الأحد، 3 يونيو 2012

تونس والدعوة الوهابية



حين زار وجدي غنيم تونس مؤخرا حصل جدل كبير وخلال الأسبوع الذي أقامه بيننا صعدت مصطلحات الإسلام الوسطي والمعتدل والمدرسة التونسية في الإسلام وقد تزعم عبد الفتاح مورو هذه الحملة بظهوره المكثف في وسائل الإعلام. لذلك تم تنظيم جلسة يوم 19 فيفري 2012 جمعت أغلب العلماء التونسيين ومعهم الشيخ مورو بوجدي غنيم وكان في الحسبان أنها تأتي في إطار التصدي للمد السلفي في تونس إلا أن هذا الأخير برز من ناحية الحجة النقلية وفصاحة اللسان فلما تبين لمحاوريه علو كعبه اتقوا خصامه وبادروا بالمهادنة بل انقلب كثيرون منهم مسايرين لمنطقه بعد أن ظهروا في أول الأمر متحفزين لإبراز أخطائه. لقد دلتنا زيارة وجدي غنيم على حجم الفجوة بين الإسلام الرسمي والناس وأن التونسيين أصبحوا غير قادرين اليوم على الدفاع على إسلامهم أمام الهجمات الخارجية. أقول أصبحوا لأن هذا العجز طارئ في الفكر الإسلامي التونسي ففي أوائل القرن التاسع عشر أرسل سعود بن عبد العزيز أمير نجد (وهو الممهد لظهور الدولة السعودية مع حفيده عبد العزيز في أواخر القرن) أرسل إلى أهل المغرب ما سمي بالرسالة الوهابية يدعوا فيها للأخذ بمذهبه، فعرضها الباي الحسيني حمودة باشا على علماء عصره وطلب منهم أن يبينوا الحق للناس. فكتب ردا عليها الإمام الحنفي (وهو المذهب الرسمي للقطر التونسي آنذاك) إسماعيل التميمي كتابا سماه "المنح الإلهية في طمس الضلالة الوهابية" كما أجاب قاضي الجماعة المالكي (مذهب العامة) عمر بن قاسم المحجوب برسالة موجزة وضافية. لقد مر قرنان تقريبا منذ هذا الجدل يبدو أنهما قد قلبا الموازين إذ اشتد عود الدعوة الوهابية اليوم وأصبحت طامعة في التمدد والتصدير فيما ضعفت حجة علماء الدين في تونس وأصبح أهلها عرضة لتيارات لا تلاؤم فكرهم ومناخهم ولكنها تجد آذانا صاغية من أصحاب المطامع أو ممن خلت عقولهم من قيم النقد والبحث.  



نعرض كذلك  رأي المؤرخ والوزير أحمد بن أبي ضياف في أمر الدعوة الوهابية التي عاصرها وكتب عنها في كتابه "إتحاف أهل الزمان"

"وترامت بهذا الرجل الأسفار (يقصد محمد بن عبد الوهاب) إلى أن استقر بالدرعية من أرض نجد، فصادف بها آذانا واعية، وقلوبا من العلم خاوية، وألقى لكبيرهم سعود هذا المذهب، واستدل له بظواهر آيات وأحاديث اغتر بها عامتهم حتى استباحوا قتال المسلمين. ولم يزل هذا المذهب ينمو إلى أن أفضى الأمر لسعود بن عبد العزيز بن سعود، القائم الأول، فعظم الأمر في زمنه، ونصب حربا للمسلمين عموما، ولأهل الحجاز خصوصا، وصدوهم عن بيت الله الحرام، وعاث في أهل الحجاز، وأطلق يد القتل والنهب فيهم. واستحكم هذا المذهب في قلوب أتباعه، والتحموا به التحام النسب. واشتدت عصبيتهم وقويت، فطلبوا غايتها وهي الملك والسلطان" ثم يضيف "ولم يفرق بين البدعة الموصلة إلى الكفر، المقتضي للقتال، واستباحة الدماء والأموال، وبين غيرها، وإنما قصد ملكا يريد الحصول عليه بعصبية دينية" 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق