أعدادهم تتزايد بمرور الأعوام، ينتشرون
في الطرقات وفي المحطات وفي المفترقات غير آبهين للنظرات اللامبالية أو بالتضييقات
أو بالمخاطر أحيانا. أطفال الشوارع يفرضون أنفسهم شيئا فشيئا كأمر واقع في خارطتنا
الاجتماعية، ولكن غالبا ما يكون الجواب الرسمي بخصوصهم أنهم مجموعة حالات محدودة
لا ترتقي إلى درجة الظاهرة ، ليس لأنهم بالفعل كذلك وإنما لأننا جميعا لا نريد أن
نرى ما في الحقيقة من قبح ولأن تزوير الواقع هو طريقة من طرق الهروب من مواجهتها
إذ نحاول أن نتخلص منها بوضعها في خانة المسكوت عنه ولكن لا يمكن أن يتواصل هذا
الوضع لأن السكوت ببساطة ليس في مصلحة أحد.
أسباب معروفة
يصنف أطفال الشوارع في 3 مجموعات كبرى،
أولا الأطفال الذين يعيشون مع عائلاتهم في الشارع، ثانيا الأطفال الذين يقضون أغلب الوقت في الشارع ولكن لهم عائلات في
بيت قار يعودون إليه وأخيرا الأطفال الذين هم بغير سند عائلي سواء كانوا متروكين
من عائلاتهم أو هم بغير عائلة أصلا. عموما تصاحب هذه الظاهرة نمو المدن الكبرى،
ويمكن اعتبار تونس محظوظة لان عددا من الأسباب الرئيسية لتفشي هذه الظاهرة في
العالم لا تنطبق عليها مثل الحروب والكوارث الطبيعية والهجرة غير الشرعية فكل
العوامل بالنسبة لتونس محصورة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية.
إن ظاهرة أطفال الشوارع هي أساسا ثمرة عدم
القدرة على كفالة الأطفال لدى عائلات الطبقات المتدنية ويزيد من حدة هذا الوضع
تدهور الظروف الاقتصادية للبلاد التي تولّد البطالة ومعلوم أن بطالة الأولياء تؤدي
بنسبة مرتفعة جدا إلى ترك الأبناء للمدرسة وتشير أغلب الدراسات إلى أن الآباء
غالبا هم صناع أطفال الشوارع حين يجبرونهم على العمل معتبرين إياهم وسائل لجني
المال. ثاني سبب هو النزوح العشوائي، فالانفجار الديمغرافي الذي تعرفه
العاصمة أدى ويؤدي إلى اختلال ميزان توزيع الثروة بما أن الموارد ستكون غير كافية
للعدد الموجود مما يولد الفقر والبطالة لنعود للدوران في نفس حلقة السبب الأول.
ثالثا تمثل العلاقات الجنسية غير الشرعية عاملا مهما في إفراز أطفال
الشوارع إما بتخلص الأبوين من الطفل أو أن تكون الأم من أطفال الشوارع وقامت
بعلاقة غالبا في إطار منظومة الدعارة ويحدث أن يكون الأبوان نفسهما من أطفال
الشوارع، عادة ما يكون الحمل في سنوات البلوغ الأولى وإضافة لعدم وجود أي موانع
أخلاقية أو مادية تنظم هذه العلاقات فان نسبة تكاثر أطفال الشوارع تكون مرتفعة.
هناك أسباب بعيدة كذلك، أهمها أن المدرسة
أحيانا تكون عاملا في تنفير الأطفال من الدراسة مما يجعلهم يلتجئون إلى
الشارع كملجأ إذ يبدو لهم موفرا للحماية ولفرص ممارسة الحرية والمتع التي افتقدوها
في إطار المدرسة، يكون النظام التربوي عموما غير ملائم لأبناء الطبقات المتدنية
لأنه قائم بالأساس على قيم الطبقة الوسطى كما تكون المدرسة فضاء للتداخل الطبقي
ونظرا لترسخ النمط الاستهلاكي في مجتمعنا وتضخم أهمية المظاهر فان الفقراء لا
يجدون إلا مشاعر الهوان والاحتقار في المدرسة. هناك أيضا انهيار النظام الأسري
خاصة لدى الطبقات الاجتماعية الفقيرة حيث لضروريات الحياة الخانقة يستغنى عن الأخلاقيات والروابط
الأسرية، إن الأسر المنهارة معامل لتفريخ أطفال الشوارع وتبقى أسباب تفكك العائلة
اجتماعية بالأساس أهمها الطلاق وهروب أو وفاة أو مرض أو إدمان أو سجن أحد الأبوين،
إلا أن مساندة الأقارب أو الجيران أو الجمعيات الخيرية يمكن أن يقلص من حجم
المشكلة ويساعد على تجاوزها. بخصوص الأطفال الهاربين من عائلاتهم –غالبا بسبب
العنف المسلط عليهم- تترسخ لديهم عدوانية شديدة تجاه الكهول سيجدون في الشارع فضاء
لتفريغها علما أن الكثير من القوى إجرامية أو سياسية أو مذهبية تبحث عن فرص لتحويل
الضغائن (ولا ننسى الأحقاد الطبقية) إلى عنف يدعم مصالحها وسيجدون في أطفال
الشوارع مجندين مثاليين.
الدولة والمجتمع متورّطان
يبقى في خلفية كل هذه العوامل الدور الذي تلعبه الدولة، فكل الأسباب التي
أنتجت الظاهرة يمسها من قريب أو بعيد سوء التخطيط وقلة الإشراف وقصر النظر. لقد
أفرزت الحروب في أوروبا ملايين أطفال الشوارع خاصة في ألمانيا وانجلترا ولكن
المعالجة القانونية والاقتصادية والاجتماعية الصحيحة مكنتهم من تجاوز المعضلة في
ظرف سنوات معدودة. صحيح أن المنظومة التشريعية في تونس عملت على حماية الطفل عبر
المصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في نوفمبر 1991 وأنشأت مجلة مستقلة
خاصة بالطفل في 1995 وأحدثت كذلك خطة مندوب الطفولة إلا أن انفصالا كبيرا حاصل بين
النص والواقع. للتذكير فإن القانون في تونس يحمل كافة المجتمع مسؤولية تعرض
الأطفال لصعوبات فلدينا "واجب إشعار مندوب الطفولة عندما يتبين لأي مواطن أن
هناك ما يهدد صحة الطفل أو سلامته البدنية أو المعنوية" كما أن مجلة الشغل
تمنع تشغيل الأطفال الذين يقل سنهم عن 16 سنة (الفصل 53) فأين هذا مما نراه على أرض
الواقع؟ إن كل مجهودات الدولة تنحصر في معالجة النتائج في حين كان أولى الذهاب
لمعالجة الأسباب أولا.
إن ظاهرة أطفال الشوارع متروكة إلى التهميش الرسمي والحكومي، إذ لم يتم
تناول الموضوع بجدية لا من حيث الدراسة ولا من حيث مواجهة الأمر الواقع، فلا نجد
أرقاما دقيقة تتيح رؤية المسألة بأكثر جدية ولا يتم تقديم حلول أو الرقابة على
مخالفي قانون تشغيل الأطفال ولا توجد برنامج شاملة وواضحة لاستيعابهم وتأطيرهم
وكان أولى أن تأخذ بعين الاعتبار صورة تونس على أقل تقدير وأساسا معاناة هؤلاء
الأطفال المتواصلة فهم لا يشهدون سوى الجانب العدواني القبيح والغير إنساني للمدن
الكبيرة فلا غرابة أن يردوا الفعل عليها ولن يجدوا أي وازع أخلاقي يقنعهم بترك ذلك
ثم لا بد أن نفهم أن الحلول النمطية والمستوردة لم تعد تجدي ولقد جربناها طوال
عشريتين فلم تغير شيئا.
إن المجتمع متضرر أكثر من الدولة من هذه
الظاهرة، فهذه الأخيرة تعرف كيف تستثمرها لمصلحتها أما الناس الأبرياء فلن يروا
منها سوى وجهها المخيف لذلك لا يمكن التعويل فقط على الغطاء القانوني ومبادرات
الدولة، لقد ورد في تقرير اللجنة المستقلة للقضايا الإنسانية الدولية أن أحد اكبر
أسباب تواصل تفاقم الظاهرة هو "موقف المجتمع غير الحاسم" كما جاء في
التقرير "إن حالة أطفال الشوارع هي من أعراض الأنانية المنتشرة - سواء لدى
العامة أو لدى المسئولين - وتلاشي روح
الجماعة ". إن نظرة المجتمع لهؤلاء الأطفال قاسية وجارحة فلا غرابة أن يأتي
رد الفعل بنفس الحدة والقسوة لأن فقدان الروابط الأسرية وبوصلة القيم ومن ثم
الالتجاء إلى الشارع ليحل محل الأسرة والمدرسة في موقع المربي، فلنتصور ماذا يقدم
لهؤلاء الأطفال. لذلك فالجميع متورط في هذه القضية، ومن خلال مشكلة أطفال الشوارع
نرى إحدى نتائج عزوف المواطنين عن العمل الاجتماعي، إذ لا يمكن مقاومة الظواهر
التي تهدد طمأنينة الناس ويظل الجميع يدور في حلقة مفرغة من إلقاء المسئولية على
الغير فالمجتمع يتهم الحكومة بالتقصير والحكومة تعود بالمشكلة إلى جذوره
الاجتماعية.
حياة بلا تخطيط
عالم الشارع شبكة من الصعوبات والقسوة
والعنف، يعبره كل طفل منهم بقصة حياة ثقيلة مرهقة ولا تتقاطع قصصهم إلا على مستوى
حجم التعاسة والمعاناة.عادة ما يكون التسوّل هو العمل اليومي لهؤلاء الأطفال لرغبة
من هم خاضعون لهم في استغلالهم لجلب المال ويكون التسوّل مقنّعا في بعض الحالات
عبر ترويج مواد ليست ذات قيمة مثل اليوميات وأوراق الدعاء، وبتقدم سن الطفل تتطور
أعماله فيدخل في منظومة تجارية مصغرة إما بترويج سلع صغيرة في المقاهي وفي الشارع
خاصة في المفترقات أو القيام بأعمال خدماتية بسيطة كمسح بلورات السيارات والأحذية
أو جمع القوارير والخبز البائت.
طبعا في غياب الرعاية الأسرية
والاجتماعية سيكونون عرضة لأي نوع من الاستغلال وعرضة لتبني السلوكيات المنحرفة
فتنمو لديهم مهارات السرقة والتحيّل والعنف خاصة في سنوات بداية المراهقة، ويمكن
فهم ذلك بأنهم تحت ضغط الحاجة فلا يمكن أن ينتظروا حسنات من يحن عليهم – وهي قليلة
عادة – فتكون السرقة أو البراكاج ضرورة أكثر منها خيارا أو ميولات إجرامية، وهكذا
يتورطون في مختلف أنواع الجريمة بمنطق أن ليس لهم ما يخسرونه وحسب الإحصائيات
الدولية فان أكثر 3 سبل عيش مفضلة لديهم هي السرقة وبيع المخدرات والدعارة. ربما
تكون الثورة في تونس بما حملته من انفلات امني ساهمت بتوجيههم نحو هذه الخيارات،
وحتى إذا ما تم القبض عليهم فإنهم غير قادرين على التغيّر نظرا لظروف نشأتهم بل
على العكس ففي المنظومة الإصلاحية يتكوّنون أكثر ويتعرفون على سبل الجريمة المنظمة
ويطوّرون أساليبهم ولا ننسى أنهم في إطارها عرضة أكثر من غيرهم للعنف والتحرش
الجنسي لعدم وجود من يهتم بحفظ حقوقهم.
ليس نادرا أن تتكون في مجتمع أطفال
الشوارع مجموعات تصل إلى تصنيف عصابات أحيانا، بقواعد وتنظيمات معقدة صعبة
الاختراق والتفكيك، ففي الشارع هذا الفضاء الذي يطبق فيه مبدأ لا بقاء إلا للأقوى
ونظرا لتفاوت الأعمار واختلاطها فان الطفل الذي لا يجد إطارا للحماية عند أسرة أو
مؤسسة يحتمي بما هو متاح لديه مقابل أي تنازل فيتم توظيفه في هذه الجماعات
واستثمار مهاراته، تتكوّن لدى هذه التجمعات أخلاقيات فطرية ويلعب الإحساس
بالانتماء دورا في بناء منظومة قيم خاصة وأبرز ظواهرها تلازم التضامن بينهم
بالاستغلال.
من الجانب الصحي تبقى حياة هؤلاء مهددة
من مختلف الجوانب فهم لا يعرفون إلا سوء التغذية وينامون في العراء معرضين للبرد
والأوساخ ومن عاداتهم التدخين منذ سن مبكرة علاوة على تدخين أعقاب السجائر وشم
المواد اللاصقة واستهلاك العقاقير والمخدرات، كما يجعلهم نمط حياتهم فريسة لكل
الاعتداءات الجسدية والأخلاقية مما يهيئهم لتطوير السلوكيات العنيفة كأسلوب دفاع
عن النفس والتي تعرضهم هي الأخرى لمواقف خطرة قد تصل إلى القتل.
التناول الإعلامي والاجتماعي
أطفال الشوارع الذين ظهروا في الأعمال
الروائية الكبرى للقرن التاسع عشر خصوصا بشخصيات أوليفر تويست لشارلز ديكنز
وغافروش لفيكتور هيغو في رواية البؤساء و ألهموا شارلي شابلن شخصية شارلو،
تناولتهم الأعمال العربية المعاصرة كذلك مثل رواية الخبز الحافي لمحمد شكري (وهو
أحد أطفال الشوارع وتحوّل إلى روائي معترف به عالميا) كما تجرأت السينما المصرية
وحتى التونسية لطرق الموضوع بكل جرأة. ففي مصر أصبحت لتضخمها تعتبر ظاهرة معترفا
بها علنيا خاصة في الصحافة ولكن هذا التناول الإعلامي أو الفني لم يكن كافيا لأن
عجلة الاقتصاد والسياسة التي أفرزت هذه الظاهرة تظل تدور غير منصتة لأي نداء
استغاثة، فمن يقع على عاتقه إنتاج الحلول هم بالأساس الدولة والمجتمع المدني لكن
يبدو إلى حد الآن أن المسألة مازالت تعد مؤجلة تاركين لها الفرصة لكي تنمو أكثر
فأكثر وتاركين هؤلاء الأطفال إلى أقدارهم وكي يتحولوا إلى مجرمين أو في أحسن التوقعات
إلى حاقدين.
في المغرب هناك تجربة مهمة بتأسيس جمعية
"بيتي" التي تقدم المأوى لأطفال الشوارع وتخصيصها لما سموه بمكوّني
الشارع وهم متطوّعون يقومون بتأطير أطفال الشوارع ووضع برامج تعليمية وترفيهية لهم
على أمل إعادتهم إلى الأسلوب الحياتي العادي للطفل، الجمعية التي تأسست منذ 1995
مازالت تعتبر نتائجها هزيلة نظرا لعدم التنسيق مع مؤسسات أخرى ومع الدولة وكذلك
لضعف الإمكانيات المادية، غير أن الصعوبات المادية عادة ما تكون أسهل العوائق إذا
توفرت أرضية صلبة من التخطيط والدراسة والإرادة. في تونس، كثيرة هي الجمعيات المهتمة
بالطفل ولكن موضوع أطفال الشوارع لا يشغل بال إلا قلة منها، وقد أسست مؤخرا جمعية
هداية لحماية أطفال الشوارع ولكن يبدو أنها تحتاج إلى دعم أكثر لتبدأ في إعطاء
ثمارها.
الظاهرة في العالم
من الناحية الإحصائية، هم على المستوى
العالمي يقدرون بما بين 100 و120 مليون طفل، تحتوي الهند وإفريقيا السوداء على
أغلبية هؤلاء ولكن حتى الدول الصناعية الكبرى تعرف هذه الظاهرة فمثلا يقدرون في
فرنسا بـ 40 ألف وهم أكثر من ذلك بكثير في الولايات المتحدة، في دول شرق أوروبا
يوضع هذا المشكل من بين أولويات الحكومات اليوم لأنهم بدئوا يتلمسون خطورة الظاهرة
التي سكتوا عنها في بداية التسعينات، فقد أفرزت عصابات الجريمة المنظمة والتهريب
والدعارة والتقت في أحيان كثيرة مع منظمات إجرامية عالمية كبيرة كالمافيا
والمنظمات الإرهابية، نفس هذه الأولويات بدأت تظهر في دول أمريكا الجنوبية حيث أن
التجارب أثبتت أن الحرب على عصابات المخدرات تكون بلا جدوى في وجود أطفال شوارع
وأن وجود هذه الطبقة في دائرة الصراع تخفي كل الخيوط التي يمكن أن تدل على المجرم
الحقيقي وتضعهم في الصف الأول من المواجهة.
أما بالنسبة للعالم العربي فهناك ما يقدر بـ 10 ملايين منهم 3 ملايين في
مصر وحدها حسب تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة أما في المصادر
الرسمية المصرية فيقل العدد عن المليون ويعود ذلك أولا إلى التعريف المتبع لأطفال
الشوارع في كل إحصاء وكذلك للعوائق الإدارية وإرادة إخفاء الحقائق لدى الرسميين
إلا أنه في كل الحالات تبقى هذه الأرقام كارثية.
مناطق ظل
نحن غالبا ما نرى الأولاد في حياة الشارع
فأين البنات؟ وهن بلا شك جزء من هذا العالم. يلتقي قدر الفتيات في أغلب الأحيان
بالدعارة إذ هن مجبرات على امتهان الدعارة إما في بتقديمها كخدمة لجلب المال أو في
إطار مجتمعات الشارع مقابل الحماية والأكل. وإذا كانت البنات غير ظاهرات من موقع
الشارع، فلا يجب نهمل الإشارة للقاصرات اللواتي يعملن كخادمات أو عاملات أو
كمومسات، رغم أن تعريف أطفال الشوارع لا ينطبق عليهن تماما. بالنسبة لكثيرين يصبح
الإقدام على تقديم الجسد شيئا تافها وهنا نتحدث عن دعارة لكلا الجنسين وعن دعارة
داخلية وأخرى مع من هم خارج مجتمعهم الضيق، وان تضخم عدد أطفال الشوارع يؤدي إلى
ازدهار ما يسمى بالسياحة الجنسية كما يحصل في المغرب ويعطي الفرصة لتنامي سوق
للتجارة بالأعضاء.
بعد سن العشرين ماذا يفعل أطفال الشوارع؟
هل يفكرون في تكوين أسرة؟ ما هو مفهوم الوطنية والانتماء الديني لديهم ؟ هم لا
يعرفون سوى ذلك النمط من العيش فمن الطبيعي أن يفكروا بإعادة إنتاجه تماما كما
نفعل نحن بالتفكير في بناء أسرة جديدة وتربية أولاد بنفس الطريقة التي تلقيناها،
سيكون عمل شاب الشوارع هو استقطاب وتأطير أطفال شوارع في أعمال لحسابه وهكذا ستبقى
كرة الثلج تتضخم مع مرور الوقت. كما أنه من المرجح أنهم سيكونون معرضين لأن
تستقطبهم منظمات إجرامية أو توظيفهم في أغراض سياسية وتصفية حسابات أو أن تستغلهم
الدولة كما في تجربة أطفال بورقيبة حين تم تحويلهم إلى جلادين واستثمرت مأساة
هؤلاء لتدعيم سلطة الدولة وإرهاب شعبها.
ألا يثور الضمير الإنساني
إذا تواصل الأمر في التفاقم فان ما سيحصل
شبيه بما يحدث في مصر مثلا أي أن تتحول ظاهرة أطفال الشوارع إلى عالم يتوالد من
بعضه على هامش المجتمع بعيدا عن الإحصاء وأعين الدولة ومتجاوزا الفهم والحصر. بعد
أعوام سيلتقي الأولاد الذين ربتهم عائلاتهم على قيم العائلة والمدرسة والمواطنة
وهؤلاء الذين تربوا على قيم الشارع القاسية والغير إنسانية سيلتقي الجميع في نفس
الفضاء. إن أطفال الشوارع جزء مما يفرزه واقعنا وما يجنيه مجتمعنا على نفسه، من
خلال هذه الظاهرة ألا نرى كم في بلادنا من عناصر قابلة للانفجار في أي لحظة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق