الأحد، 3 يونيو 2012

يوسف القرضاوي .. رجل دين بامتيازات سلطانية



بين أضلاع مثلث السلطات الأكثر فاعلية اليوم تقع ظاهرة القرضاوي، فهو من ناحية الموقع الديني يعتبر من رؤوس الفكر الإسلامي المعاصر، يتمتع بشعبية كبيرة في العالم العربي وخارجه بدعم واضح من أكبر وسائل الإعلام ومؤسسات أخرى مما جعله من بين أكثر الشخصيات في العالم الإسلامي تأثيرا في العقول، فلا غرابة أن يمتد حضوره إلى الواجهة السياسية ليساند البعض ويمنع بركاته عن آخرين. 

ولد يوسف القرضاوي في عام 1926 في قرية صفر تراب في مصر، حفظ القرآن مبكرا وتميّز في جميع المستويات التعليمية والتحق بالأزهر حيث  تتلمذ على يد نخبة عصره كمحمد الغزالي وسيد سابق وعبد الحليم محمود والتونسي محمد الخضر حسين عميد الأزهر في بداية الخمسينات. انتمى منذ حداثته إلى تنظيم الإخوان المسلمين، سينعكس تكوينه السياسي على مواقفه الدينية طوال مسيرته وهو حلقة مهمة في انتشار الفكر الاخواني في العالم رغم أنه لم يعد منتميا للتنظيم الحزبي منذ مغادرته مصر. لقد كلفه هذا الانتماء السياسي سنوات من الاضطهاد والسجن في مصر طوال الخمسينات مما اضطره أن يهاجر إلى قطر عام 1961 حيث عمل في وظائف إدارية وأكاديمية دينية وتحصل على الجنسية القطرية. كانت قطر تبحث عمن يساعدها في تطوير صورتها ووجدت في الشيخ القرضاوي ضالتها فحصل تحالف "مقدس" بينه وبين آل ثاني شبيه بتحالف آل سعود مع محمد بن عبد الوهاب. العنصر الثاني في مشروع قطر هو قناة الجزيرة، وقد كان للقرضاوي كذلك مركز مؤثر في صعودها فحقق كلاهما انتشارا مضاعفا. هكذا توفرت للشيخ آلة إعلامية قوية وإمداد مالي غير محدود فكان لا بد أن يمكنه ذلك من أخذ مواقع دينية بأبعاد سلطوية متزايدة بفضل المؤسسات التي ترأسها وهي غالبا خيرية أو علمية ويبقى أهمها رئاسته المتواصلة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ أن تم تأسيسه في 2004 وهو ما جعله واجهة الإسلام السني الأولى في العالم، منذ التسعينات أخذ موقعا مقربا من كل الحركات الإسلامية ليتجاوز انتمائه للإخوان وغلب عليه الجانب الدعوي، فيما اعتبر "أن الصحوة الإسلامية تمر الآن من مرحلة المراهقة إلى سن الرشد". وبدأ يبث أفكاره حول الإسلام كدين للوسطية وعدم جدوى الحلول المستوردة وحتمية الحل الإسلامي وهو بذلك يمثل تواصلا للخط الدعوي للسيد قطب حتى أن راشد الغنوشي وصفه بالمنظر الاستراتيجي للصحوة الإسلامية.
بدأت شعبية القرضاوي من خلال كتاب "الحلال والحرام في الإسلام" وهو واحد من أكثر الكتب الإسلامية المعاصرة تأثيرا، كتب أساسا للمسلمين غير العرب لذلك ترجم إلى كل لغات العالم وصار مرجعا للمسلمين في العالم الغربي وفي تركيا وباكستان، يبدو الكتاب مقتصرا على المعلومة والحجة الدينية غير أنه ضمنه العديد من المواقف السياسية أهمها قوله "إن جماهيرنا المسلمة لا تزال بخير، وإنما الفساد والانحراف في القيادات العميلة المفروضة عليها". بخصوص أعماله المكتوبة يعتبر من أكثر الأزهريين انفتاحا على المفكرين الإسلاميين من خارج الأزهر فكثيرا ما نرى في قائمة مراجع أعماله كتاب التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور أو كتب أبو الحسن الندوي.

طوّع القرضاوي الإفتاء للدعوة فهو يتعامل بمرونة مع الحاضر وهو أبعد ما يكون عن الفتاوى المتحجرة أو المتطرفة ويفسر ذلك جزءا كبيرا من شعبيته فهو يقدم الإسلام الذي تبحث عنه الأغلبية في العالم العربي فيما يعرف اليوم بفقه التيسير. يعتبر من أكثر المتمكنين من أدوات الاجتهاد، وتحول منهج الوسطية الذي يدعو إليه إلى أهم مدرسة في الإفتاء اليوم طبعا لا يخفى فضل الإمكانيات المتوفرة لديه التي أشرنا لها سابقا. ما يحسب له هو محاولته لترسيخ التسامح الديني بين الإسلام والأديان الأخرى وبين السنة والشيعة ومختلف المذاهب فمثلا وقف ضد تفجير أصنام بوذا الموجودة في أفغانستان وأفتى بعدم جواز تكفير الخوارج، غير أن استسهاله للفتوى كثيرا ما يجلب له انتقادات خاصة من علماء السعودية والعراق. يريد القرضاوي أن لا يقع في تقليد السلف ولا الانسياق وراء نمط الحياة الذي يفرضه الغرب على الشعوب المسلمة وهو يقف ضد تيارين: أولا ضد المذاهب المتشددة ثم ضد العلمانية وهو -كما تقول الباحثة المغربية خديجة مفيد- النقيض الموضوعي للعلمانية سواء على مستوى التنظير أو الممارسة، وكثيرا ما يجادل زعماء الغلو الديني ليحد من انتشارهم لذلك فالبعض يعتبر أنه حتى إذا كان مهيمنا سلطويا فان هيمنته شر لا بد منه. من الناحية المذهبية يحاول أن يزاوج بين المذاهب الشرعية وكثيرا ما يخالفها لإحلال الفتوى التي تتماشى مع الواقع رغم تقاربه مع المذهب الشافعي وتأثره بمدرسة ابن القيم في الفقه.  يتمتع القرضاوي بأريحية  كبيرة في الاجتهاد -ولذلك نحن نتحدث عليه كسلطة- غير أنه يمكن ملاحظة وجود تذبذب في فتاواه إذ مرة هو مع ما تنتظره الشعوب العربية منه تجاه قضاياها ومرة ضدها فبينما دعم العمليات الاستشهادية في فلسطين خلال الانتفاضة أثارت فتوى جواز مشاركة المسلمين في الحرب على الإرهاب ردودا عنيفة ضده إلا أنه برر موقفه بأنه لو فعل العكس فانه يعرض المسلمين في أمريكا والغرب لما حصل للمسلمين في البوسنة مع الصرب. يقول القرضاوي" المنهج الذي أؤمن به يقوم على التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة، مع الثبات في الغايات والتطور في الوسائل .. الإتباع في الدين والابتداع في الدنيا".
القرضاوي حين يفتي أو يلقي محاضرة تتجسد فيه صفات السلطة جميعها، وهو الوحيد بين علماء السنة الذي يتمتع بسلطة شبيهة بالمرجعيات الشيعية. وهو يعمل على خمسة مستويات: الدعوة للإسلام وتتداخل مع الحضور الإعلامي المكثف في أكثر الوسائل انتشارا وخاصة الفضائيات سواء الجزيرة ببرنامج "الشريعة والحياة" حيث أنه ضيف قار بينما يتغير المقدمون بصفة دورية وكذلك عمله لمدة طويلة في برامج الفتوى على المباشر في التلفزيون القطري ثم لا ننسى إشرافه على موقع إسلام اونلاين وهو أهم موقع إسلامي على الانترنيت، يبقى كذلك عمله الأصلي بين التدريس والمناصب الأكاديمية داعما لوزنه المعرفي إذ يساهم في تكوين علماء الدين، دون أن ننسى اهتمامه بالعمل المؤسساتي عبر وتأسيس المنظمات والجمعيات وتنظيم المؤتمرات ونشر الدوريات وأخيرا الأعمال الخيرية. كانت السياسة طوال مسيرته مجرد خلفية لآرائه الدينية إلا أنه مع الربيع العربي أصبح وجها سياسيا بارزا فهو حاضر في اللحظات الحاسمة وفي المعارك الإيديولوجية في تونس ومصر بالخصوص. إذ أمّ القرضاوي صلاة الجمعة في ميدان التحرير ويبقى أقوى تدخل سياسي له فتواه بحمل السلاح في وجه القذافي. يصرّح "إن الإسلام لا يكون إلا سياسيا فإذا جردته من السياسة أصبح دينا آخر" وهو يتهم المنطق العلماني بالتهافت، بخصوص تونس يرى أن النظام العلماني جنا على الشعب كما حصل في تركيا وهو ينطلق من قناعة أن الشعب التونسي متدين أساسا أسقطت عليه السياسات النمط العلماني. اليوم يمثل القرضاوي الرافد الرئيسي الذي تستمد منه حركات الإسلام السياسية حججها لذلك فان زيارته إلى تونس لا تخلو من مساندة ودعم لحركة النهضة وهي في موقف غير مريح كما يمكن أن تقرأ كتدعيم لمواقعه في العالم بافتتاح مقر  جديد لاتحاد العلماء المسلمين في تونس لما ترمز له حاليا.

سيبقى القرضاوي نقطة اختلاف بين من يراه في خدمة إسلام متطرف بأساليب مرنة وبين من يراه على العكس داعما للمشاريع الغربية في الشرق الأوسط فيما يعتبر نفسه أنه ليس من هذا ولا من ذلك فهو رمز الوسطية في العالم الإسلامي. القرضاوي ظاهرة إشكالية ملتبسة لا يمكن الخروج منها برؤية واضحة نظرا للعناصر التي تكونها، فلا تلتقي سلطات الدين والسياسة والإعلام إلا لتخلق ظاهرة بهذا الحجم والغموض.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق