انتخابات الرئاسة في مصر .. الديمقراطية
كإشكال
جولة أولى في انتخابات الرئاسة المصرية
كانت نتيجتها إظهار تناقض عميق إذ وُضع الشعب المصري اليوم أمام خيارين كلاهما مرّ،
فيما يبدو وكأنه درس مهم وأساسي من دروس الديمقراطية. فلو تركنا جانبا نظرية
المؤامرة وإمكانية التلاعب فنحن أمام إحدى ثغرات الديمقراطية حين تنتج خيارات لا
ترضي تطلعات الشعب والذي لا يمكنه سوى تحمّل المسؤولية ما دام قد اختار هذا السبيل
ولا سبيل للعودة إلى الخلف فالديمقراطية لعبة إذا لم تعرف قواعدها فلا يمكن تحقيق
النجاح فيها وإذا تم فما هو إلا ضربة حظ.
الوضع - المفارقة
لو تتبعنا ما يقال اليوم عن أحمد شفيق
ومحمد مرسي -المرشحين اللذين عبرا نحو الجولة الأخيرة- لاستغربنا من حجم ما يتهم
به كلاهما بحيث لا يقارن مع أي من المنسحبين وكأن الصناديق الانتخابية دخلتها
أصوات شعب آخر إلا أن ما يحصل معقول جدا نظرا لتعدد المترشحين في المرحلة الأولى
وتشظي الأصوات ويبدو أن كل ذلك كان مدروسا منذ البداية لكي يفرز النتيجة الحاصلة
اليوم بطريقة سلسة وقانونية ثم ليكتشف الناس وربما ليصدم ويحبط البعض أنهم بين خيار
العودة إلى الوراء أو المخاطرة غير مأمونة العواقب مع حزب بتوجهات دينية في ظل
واقع مصر من حيث هي بلاد تعتمد على السياحة والصناعة الفنية والأخطر هو كيف سيكون
وضع الأقباط تحت حكومة إسلامية. يصل التصعيد والمزايدات التي تبثها وسائل الإعلام
الجماهيرية إلى حد تصوير الوضع على أنه تخيير بين عودة الفساد ممثلا في أحمد شفيق
أو الذهاب إلى الظلامية مع محمد مرسي ويلاحظ شق آخر أن الثورة أفرزت نفس قطبي
التنافس في الانتخابات البرلمانية تماما كما كان يحصل خلال العشرية الأخيرة في عهد
مبارك بالصراع بين كتلتي الحزب الوطني الحر والإخوان المسلمون مما يجعل درس الديمقراطية
هذا ساخرا ولكنه في كل الحالات سيكون باهض الثمن. ولو عدنا إلى نتائج الجولة
الأولى من الانتخابات لوجدنا أن حاصل الأصوات التي أعطيت لصالح شفيق ومرسي معا أقل
من النصف بقليل أي أننا سنجد خلال المرحلة الثانية أكثر من نصف الناخبين لم يكن لا
شفيق ولا مرسي خيارهم الأول وهذا ما يزيد من وزن اللحظات الأخيرة من الحملة
الانتخابية وأن التصويت لن يتم حسب القناعات ولكن عبر منظومة من المؤثرات.
من ناحية أخرى تشير نتائج الانتخابات إلى
مخرجين محتملين لمستقبل أي ثورة في إطار الربيع العربي، وفي ذلك تعبير عن معادلة
قوى لا مجال للتغافل عنها، فالإسلام
السياسي وخاصة الحركات الاخوانية المنزع أصبحت تراهن بقوة على اللعبة الديمقراطية
لأن التجربة والتوقعات أثبتت أنها سبيل سالك نحو المناصب والمواقع الكبيرة
ولاكتساح الشرعيات للعبور نحو السلطة، من جهة أخرى يعتمد أحمد شفيق على حنكة طبقة سياسية مارست السلطة سابقا في إطار
نظام مبارك وهم العارفون بكواليس اللعبة والمواقع إستراتيجية ما ظهر منها وما بطن
بما أنهم كانوا وحدهم الفاعلين طيلة عقود لا يشاركهم أحد في القرار وفي ممارسة
السياسة.
المشهد العام
عناصر المشهد المصري اليوم متعددة
ومتشابكة، لا يغيب عنا موقع مصر في خارطة الربيع العربي وأهمية هذه المحطة في أي مسار يتم التخطيط له، وعلى أرض الواقع
هناك فاعلان أساسيان: أولا المجلس العسكري الذي لا يحظى بأي حسن ظن لا شعبي ولا
إعلامي وهناك قناعة عامة بأنه السبب الرئيسي في الاحتقان الجماهيري الذي لن يسمح
بالاستقرار، غير أن أهم ما يميّز المرشحين المتبقيين من هذه الزاوية أنهما يعتبران
الأكثر تقاربا من الجيش من بين كل من دخلوا الرهان الانتخابي.
في المقابل يبدو ميدان التحرير كمحرّك حاسم في اللعبة الديمقراطية أو على
الأقل هذا ما تعمل على ترسيخه وسائل الإعلام والمجتمع المدني بينما بدأت القوى
السياسية بعد أن أصبحت تتمتع بغطاء شرعي تضيق ذرعا بتحركات الجماهير في الميدان
ولكنها تعود إليه بما أنها ترى فيه ورقة ضغط سياسية مهمة. وفيما يخص الانتخابات
المقبلة لا يحمل الميدان ومن ورائه الشارع المصري عموما أي ثقة في كلا المرشحين
وهو المشهد الفاضح فيما يخص إشكالية الديمقراطية في مصر إذ وكأنه يظهر تناقضا بين
الثورة والديمقراطية (الميدان والصندوق).
وبين هذين القطبين تتحرك ظواهر أخرى
أهمها توجيهات الأحزاب المنسحبة والمد الإسلامي على المستوى البرلماني وعلى مستوى
الشارع وكذلك يوميات الثورة كمحاكمة حسني مبارك وحركات الاحتجاج الاجتماعي
والأدوار التي يلعبها قادة الرأي العام مثل محمد البرادعي وأيمن نور وعمرو موسى
وفي الخلفية توجد الثنائية الإسلامية القبطية والعوامل الجهوية وطريقة التناول
التهويلية لدى الصحافة المصرية.
المترشحان
بالنسبة لأحمد شفيق (70 عام) وهو الشخصية
المصرية الموازية لموقع محمد الغنوشي من الثورة في تونس بما انه كان رئيس الحكومة
الأخير في عهد مبارك وتواصلت رئاسته لها حتى مارس 2011 ، وقتها نفخ في صورته كرجل
من النظام السابق لكنه يتمتع بنظافة اليد والكفاءة في إدارة الأزمة، قبل ذلك تقلد
العديد من المناصب العسكرية في سلاح الطيران وتقلد حقائب وزارية في عهد مبارك إلى
أن حملته موجة الاحتجاجات في بداية 2011 إلى رئاسة الحكومة خلفا لأحمد نظيف وبعد
استقالة حسني مبارك تركه المجلس العسكري لمواصلة المهمة حتى يوم 3 مارس 2011 حين
قدّم استقالته ليلة مظاهرة مليونية في ميدان التحرير كانت القوى الإسلامية من أبرز
مؤطريها. غاب مدة عن المشهد السياسي حتى
فاجأ الجميع بالترشح للانتخابات الرئاسية الذي رفض بادئ الأمر باعتبار قانون العزل
السياسي ولكنه طعن في القرار وتقدّم للانتخابات وحاز المركز الثاني الذي أهّله
للجولة الحاسمة وكانت إحدى أوراقه عدم دخول مغامرة الانتخابات من بوابة حزب، ولديه
أوراق ثقيلة أخرى يعتمد عليها أهمّها مصالح الأقباط ورجال الأعمال الذين يبحثون عن
شخصيات توافقية وجزء مهم من الطبقة المتوسطة يبحث عن الاستقرار والأمن قبل أي انجاز آخر. إن أهم ما يميّز أحمد شفيق
أنه يتمتع بحسن إدارة الحملة الانتخابية فلم يترك لخصومه سوى باب واحد للتشهير به
وهو أنه من فلول النظام السابق ولكنها نقطة ضعف أشبه بكعب أشيل.
أما منافسه محمد مرسي (60 عام) فهو من
استقرت عليه الاختيارات فيمن سيدير التوجهات السياسية لحركة الإخوان المسلمين التي
فضل منظروها البقاء حركة إسلامية مرجعية وبعث حزب الحرية والعدالة كلاعب سياسي
لحسابها في الساحة المصرية علما أن محمد مرسي كان الوجه الثاني للحزب إلا أن
استبعاد خيرت الشاطر من الترشح للرئاسة لأسباب قانونية دفعه إلى الواجهة. المهندس ذو الأصول الريفية سيعتمد على هذين
العنصرين من شخصيته لبناء شعبية لا يستطيع أن يوفرها منافسه ثم سيعتمد على التأطير
الحزبي علاوة على الأسبقية المعنوية والبرلمانية التي تتمتع بها الحركات الإسلامية
في العالم العربي بعد نجاحاتها في تونس والمغرب وكثيرا ما يطرح اعتماد الشريعة
الإسلامية مصدرا للتشريع وهو يقف موقف النقيض تماما من منافسه الذي يعدّ نفسه
الضامن الوحيد لمدنية الدولة لنفهم من هذه الزاوية حجم التضاد بينهما الذي لا يترك
فرصة للكثيرين -ربما يمثلون الأغلبية الحقيقية- لأن يروا تصوّراتهم تنطبق مع ما
يطرح لهم. كثيرا ما يركز محمد مرسي في خطابه الإعلامي على أنه واحد من الوجوه التي
صعدت بعد الثورة وأن الوضع الطبيعي هو التخلص من كل وجوه النظام السابق ولقد
أوصلته الانتخابات لأن يكون البديل الوحيد.
المشهد النهائي
ستطوي مصر – من ناحية الأطر القانونية
على الأقل - المرحلة الانتقالية لما بعد مغادرة مبارك للرئاسة غير أن هذا التجاوز
ينطوي على عدم رضا فئات موسعة لذلك فان المرحلة الانتقالية لن تطوى فعلا ولن تفضي
الانتخابات لواقع جديد مهما كان اسم المنتصر ثم لأن جزءا كبيرا من الفعل السياسي
في مصر يقع خارجها. في المشهد النهائي يبدو المجلس العسكري الذي هندس هذه اللعبة
الانتخابية متغلبا على ميدان التحرير ويبدو الشعب الذي دعي للاختيار وكأنه لم يختر.
فإذا أظهرت الجولة الأولى الديمقراطية كإشكال وعكست عدم وضوح الرؤية فكيف ستكون
دروس الجولة الحاسمة؟





.jpg)














