تحولت تونس منذ فترة إلى مركز حيوي
للدعوة الإسلامية، أحيانا يخيّل لنا أن بلادنا ليست ذات أغلبية مسلمة من كثرة تردد
الدعاة عليها. الأسباب معروفة من تعطش بعد سنوات الحصار على مختلف مظاهر التدين
وعجز رجال الدين في تونس على استيعاب المد الديني ثم لوجود انفصال بين المؤسسات
والشباب الباحث عن انتماءات، لكل ذلك علينا أن نقف وقفة تمعن ونحاول أن نفهم بكل
جدية هذه الظاهرة، خاصة لوجود ذلك الارتباط السري أحيانا والعلني أحيانا أخرى بين
السياسة (بمستوييها الداخلي والخارجي) والحركات الدعوية. سنتناول أساسا ما يقدم من
خطاب دعوي عبر وسائل الإعلام.
معروف أن مفهوم الدعوة حاضر منذ ظهور
الإسلام غير أنها طوال 14 قرن لم تتغير في أشكالها وأنماطها إلا في القرن الأخير
مواكبة للتطورات التي حدثت في وسائل الإعلام مع تغيرات سياسية ومجتمعية رافقتها.
الظاهرة التي اعتبرت صحية في الثمانينات كعودة لصحوة الضمير الديني وكرد فعل طبيعي
تجاه الغزو الثقافي الغربي، تضخمت بعد عشرين عام بشكل انفجاري وخرجت عن السيطرة،
فيما تحول الدعاة إلى جزء من واقعنا العربي الحديث متجاوزين تأثير المثقفين
والفنانين وأحيانا السياسيين.
ظاهرة الدعاة اليوم مرتبطة بصفة عضوية
بوسائل الإعلام الجماهيرية. فهناك توازي بين الدعوة والميديا. فالخمسينات
والستينات كانت الكتب والمنشورات هي حملة الأعمال الدعوية خاصة للسيد قطب ومحمد
قطب وخالد محمد خالد. خلال السبعينات والثمانينات أصبح تسجيل الخطب والدروس في
أشرطة الكاسيت هو الوسيلة الأبرز للدعوة وبرز بالخصوص الشيخ عبد الحميد كشك كظاهرة
خطابية استثنائية في كل العالم الإسلامي. في الثمانيات أصبح التلفزيون أكثر وسائل
الإعلام شعبية وصار سند الدعوة الأول وانطلق بث الدروس من المساجد وبدأت البرامج
والمسلسلات الدينية فكانت ظاهرة الشيخ الشعراوي ومصطفى محمود. في التسعينات ظهرت
الفضائيات ودخل السعوديون بقوة ونظرا لتوفر الإمكانيات المالية والتقنية والبشرية
استغلوا الفرصة ليبثوا مذهبهم من خلال وجوه دعوية كعائض القرني وسلمان العودة
علاوة على شعبية القارئ عبد الرحمان السديس وبث خطب الجمعة من البقاع المقدسة.
خلال العشرية الأولى من الألفية تدعم أكثر موقع القنوات الفضائية وتكاثرت بسرعة ودخل المصريون والقطريون في
منافسة وأحيانا في تحالفات مع السعوديين فبرزت ظاهرة الدعاة الجدد ومعهم بدأنا
نتحدث عن نجوم بالمعنى السينمائي (الشعبية الكبيرة – الثروة ..) ودخل عنصر آخر مهم
وهو الانترنيت ليصبح الدعاة من أكثر المؤثرين في الشعوب كما سمحت هذه الوسيلة
بإعادة نشر التراث الدعوي للشعرواي وعبد الحميد كشك فتكونت أجيال جديدة من الدعاة
بأعداد كبيرة يواكبهم جمهور يتزايد أكثر فأكثر.
ترتبط الظاهرة التي نحن بصددها بالعولمة
وبالواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي أفرزته في الوطن العربي فالعمل الدعوي يعتمد
على وسائل العولمة بالأساس من وسائل إعلام وتقنيات انتشار وغزو الأسواق والتعويل
المكثف على ثقافة الصورة. من جهة أخرى يمكن أن نرى الدعوة من زاوية رد الفعل تجاه
العولمة (خوف الذوبان فيها وهذا حال السلفية) أو التأقلم مع الأمر الواقع ونشأ
تبعا لذلك تنافس بين المذاهب لتتضخم المسألة الدينية إلى درجة غير قابلة للحصر.
كما ترتبط ظاهرة الدعاة بالسوق إذ أن الدعوة بمثابة منتوج يتم تسويقه كأي منتوج
وهو صناعة بأتم معنى الكلمة. نحن نتحدث عن سوق وأسعار،عن عرض وطلب،عن تجار وزبائن
ومنافسة واستقطاب ومواسم يسميه البعض في مصر بـالبزنس الديني . انظر إلى عدد
الأقراص المخصصة للدعاة وأشرطة الكاسيت والمواقع الالكترونية والقنوات التلفزية
والخدمات المرتبطة بالفتاوى وشؤون الحياة اليومية وحتى الألعاب والمسابقات. كما أن
ما يقدم في البرامج الدعوية هو ما يرون أن الناس يطلبونه تطبيقا لمبدأ الحاجة وهذا
منطق اقتصادي بحت. الناس في حاجة إلى التخفيف عنهم نظرا للواقع الاجتماعي المتردي
ومحنة الإسلام في العالم في العشريات الأخيرة ( حرب الخليج – الانتفاضة – الإسلام
المضطهد في الشيشان و البوسنة – 11 سبتمبر وربط الإسلام بالإرهاب ..) كذلك فالناس
في حاجة لتدين لا يعقد لهم حياتهم في بعض الأوساط أو هم في حاجة إلى تدين يتقوقعون
داخله في أوساط أخرى. أحيانا توظف الوجوه الدعوية للربح التجاري أو لمصالح اقتصادية
مثلما كان يظهر عمرو خالد في ما بين الشوطين ليفتي بحرمة الفرجة بوسائل القرصنة
"باتش" في مباريات كرة القدم التي تحتكرها قناة أي ار تي وقتها فيما
يشبه تحالف علني بين الدعوة والامبريالية.
من ناحية المحتوى ألا نرى أن هذه البرامج
قد أصبحت نوعا من المادة التنفيسية والترفيهية في حالات عديدة، هي تستعمل العبارات
السهلة وتركز على العاطفة وتتحاشى إجهاد المتفرج عقليا وهي تعتمد ككل المنتوجات
الإعلامية على ساعات الذروة والإشهارات إذ مثلها مثل المسلسلات وبرامج التسلية
تتكاثر بمناسبة شهر رمضان وعادة ما تكون في نفس القنوات التي تبث هذه النوعيات
المختلفة وتحت يافطة "حصري" وهذا واضح على القنوات المصرية والإماراتية
مثل دريم وقنوات دبي. هناك ظاهرة أخرى بخصوص المحتوى وهي اقتباس النمط
البروتستانتي في الدعوة ( المذهب الرسمي الأمريكي) باتخاذ المحاضرات في القاعات
وبثها في التلفزيون وتفاعل الدعاة مع الجمهور وهم من المدعوين ولا يغيب عنا هنا
التقارب الأمريكي الخليجي أو الأمريكي المصري واعتماد المنشئات الإعلامية الكبرى
على كفاءات أمريكية. في السنوات الأخيرة حصل تقارب مع ظاهرة التنمية البشرية خصوصا
مع الكويتي طارق سويدان الذي مزج المضامين الدينية والعلمية واتخذ الشخصيات
الإسلامية رموزا قيادية فوجد سبيلا لإضفاء مضمون عقلي مفيد اجتماعيا ومع عمرو خالد
أصبحت الدعوة مؤسسات ومشاريع (صناع الحياة) بأهداف بعيدة المدى. غير أن خطاب
الدعاة غالبا ما يكون متهما بالتحريض وأحيانا بالتخدير وأحيانا أخرى بالازدواجية
بين الإصلاح وتمرير المواقف الإيديولوجية فيما يرى فيها البعض تعويضا لظاهرة
الأولياء الصالحين فمثلما يتم البحث في السياسة عن أب (بورقيبة وعبد الناصر ..)
يبحث في الدين عن ولي صالح وفي كل ذلك تعبير عن حالة إحباط شعبي في العالم العربي
تساهم الظاهرة الدعوية في تنفيسه ولكنها لا تتقدم لعلاجه. غير أن من فوائد الدعاة
التي لا تنكر أنهم قربوا المعلومة الدينية وجعلوها شعبية وفي وقت من الأوقات
صالحوا مجتمعات مع عنصر مهم من هويتها ولكن يحدث أن تختلط النوايا الحسنة بإرادة
السيطرة وفرض الرأي.
من الناحية الطبقية أصبح هناك دعاة موجهون
للشرائح الاجتماعية المرفهة وهي دائما ما تكون في حاجة إلى إسلام لا يحرمها من متع
الحياة المتوفرة لديهم وفي المقابل هناك دعاة موجهون لتفريغ أو تأطير بؤس الفئات
المهمشة. بينما يوجه للطبقات الوسطى إسلام وسطي يمرر عادة في القنوات الإخبارية
ذات الشعبية الكبيرة (برنامج الشريعة والحياة ليوسف القرضاوي). هذه التفرقة بارزة
بشكل واضح في المجتمع المصري فالدعاة خالد الجندي وعمرو خالد وصفوت الحجازي عرفوا
في الصالونات والنوادي ومساجد الأحياء الراقية قبل انتقالهم للفضائيات،ويلاءم نفس
هذا الخطاب الخليجيين وهم الممولون وأصحاب القنوات فيما يعرف محمد حسان استحسانا
كبيرا لدى الفئات المحدودة الدخل.
سنقف قليلا عند الوضع المصري لسببين أولا
لأنها شهدت كامل تاريخ الحركة الدعوية المعاصرة ثانيا لحجم تأثيرها في بقية العالم
العربي. ففي مصر هناك تراكم للتجربة فقد تأطّر الإسلام سياسيا في حركة الإخوان
المسلمين منذ العشرينات وعرف التصادم المباشر مع السلطة مما أجبره على تطوير
وتغيير استراتيجياته، ثم كانت مصر الامتداد الشعبي لتحقق نموذج الدولة الإسلامية
في إيران وأصبح للإسلام السياسي فيها حليف دائم. كان من أسباب تنظيم المشروع
الدعوي هو التضييق على الإسلاميين سواء قبل أو بعد ثورة 1952 فظهرت مصطلحات جاهلية
القرن العشرين والإسلام هو الحل وإصلاح عقائد المسلمين وكانت من نتائج التضييق
الجانبية هروب العلماء للخليج وتداخل أدوارهم مع مذاهب الدول المضيفة فيما توغل من
بقي في الأوساط الشعبية وأصبح الإسلام تعبيرا يتجاوز دور الدين. طبعا لا يتفق كل
الدعاة مع مشاريع الإسلام السياسي فقد واجه محمد متولي الشعراوي تسييس الإسلام
وظهر نهج لا يعتمد الإصلاح العمودي واعتمد الموعظة الحسنة بدأ مع محمد الغزالي
ويتواصل مع يوسف القرضاوي الذين حاولوا أخذ موقع الوسط بين الانحلال الأخلاقي
والتشدد الديني، سيستثمر الدعاة في العشريات الموالية ثقة الناس في هذا الجيل
ليجعلوا من الدعوة ما يشبه المؤسسة السلطوية وبعد غلبة الإعلام الخليجي لفوارق
الإمكانيات تقارب الدعاة المصريون من
الأشكال الخليجية وعرفت السنوات الأخيرة صعود الإسلام السلفي على مستوى الدعوة
ممثلا خاصة بالداعية محمد حسان ليكتسح القنوات التلفزية والشوارع ومبيعات الأشرطة
فيما سجل تراجع تأثير علماء الدين المصرين وحتى خالد الجندي وعمرو خالد وتحولا إلى
موضة قديمة.
يمكن فهم الظاهرة أيضا من موقع السياسة
السعودية، فبناء الدولة قام على التحالف بين أمراء بني سعود ومحمد بن عبد الوهاب
(ميثاق نجد الذي ينص أن يساند محمد عبد الوهاب آل سعود من الناحية الدينية على أن
يضمنوا له أن يصبح مذهبه هو الرسمي). المشروع الدعوي كان في صلب الفكر السعودي منذ
البداية، فاستعملوا الحج والمراسلات لبث الدعوة إلا أن تأثيرها كان محدودا حتى
التسعينات حين وظفت الأموال السعودية في الميدان الإعلامي وهذا شرعي ومنطقي لان
السعودية ترى أن الدعوة هي المادة التي يمكن أن تصدرها نظرا لموقعها من الإسلام
بحكم احتوائها لأهم المقدسات فحصل تحالف بين الوهابية ووسائل الإعلام إذ أن شبكات
ام بي سي وأوربيت واي أر تي وروتانا كلها مملوكة من جهات مقربة من حكام السعودية
ورغم أنها غير متخصصة في الدين فان أكبر القنوات وأشهر البرامج الدينية هي تابعة
لهذه الشبكات (اقرأ – الرسالة - المجد ..) باختصار لقد وجد المذهب الوهابي القنوات
– بالمعنى العام- ليبث ما يريد في الشعوب العربية. يوظف الخطاب الدعوي للأسف
لمصالح الدولة ومواجهة خصومها مثل الايدولوجيا القومية (في حرب الخليج) أو الشيعة.
ثم لا ننسى تغير السياسة الحكومية السعودية تجاه الدعاة بعد أن وصلها خطر الإرهاب
في عمليات الرياض عام 2003 المتزامنة مع الحرب على العراق فأصبح الدور المنوط للدعاة
هو تمرير الإسلام المتسامح ومعروف عند
الكثيرين من علماء الوهابية تشددهم مع الشيعة أكثر من الأجانب لكي لا يقع تناقض مع
السياسة الخليجية المتحالفة مع الغرب. ففي المنظومة الإعلامية الوهابية نجد أن
فكرة التصدي للمد الشيعي هي أحد أهم محاور الدعوة وهنا نتقاطع مع السياسة إذ لا
يغيب علينا أثر الصراع السعودي- الإيراني على ما يقدّم. كما تتخلل الصراعات
المكشوفة تجاذبات ضمنية مثل الصراع الدبلوماسي السعودي القطري ويصاحبه صراع على المستوى
الإعلامي ( الجزيرة – القنوات الاماراتية – العربية .. ) وإرادة الهيمنة السنية
بين السعودية ( المقدسات السنية ) ومصر (الوزن العلمي المتمثل في الأزهر).
بالنسبة لتونس، لقد غيّر الغزو الفضائي
(الأخبار والدعاة) واقعها الاجتماعي. يمكن أن نتحدث عن انقلاب في الفهم الديني حصل
في تونس وفي العديد من العادات الاجتماعية وأصبحت أقرب من ناحية المظاهر إلى
الشرق. يمكن رصد التحولات بوضوح على مستوى اللباس فظاهرة الحجاب في سنوات الألفين
هي نتيجة الدعوة والفضائيات أكثر منها نتيجة عوامل داخلية أو محاولة العودة
للهوية. لكنها حالة تتشابك فيها صحوة الوعي بالتقليد. بعد الثورة ظهر التملص من كل
ما هو رسمي وما له علاقة بالعهد السابق فتم الكشف بطرق تضخمية عن دور العلمانية
وإرادة التغريب في الثقافة والتعليم والإعلام وأصبح التونسيون يبحثون عن بدائل متعجلة
فتلقفتهم المنظومات الدعوية المتمتعة بسبق على مستوى القوة الإعلامية والخبرة ،
يدعم كل ذلك هشاشة تكوين الشباب سواء على المستوى الديني أو السياسي. ومن العوامل
الضمنية حجم الفراغ الذي تركه التعليم الديني (سواء المدرسي أو إغلاق الزيتونة في
الخمسينات) وخواء خطب الجمعة وما يقدم عن الدين في وسائل الإعلام ومنع الدروس
والتضييق على الممارسات الدينية والنتيجة أننا صرنا نرى مظاهر ركبت تركيبا إكراهيا
يؤسس لغربة التونسي في بلده.
في الختام، إن ظاهرة الدعاة إذا ما تركت لتفعل ما
تريد في العقول دون أي بعد نظر نقدي فإنها تؤول بنا لانفصال عن أنفسنا وإلى ما آلت
إليه تجارب أوطان أخرى كانت السعودية أبرزها حيث تحول العنف والتكفير وسيلة تعبير
بعد انقطاع الأمل في الجدال. الظاهرة صارت جزءا من المرحلة فما علينا إلا أن
نتقبلها كأمر واقع نستوعبه ونواجهه ونستفيد منه ولا نقبل أن تتحول إلى أدوات
إيديولوجية أو توظيفها في السياسة أو تحويلها إلى عنف وأظن الأمر محسوما حين يقول
إمام الدعاة محمد متولي الشعراوي:"أتمنى أن يصل الدين إلى أهل السياسة ولا
يصل أهل الدين إلى السياسة".



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق