيما رفع بلقاسم القناوي الأمر إلى القضاء معتبرا أن ما تم غير شرعي فانتهزت فرنسا الخلافات لتقضي على المنظمة النقابية من جديد. وهكذا أجهز على ثاني تجربة نقابية تونسية وظلت سي جي تي وحدها تعمل في الساحة النقابية إلى أن جاءت حكومة فيشي عام 1940 فحلتها. سيكون الدرس الذي سيتعلمه التونسيون انه لا يمكن الفصل بصفة قطعية بين النضال الاجتماعي والنضال السياسي وتحول هذا الموقف إلى منهج لدى النقابيين التونسيين لا يتم الحياد عنه إلا نادرا.
على مستوى آخر، كان الحزب الشيوعي التونسي من أول الداعين للاستقلال في العشرينات إلا أن ظروف الحرب العالمية الثانية ووقوع تونس في بؤرة الصدامات جعلت أولوياته محاربة النازية وقوات المحور وارتبط مباشرة بالأحزاب اليسارية الفرنسة بشدة مما سهل احتواءه من قبل قوات الاستعمار. عادت سي جي تي عام 1943 عند خروج قوات المحور، ودخل تونسيون – ومنهم فرحات حشاد – في انتخابات سي جي تي الا أنهم خسروا وظهر تفوق الفرنسيين أو المنتمين للحزب الشيوعي الذي أصبح يدعو للتقارب التونسي الفرنسي وأن مصلحة العامل التونسي مع العامل في أي مكان أكثر من التونسي الغير عامل، ستكون هذه الأفكار أخطر ما سيهدد القضية الوطنية وقتها.
بدخول فرحات حشاد المشهد الوطني ستنقلب كل المعطيات نظرا لروح المبادرة التي يتحلى بها ووضوح الرؤية لديه وخاصة لتمكنه من أدوات التغيير. بدأ فرحات حشاد العمل في صفاقس بإنشاء اتحاد النقابات المستقلة في 2 نوفمبر 1944 وبدأ التوسع أولا نحو الجنوب ومنه قام بتأسيس "اتحاد النقابات المستقلة بالشمال" في تونس العاصمة في ماي 1945 وبعد أن جمع حوله كتلة عمالية كبيرة قرر إنشاء الاتحاد العام التونسي للشغل في 20 جانفي 1946 وانتخب كاتبا عاما له. مع بروز الاتحاد النقابي الجديد بدأ سي جي تي يفتقد إشعاعه وأنصاره حتى اضطر للانسلاخ من النقابة المركزية في فرنسا في أكتوبر 1946 فأصبح يدعى الاتحاد النقابي لعملة القطر التونسي وكان العداء قائما في البداية بين المنظمتين النقابيتين إلا أن فرحات حشاد كان مصرا على الوحدة النقابية وتنسيق التحركات لئلا تضيع المطالب الاجتماعية والتي تمثل خطوة ضرورية نحو مطالب الشعب الوطنية. علاوة على الوفاق النقابي كان الاتحاد مقربا من الفئات والمنظمات الوطنية كالتجار والحرفيين والفلاحين وأعضاء الحزب الدستوري الجديد والزيتونيين إذ ترأس الفاضل بن عاشور المؤتمر التاسيسي للاتحاد العام التونسي للشغل غير أن النقابيين  كانوا حاسمين في القطيعة مع الحزب الدستوري القديم نظرا لخذلانه تجربة محمد علي الحامي وكان هذا الاختيار هو الذي رجّح نهائيا كفة الحزب الجديد على المستوى الشعبي وسوف يبقى زعماء الحزب يتذكرون هذا الجميل علاوة على دور الاتحاد الحاسم في الفتنة اليوسفية بعد ذلك حين جاء الحبيب عاشور في صف بورقيبة. بعد تنظيم الشأن الداخلي أصبحت تحالفات الاتحاد ذات صبغة عالمية في محاولة جريئة لتجاوز الإطار الفرنسي. بدأت الآلة الاستعمارية تتوجس خيفة من تنامي نفوذ المنظمة النقابية فعرف الاتحاد مضايقة الاستعمار المستمرة حين استعمل العنف المفرط لقمع الإضرابات والمظاهرات وكان أهمها أحداث 5 أوت 1947 بصفاقس وأحداث النفيضة 1950.

في الخمسينات أصبح للاتحاد برنامج اقتصادي واجتماعي وأحيانا سياسي متكامل للخروج بالبلاد من مأزقها وأصبح له الدور الرئيسي في الحركة الوطنية نظرا لاعتقال أو نفي أغلب الزعامات السياسية وللموقع الذي احتله فرحات حشاد في ضمير الشعب متجاوزا دوره النقابي. ساهم الاتحاد في تنظيم الاحتجاجات وترتيب الساحة السايسية وحتى في الكفاح المسلح وكان دوره رئيسيا في التعريف بالقضية التونسية في المنظمات العالمية. لم يعد أمام الاستعمار إلا لعب ورقة التصفية الجسدية وإلا ستفلت القاعدة الشعبية من يدها فتم اغتيال فرحات حشاد في ديسمبر 1952. ستتأثر النقابة وكذلك الحركة الوطنية  وتتقلص فاعليتهما طوال عامين إلا أن جيلا من النقابيين تكوّن على يدي فرحات حشاد سيظهر بعدها ليكمل المسيرة ونظرا للحجم الجديد للاتحاد بعد استشهاد حشاد سيستثمر الجيل الموالي ذلك على المستويين الاجتماعي والسياسي  فيما يشبه استثمار التركة في غياب صانع الانجاز الحقيقي. ستكون سنوات حشاد بالأساس هي الرصيد النضالي الذي سيمكّن الاتحاد العام التونسي للشغل من موقع مهم جدا في تاريخ تونس المستقلة وتماما مثل الحزب الدستوري فان حجم المساهمة في تحقيق الاستقلال سيحدد نصيبه من المكتسبات والمواقع في دولة ما بعد 1956. 
نعيش اليوم على وقع جدال حول دور النقابة في تونس، هل تعمل للمصلحة العامة أم لمصالح ضيقة؟ لقد رأينا كيف أن العمل النقابي حين بعث في تونس كان لأغراض استعمارية وساهم في تشتيت العمل الوطني ورأينا كذلك كيف طوّعه فرحات حشاد للقضية الوطنية فأصبح أنجع وسائلها. نستنتج من ذلك أن النقابة قوة في خدمة من يوظفها وإنما هي وسيلة لا تنطبق عليها المعايير الأخلاقية من خير وشر ولا المعايير الاقتصادية من مجدي أو غير مجدي  بل لا يمكن تطبيق هذه المعايير إلا على الأغراض التي يوظف من أجلها العمل النقابي وهنا ينبغي أن يدور الجدال اليوم.

في الجزء الثاني (نواصل عرض تاريخ الاتحاد شريكا ومعارضا للسلطة حتى اليوم – أدوار أحمد بن صالح والحبيب عاشور وأحمد التليلي السياسية والنقابية- دور الاتحاد في هيمنة الحزب الواحد زمن بورقيبة سواء بالمشاركة أو بالرفض – الاتحاد في ظل تجربة التعاضد وحكومة نويرة -  أحداث 1978 -  احتواء السلطة السياسية للاتحاد في التسعينات – دور الاتحاد في الثورة وفي الحراك السياسي بعدها ) 

بورتريهات الدعاة




محمد متولي الشعراوي  (مصري توفي عام 1998 عن 89 عام) يعتبر من أهم الدعاة الإسلاميين على الإطلاق. وصل إلى جميع الشرائح باعتماد أسلوب مبسط وكذلك لاستعماله اللغة العامية وتطرقه لمشاعل المسلمين بشمولية. تتقاطع مسيرته بالسياسة والمناصب الأكاديمية واعتبر التليفزيون وسيلة لنشر الدعوة الإسلامية فأصبح من أكثر الشخصيات شعبية في العالم العربي .

محمد الغزالي (توفي 1996 عن 78 عاما) يعتبر الشيخ الغزالي من أكثر الوجوه الدعوية اعتدالا إذ وقف ضد الغلو في الدين ومع مسايرة العصر. يمكن اعتباره أول العلماء الذين تفرغوا للدعوة على المستوى الإعلامي وذلك منذ الأربعينات.

عبد الحميد كشك (مصري توفي عام 1996 عن 63 عام) كفيف، لا ينطبق عليه تماما وصف الداعية فهو بالأساس خطيب ولكن المد الإسلامي في السبعينات والثمانينات استغل قوة حججه (في إطار الصراع مع الدولة ومع الشيوعية) وخطابته وتأثيره في الناس فتبنت عملية بث أشرطته مختلف الجماعات الإسلامية. اكتسح أسلوبه الحجاجي الفكر الإسلامي في السبعينات والثمانينات واعتبر في زمن حكم السادات سلطة موازية لسلطة الأزهر والدولة. يمكن القول أن العديد من الدعاة هم تلامذة الشيخ كشك خاصة محمد حسان ووجدي غنيم في الجانب الساخر. عبر أشرطة الكاسيت وصل صوته إلى كل مسلمي العالم ثم في مطلع الألفية عادت شعبيته بقوة بعد انتشار تساجيليه على الانترنيت.

يوسف القرضاوي (85 عام) مصري مقيم في قطر، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين انتمى في شبابه لحركة الإخوان المسلمين وتعرض للسجن عدة مرات. منذ الستينات أقام في قطر. يتميز القرضاوي بمعالجته للقضايا المعاصرة ويتمتع بشعبية كبيرة لذلك فآرائه ومواقفه ذات وزن كبير في العالم الإسلامي، وهو كثيرا ما يقف في وجه الفتاوى السلفية المتزمتة مثل تحريم المصافحة وختان البنات. يعتبر زعيم التيار الوسطي بين علماء الإسلام. يؤاخذ الشيخ القرضاوي خصوصا على مواقفه السياسية التي غالبا ما تصب في مصلحة قطر وقد لعب دورا كبيرا في أحداث الربيع حين دخل في معترك الحملات لإسقاط مبارك والقذافي.

محمد حسان (مصري 50 سنة ) يعتبر محمد حسان تواصلا في النهج الخطابي للدعوة لدى الشيخ كشك. عرف خطيبا في صلوات جمعة مليونية ثم عبر التليفزيون أصبح محمد حسان قدوة لفئات كبيرة خاصة عبر منبر قناة الرحمة المصرية وهو يمثل التيار السلفي المصري. يعد نفسه من تلاميذ ابن باز وكشك ومحمد بن صالح العثيمين. الخطوة الجديدة لمحمد حسان هو إنشائه لمدرسة إعداد الدعاة.

وجدي غنيم (مصري 61 عام) انتمى سابقا إلى الإخوان المسلمين والجيش المصري ومتحصل على شهادات علمية في الاقتصاد والفقه. يعد ظاهرة بأتم معنى الكلمة. يتمتع بثقافة دينية موسوعية وهو أحد أبرز حفظة القرآن في العالم ذو أسلوب ساخر تهكمي يوظفه في خطبه المنتقدة لمظاهر الحياة العربية المقتبسة من الغرب. يعتبر أقرب إلى السلفية الوهابية من كل الدعاة المصريين. له تأثير كبير على الشباب الإسلامي المعاصر.  

خالد الجندي (مصري 51 عام) خريج الأزهر. يعتبر داعية الفئات الموسرة، فكرته أن الدعوة موجهة لمن يملكون أدوات تغيير المجتمع. كانت بداياته التلفزية في قنوات أوربيت السعودية المشفرة، أدخل المواضيع الدينية في البرامج ذات الصبغة العامة. أنشأ شركة الهاتف الإسلامي وهي خدمة مدفوعة الثمن للفتاوى. له أيضا قناة أزهري. علاوة على دراسته الدينية خالد الجندي متخصص في علوم الاتصال ويعرف توظيف وسائل الإعلام جيدا. يبقى في إطار الإسلام المعتدل. عرف حملة ضده بعد سقوط مبارك لأنه يعتبر من الشيوخ المقربين للسلطة.  

عمرو خالد ( مصري 44 عام) واحد من الظواهر الرمضانية، هو بالأساس مختص في علوم التجارة غير أن نجاحه الدعوي منحه فرصة دخول عالم التليفزيون فتحول إلى نجم. يستغل في أساليبه العاطفة وهو بكّاء ذو صوت رقيق. يواجه عمرو خالد حملة من زملائه الدعاة على رأسهم محمد حسان ووجدي غنيم تعود بالأساس بما يعتبرونه أخطاء تاريخية أو تفسيرية نظرا لاعتماده التبسيط واللعب على العاطفة الدينية. كما ينتقد لأنه حقق ثورة ضخمة من الدعوة.

عائض القرني ( سعودي 51 عام) أشهر وجوه الوهابية السعودية وله مواقف تحديثية داخل المنظومة الوهابية. ولكنه كثيرا ما يهاجم المثقفين تحت تهمة البدعة. نجح كتابه "لا تحزن " ودخل قائمة الكتب الأكثر مبيعا في العالم. ولكن شعبيته لا تضاهي الدعاة المصريين رغم حضوره المكثف في القنوات الفضائية. 

سلمان العودة (سعودي 56 عام) وهو واحد مما عرف بمشايخ الصحوة في التسعينات. عرف صعودا جماهيريا مقترنا مع قناة ام بي سي. معروف بغزارة مؤلفاته إذ ينشر بنسبة كتاب ونصف في السنة في مختلف تفاصيل حياة المسلم اليومية. يعتبر الشيخ ابن باز قدوته.

نبيل العوضي (كويتي 42 عام) واحد من أكثر الوجوه الدعوية اعتدالا ووقوفا ضد السلفية والتكفيريين. يعتمد على صوت عذب وتلاوات خاشعة يضمنها محاضراته وبرامجه. يتحاشى الجدال ويعتمد بكثرة على التاريخ الإسلامي في عمله الدعوي.

محمد العريفي ( سعودي 44 عام) واحد من الموجة الجديدة للدعاة. يعتمد على سلاسة التعبير وحسن المظهر. معروف عنه مناظراته للشيعة. عرف كذلك بنشره للمطويات التي تحولت إلى ظاهرة في جميع المدن الإسلامية. استغل الانترنيت ليحقق شعبية كبيرة في العالم العربي طبعا مع كثافة حضوره التلفزيوني.

الحبيب علي الجفري ( يمني 41 عام) نظرا لانتقاله بين اليمن والسعودية ومصر فقد راكم تجربة دعوية ثرية . له أسلوب مبسط. عرف نجاحا جماهيريا كبيرا لتزعمه موجة الدفاع عن المقدسات الإسلامية. حقق نمطا مختلفا في الدعوة خاصة أنه حاول أن يعود بالدعوة إلى أصولها أي توجيهها لغير المسلمين. وهو ضد الفكر الاقصائي وذو ميول صوفية.

أحمد الكبيسي (عراقي 69 سنة)أصيل الفلوجة . يعتبر الكبيسي الوجه السني الأبرز في العراق رغم انه مقيم في  الإمارات. صعد نجمه في سنوات الألفين ليدلي بآرائه في الملف العراقي وخاصة في الفتن التي ظهرت بين الشيعة والسنة وهو معروف باعتداله ثم أصبح متخصصا في الشأن الدعوي عبر الفضائيات الإماراتية.

مصطفى حسني ومعز مسعود (مصريان ) الجيل الثالث من الدعاة. في العشرينات من العمر يركزون على المواضيع السلوكية للشباب مع ملائمتها للعبادات والتقوى. قليلو التطرق للشأن العام وهم أقرب لأسلوب عمرو خالد. يعتمدون على الايتيكات واللوك الغربي ولا ينتمون إلى مذاهب بصفة صريحة.  

محمد مشفر وعبد الفتاح  مورو    بالنسبة للتونسيين كان غياب البديل الدعوي التونسي داعما لموجة متابعة الدعاة المصريين والخليجيين. إلا أنه بعد إنشاء إذاعة الزيتونة إسلامية بدأ ظهور الدعاة التونسيين. كان الوجه الأبرز من الناحية الكمية محمد مشفر في نسخة دعوية متونسة تهريجية وبعد الثورة صعد عبد الفتاح مورو بنسخة دعوية بكائية.  

ظاهرة الدعاة .. تحالفات الميديا والمذاهب والثروة


تحولت تونس منذ فترة إلى مركز حيوي للدعوة الإسلامية، أحيانا يخيّل لنا أن بلادنا ليست ذات أغلبية مسلمة من كثرة تردد الدعاة عليها. الأسباب معروفة من تعطش بعد سنوات الحصار على مختلف مظاهر التدين وعجز رجال الدين في تونس على استيعاب المد الديني ثم لوجود انفصال بين المؤسسات والشباب الباحث عن انتماءات، لكل ذلك علينا أن نقف وقفة تمعن ونحاول أن نفهم بكل جدية هذه الظاهرة، خاصة لوجود ذلك الارتباط السري أحيانا والعلني أحيانا أخرى بين السياسة (بمستوييها الداخلي والخارجي) والحركات الدعوية. سنتناول أساسا ما يقدم من خطاب دعوي عبر وسائل الإعلام.
معروف أن مفهوم الدعوة حاضر منذ ظهور الإسلام غير أنها طوال 14 قرن لم تتغير في أشكالها وأنماطها إلا في القرن الأخير مواكبة للتطورات التي حدثت في وسائل الإعلام مع تغيرات سياسية ومجتمعية رافقتها. الظاهرة التي اعتبرت صحية في الثمانينات كعودة لصحوة الضمير الديني وكرد فعل طبيعي تجاه الغزو الثقافي الغربي، تضخمت بعد عشرين عام بشكل انفجاري وخرجت عن السيطرة، فيما تحول الدعاة إلى جزء من واقعنا العربي الحديث متجاوزين تأثير المثقفين والفنانين وأحيانا السياسيين. 

ظاهرة الدعاة اليوم مرتبطة بصفة عضوية بوسائل الإعلام الجماهيرية. فهناك توازي بين الدعوة والميديا. فالخمسينات والستينات كانت الكتب والمنشورات هي حملة الأعمال الدعوية خاصة للسيد قطب ومحمد قطب وخالد محمد خالد. خلال السبعينات والثمانينات أصبح تسجيل الخطب والدروس في أشرطة الكاسيت هو الوسيلة الأبرز للدعوة وبرز بالخصوص الشيخ عبد الحميد كشك كظاهرة خطابية استثنائية في كل العالم الإسلامي. في الثمانيات أصبح التلفزيون أكثر وسائل الإعلام شعبية وصار سند الدعوة الأول وانطلق بث الدروس من المساجد وبدأت البرامج والمسلسلات الدينية فكانت ظاهرة الشيخ الشعراوي ومصطفى محمود. في التسعينات ظهرت الفضائيات ودخل السعوديون بقوة ونظرا لتوفر الإمكانيات المالية والتقنية والبشرية استغلوا الفرصة ليبثوا مذهبهم من خلال وجوه دعوية كعائض القرني وسلمان العودة علاوة على شعبية القارئ عبد الرحمان السديس وبث خطب الجمعة من البقاع المقدسة. خلال العشرية الأولى من الألفية تدعم أكثر موقع القنوات الفضائية  وتكاثرت بسرعة ودخل المصريون والقطريون في منافسة وأحيانا في تحالفات مع السعوديين فبرزت ظاهرة الدعاة الجدد ومعهم بدأنا نتحدث عن نجوم بالمعنى السينمائي (الشعبية الكبيرة – الثروة ..) ودخل عنصر آخر مهم وهو الانترنيت ليصبح الدعاة من أكثر المؤثرين في الشعوب كما سمحت هذه الوسيلة بإعادة نشر التراث الدعوي للشعرواي وعبد الحميد كشك فتكونت أجيال جديدة من الدعاة بأعداد كبيرة يواكبهم جمهور يتزايد أكثر فأكثر.

ترتبط الظاهرة التي نحن بصددها بالعولمة وبالواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي أفرزته في الوطن العربي فالعمل الدعوي يعتمد على وسائل العولمة بالأساس من وسائل إعلام وتقنيات انتشار وغزو الأسواق والتعويل المكثف على ثقافة الصورة. من جهة أخرى يمكن أن نرى الدعوة من زاوية رد الفعل تجاه العولمة (خوف الذوبان فيها وهذا حال السلفية) أو التأقلم مع الأمر الواقع ونشأ تبعا لذلك تنافس بين المذاهب لتتضخم المسألة الدينية إلى درجة غير قابلة للحصر. كما ترتبط ظاهرة الدعاة بالسوق إذ أن الدعوة بمثابة منتوج يتم تسويقه كأي منتوج وهو صناعة بأتم معنى الكلمة. نحن نتحدث عن سوق وأسعار،عن عرض وطلب،عن تجار وزبائن ومنافسة واستقطاب ومواسم يسميه البعض في مصر بـالبزنس الديني . انظر إلى عدد الأقراص المخصصة للدعاة وأشرطة الكاسيت والمواقع الالكترونية والقنوات التلفزية والخدمات المرتبطة بالفتاوى وشؤون الحياة اليومية وحتى الألعاب والمسابقات. كما أن ما يقدم في البرامج الدعوية هو ما يرون أن الناس يطلبونه تطبيقا لمبدأ الحاجة وهذا منطق اقتصادي بحت. الناس في حاجة إلى التخفيف عنهم نظرا للواقع الاجتماعي المتردي ومحنة الإسلام في العالم في العشريات الأخيرة ( حرب الخليج – الانتفاضة – الإسلام المضطهد في الشيشان و البوسنة – 11 سبتمبر وربط الإسلام بالإرهاب ..) كذلك فالناس في حاجة لتدين لا يعقد لهم حياتهم في بعض الأوساط أو هم في حاجة إلى تدين يتقوقعون داخله في أوساط أخرى. أحيانا توظف الوجوه الدعوية للربح التجاري أو لمصالح اقتصادية مثلما كان يظهر عمرو خالد في ما بين الشوطين ليفتي بحرمة الفرجة بوسائل القرصنة "باتش" في مباريات كرة القدم التي تحتكرها قناة أي ار تي وقتها فيما يشبه تحالف علني بين الدعوة والامبريالية.
من ناحية المحتوى ألا نرى أن هذه البرامج قد أصبحت نوعا من المادة التنفيسية والترفيهية في حالات عديدة، هي تستعمل العبارات السهلة وتركز على العاطفة وتتحاشى إجهاد المتفرج عقليا وهي تعتمد ككل المنتوجات الإعلامية على ساعات الذروة والإشهارات إذ مثلها مثل المسلسلات وبرامج التسلية تتكاثر بمناسبة شهر رمضان وعادة ما تكون في نفس القنوات التي تبث هذه النوعيات المختلفة وتحت يافطة "حصري" وهذا واضح على القنوات المصرية والإماراتية مثل دريم وقنوات دبي. هناك ظاهرة أخرى بخصوص المحتوى وهي اقتباس النمط البروتستانتي في الدعوة ( المذهب الرسمي الأمريكي) باتخاذ المحاضرات في القاعات وبثها في التلفزيون وتفاعل الدعاة مع الجمهور وهم من المدعوين ولا يغيب عنا هنا التقارب الأمريكي الخليجي أو الأمريكي المصري واعتماد المنشئات الإعلامية الكبرى على كفاءات أمريكية. في السنوات الأخيرة حصل تقارب مع ظاهرة التنمية البشرية خصوصا مع الكويتي طارق سويدان الذي مزج المضامين الدينية والعلمية واتخذ الشخصيات الإسلامية رموزا قيادية فوجد سبيلا لإضفاء مضمون عقلي مفيد اجتماعيا ومع عمرو خالد أصبحت الدعوة مؤسسات ومشاريع (صناع الحياة) بأهداف بعيدة المدى. غير أن خطاب الدعاة غالبا ما يكون متهما بالتحريض وأحيانا بالتخدير وأحيانا أخرى بالازدواجية بين الإصلاح وتمرير المواقف الإيديولوجية فيما يرى فيها البعض تعويضا لظاهرة الأولياء الصالحين فمثلما يتم البحث في السياسة عن أب (بورقيبة وعبد الناصر ..) يبحث في الدين عن ولي صالح وفي كل ذلك تعبير عن حالة إحباط شعبي في العالم العربي تساهم الظاهرة الدعوية في تنفيسه ولكنها لا تتقدم لعلاجه. غير أن من فوائد الدعاة التي لا تنكر أنهم قربوا المعلومة الدينية وجعلوها شعبية وفي وقت من الأوقات صالحوا مجتمعات مع عنصر مهم من هويتها ولكن يحدث أن تختلط النوايا الحسنة بإرادة السيطرة وفرض الرأي.
 من الناحية الطبقية أصبح هناك دعاة موجهون للشرائح الاجتماعية المرفهة وهي دائما ما تكون في حاجة إلى إسلام لا يحرمها من متع الحياة المتوفرة لديهم وفي المقابل هناك دعاة موجهون لتفريغ أو تأطير بؤس الفئات المهمشة. بينما يوجه للطبقات الوسطى إسلام وسطي يمرر عادة في القنوات الإخبارية ذات الشعبية الكبيرة (برنامج الشريعة والحياة ليوسف القرضاوي). هذه التفرقة بارزة بشكل واضح في المجتمع المصري فالدعاة خالد الجندي وعمرو خالد وصفوت الحجازي عرفوا في الصالونات والنوادي ومساجد الأحياء الراقية قبل انتقالهم للفضائيات،ويلاءم نفس هذا الخطاب الخليجيين وهم الممولون وأصحاب القنوات فيما يعرف محمد حسان استحسانا كبيرا لدى الفئات المحدودة الدخل.
سنقف قليلا عند الوضع المصري لسببين أولا لأنها شهدت كامل تاريخ الحركة الدعوية المعاصرة ثانيا لحجم تأثيرها في بقية العالم العربي. ففي مصر هناك تراكم للتجربة فقد تأطّر الإسلام سياسيا في حركة الإخوان المسلمين منذ العشرينات وعرف التصادم المباشر مع السلطة مما أجبره على تطوير وتغيير استراتيجياته، ثم كانت مصر الامتداد الشعبي لتحقق نموذج الدولة الإسلامية في إيران وأصبح للإسلام السياسي فيها حليف دائم. كان من أسباب تنظيم المشروع الدعوي هو التضييق على الإسلاميين سواء قبل أو بعد ثورة 1952 فظهرت مصطلحات جاهلية القرن العشرين والإسلام هو الحل وإصلاح عقائد المسلمين وكانت من نتائج التضييق الجانبية هروب العلماء للخليج وتداخل أدوارهم مع مذاهب الدول المضيفة فيما توغل من بقي في الأوساط الشعبية وأصبح الإسلام تعبيرا يتجاوز دور الدين. طبعا لا يتفق كل الدعاة مع مشاريع الإسلام السياسي فقد واجه محمد متولي الشعراوي تسييس الإسلام وظهر نهج لا يعتمد الإصلاح العمودي واعتمد الموعظة الحسنة بدأ مع محمد الغزالي ويتواصل مع يوسف القرضاوي الذين حاولوا أخذ موقع الوسط بين الانحلال الأخلاقي والتشدد الديني، سيستثمر الدعاة في العشريات الموالية ثقة الناس في هذا الجيل ليجعلوا من الدعوة ما يشبه المؤسسة السلطوية وبعد غلبة الإعلام الخليجي لفوارق الإمكانيات تقارب الدعاة  المصريون من الأشكال الخليجية وعرفت السنوات الأخيرة صعود الإسلام السلفي على مستوى الدعوة ممثلا خاصة بالداعية محمد حسان ليكتسح القنوات التلفزية والشوارع ومبيعات الأشرطة فيما سجل تراجع تأثير علماء الدين المصرين وحتى خالد الجندي وعمرو خالد وتحولا إلى موضة قديمة.

 يمكن فهم الظاهرة أيضا من موقع السياسة السعودية، فبناء الدولة قام على التحالف بين أمراء بني سعود ومحمد بن عبد الوهاب (ميثاق نجد الذي ينص أن يساند محمد عبد الوهاب آل سعود من الناحية الدينية على أن يضمنوا له أن يصبح مذهبه هو الرسمي). المشروع الدعوي كان في صلب الفكر السعودي منذ البداية، فاستعملوا الحج والمراسلات لبث الدعوة إلا أن تأثيرها كان محدودا حتى التسعينات حين وظفت الأموال السعودية في الميدان الإعلامي وهذا شرعي ومنطقي لان السعودية ترى أن الدعوة هي المادة التي يمكن أن تصدرها نظرا لموقعها من الإسلام بحكم احتوائها لأهم المقدسات فحصل تحالف بين الوهابية ووسائل الإعلام إذ أن شبكات ام بي سي وأوربيت واي أر تي وروتانا كلها مملوكة من جهات مقربة من حكام السعودية ورغم أنها غير متخصصة في الدين فان أكبر القنوات وأشهر البرامج الدينية هي تابعة لهذه الشبكات (اقرأ – الرسالة - المجد ..) باختصار لقد وجد المذهب الوهابي القنوات – بالمعنى العام- ليبث ما يريد في الشعوب العربية. يوظف الخطاب الدعوي للأسف لمصالح الدولة ومواجهة خصومها مثل الايدولوجيا القومية (في حرب الخليج) أو الشيعة. ثم لا ننسى تغير السياسة الحكومية السعودية تجاه الدعاة بعد أن وصلها خطر الإرهاب في عمليات الرياض عام 2003 المتزامنة مع الحرب على العراق فأصبح الدور المنوط للدعاة هو تمرير الإسلام المتسامح  ومعروف عند الكثيرين من علماء الوهابية تشددهم مع الشيعة أكثر من الأجانب لكي لا يقع تناقض مع السياسة الخليجية المتحالفة مع الغرب. ففي المنظومة الإعلامية الوهابية نجد أن فكرة التصدي للمد الشيعي هي أحد أهم محاور الدعوة وهنا نتقاطع مع السياسة إذ لا يغيب علينا أثر الصراع السعودي- الإيراني على ما يقدّم. كما تتخلل الصراعات المكشوفة تجاذبات ضمنية مثل الصراع الدبلوماسي السعودي القطري ويصاحبه صراع على المستوى الإعلامي ( الجزيرة – القنوات الاماراتية – العربية .. ) وإرادة الهيمنة السنية بين السعودية ( المقدسات السنية ) ومصر (الوزن العلمي المتمثل في الأزهر).
بالنسبة لتونس، لقد غيّر الغزو الفضائي (الأخبار والدعاة) واقعها الاجتماعي. يمكن أن نتحدث عن انقلاب في الفهم الديني حصل في تونس وفي العديد من العادات الاجتماعية وأصبحت أقرب من ناحية المظاهر إلى الشرق. يمكن رصد التحولات بوضوح على مستوى اللباس فظاهرة الحجاب في سنوات الألفين هي نتيجة الدعوة والفضائيات أكثر منها نتيجة عوامل داخلية أو محاولة العودة للهوية. لكنها حالة تتشابك فيها صحوة الوعي بالتقليد. بعد الثورة ظهر التملص من كل ما هو رسمي وما له علاقة بالعهد السابق فتم الكشف بطرق تضخمية عن دور العلمانية وإرادة التغريب في الثقافة والتعليم والإعلام وأصبح التونسيون يبحثون عن بدائل متعجلة فتلقفتهم المنظومات الدعوية المتمتعة بسبق على مستوى القوة الإعلامية والخبرة ، يدعم كل ذلك هشاشة تكوين الشباب سواء على المستوى الديني أو السياسي. ومن العوامل الضمنية حجم الفراغ الذي تركه التعليم الديني (سواء المدرسي أو إغلاق الزيتونة في الخمسينات) وخواء خطب الجمعة وما يقدم عن الدين في وسائل الإعلام ومنع الدروس والتضييق على الممارسات الدينية والنتيجة أننا صرنا نرى مظاهر ركبت تركيبا إكراهيا يؤسس لغربة التونسي في بلده.

في الختام، إن ظاهرة الدعاة إذا ما تركت لتفعل ما تريد في العقول دون أي بعد نظر نقدي فإنها تؤول بنا لانفصال عن أنفسنا وإلى ما آلت إليه تجارب أوطان أخرى كانت السعودية أبرزها حيث تحول العنف والتكفير وسيلة تعبير بعد انقطاع الأمل في الجدال. الظاهرة صارت جزءا من المرحلة فما علينا إلا أن نتقبلها كأمر واقع نستوعبه ونواجهه ونستفيد منه ولا نقبل أن تتحول إلى أدوات إيديولوجية أو توظيفها في السياسة أو تحويلها إلى عنف وأظن الأمر محسوما حين يقول إمام الدعاة محمد متولي الشعراوي:"أتمنى أن يصل الدين إلى أهل السياسة ولا يصل أهل الدين إلى السياسة".