الجسد شكل حضور الفرد في العالم وشرط
إدراكه لما حوله ولكن يحدث للجسد أن تعريه العادة
والاكراهات من بهائه وثرائه وأن نفتقد أمامه الدهشة والتساؤل وأحيانا المتعة في
التعامل معه. ومقابل هذا التغاضي الفكري في تناوله يبقى حاضرا بارزا في واقعنا
الفردي أو الجمعي، فهو الذي يترجم أهواءنا وميولاتنا ومشاعرنا وانتماءاتنا وحتى أفكارنا وفوقه تكتب تجاربنا الحياتية، وهو أداة لا بديل لها لكل منا من
أجل تحقيق ما يرغب فيه وهو الشاهد على تحولات الهوية في الأوطان والفاعل في
الميادين العملية كما في الفن وفي السياسة وموضوعها. إننا نعيش اليوم تجاذبات
فكرية يبرز السياسي منها في الأدوار الرئيسية غير أن هذا الصراع السياسي المعلن
يوازيه صراع غير مكشوف على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والرمزية مثلما يحدث
من صراع حول المواقع الثقافية أو الفضاء العمومي أو حول الجسد .
الجسد .. ميدان لمعارك
فكرية
يقول المفكر الوجودي جابرييل مارسيل
"تكون الأشياء موجودة في نظري بقدر ما أعتبرها امتدادا لجسدي" ويضيف في
مقام آخر " إن المعطى المشترك بين شعوري وشعور غيري هو جسدي" إذن كل
تغييب لعنصر الجسد يؤدي إلى وعي ناقص للوجود. فإذا كان الجسد إشكالا بطبعه فان
إرادة التعامي والابتعاد عن فهمه تضاعف من حجم هذا الإشكال.
"أريد أن أكشف لمحتقري الجسد حقيقة
موقفهم: إني أطلب من هؤلاء أن يتخلوا عن أجسادهم الخاصة فيصبحون بذلك بكما"
بمثل هذه الكلمات تحدث نيتشه على لسان زرادشت واضعا إشكالية الجسد في إطار هجومي
تهكمي يشير فيه إلى بقاء البعض في وسط حلقة أفلاطون منذ العصر الإغريقي الذي يرى
أن الجسد هو قبر النفس. لقد كان نيتشه يحاول تخليص الجسد من مأزق تصوّره كمصدر
للشر في مقابل الروح التي هي منبع القيم والفضيلة ويبدو أننا نتجه في مجتمعنا
للعودة إلى نفس الجدلية العقيمة حين يراد بالجسد أن يتخفّى أو أن يتشابه وفي أحسن
الحالات أن يدجّن خوفا مما يمكن أن يحققه، ولا شيء يعيق التقدّم مثل الانغلاق في
هذه الثنائيات فقد انحصرت الفلسفة المثالية في مثل هذه التصورات حتى جاء سبينوزا
ليصالح الروح والجسد ويوحّد بينهما في رؤيته للإنسان وألهم بعمله هذا اينشتاين
الذي قام هو الآخر في نظرية النسبية بتوحيد مفهومي الزمان والمكان لكي يتمكّن من
تطوير فهم الكون.
إن الضجة التي قامت حول مسألة النقاب في
تونس إنما هي معركة لافتكاك مواقع في ميدان الجسد، فلا بد لصعود السلفية على
المستوى الكمي أن يواكبه امتداد على مستوى المفاهيم لذلك برزت إرادة فرض مواقف على
الجسد بوضعه تحت نمط في الملبس يعبّر عن تصورهم للحياة ويتم تبرير هذا الموقف
أحيانا بأنه يمثّل ردة فعل تجاه من استورد لنا ثقافة تسليع الجسد وتقليد فهم الجسد
حسب المعايير الغربية وهكذا نعود إلى حلقة الثنائيات المفرغة وجعل واقعنا ميدانا
لصراع الاتجاهين، دائما ما يكون جسد المرأة هو لب هذا الصراع إما بتغطيته وإخفاءه إلى أبعد ما تحدده النصوص
وإما بتعريته وتزييفه إلى أقصى ما تسمح به المعايير الجمالية. وفي كلا الحالتين،
نحن أمام فقدان حرية أمام السلف أو أمام الآخر، ولكن أليس من العبث الحديث عن فكر
حر في جسد مقيّد فما بالكم بجسد متخفي ومطموس أو في جسد مقلّد ؟
إن هذا الجدل العقيم كان مقيما في أوروبا
القرون الوسطى، في حين كان العرب في الأندلس وفي الشرق قد تجاوزوه ويتعاملون مع
الجسد وقيم الفن والحب بكل أريحية وكأنه يراد لنا أن نعود إلى ما كانت عليه أوروبا
قبل عصور التنوير وأكثر من ذلك أن نقطع مع الجزء المشرق من تاريخنا، ويمثّل هذا
الجدل مؤشرا لمراحل التحوّلات إذ تظهر الآراء المتضاربة ويجد التطرف من الجانبين
مجالا للبروز بكل وضوح. نفس الصراع حصل في
تركيا المعاصرة، حيث كانت المعركة الإيديولوجية بين التيار العلماني
والتيار الديني تدور أيضا حول الجسد وكان في كل مرّة تعبيرا عن انتماء وموقف بما
أن اللباس – كيفية إخراج الجسد – هو الجانب الظاهر والمعيش من هذا الصراع فكان
التجاذب على المستوى الرجالي بين الطربوش و نمط اللباس الغربي وعلى المستوى
النسائي الحجاب والسفور والموضة.
التاريخ الوطني للجسد
لو عدنا إلى بلادنا، إلى تاريخ دولتنا
المستقلة حيث بدأت تترسخ قناعة بأنها دولة الاستبداد والقمع. لقد كان هذا القمع
يمارس على الجسد أيضا، إما بتعنيفه أو حرمانه من التعبير أو بمنعه من التجمهر أو
بفرض لباس أو نمط حياة عليه. إن القمع بصفة عامة إنما يمارس على الجسد وتبعا لذلك
فالحرية إذا أريد حقا أن تمارس، ستمارس على الجسد. فعلاقة الجلاد بالضحية علاقة جسدية وكانت علاقة الشرطي
بالمواطن علاقة جسدية عبر العنف الذي يمارس عليه وقهر المجتمع الذكوري المفروض على
المرأة في مجتمعاتنا عموما علاقة تتمحور حول الجسد ومن بينها معركة الحجاب والسفور
التي كانت عنصرا حاسما في بناء الدولة حسب التصوّرات البورقيبية، ثم لقد كانت
شعارات الدولة التنظيرية مثل بناء دولة الاستقلال وتحقيق التنمية تتوجّه أيضا
للجسد، فالبناء والعمل والجهاد الأكبر وسيلتها الجسد إذ يكون هو الباني وهو العامل
وهو المجاهد الأكبر. ثم حين يكون توجّه الدولة نحو تأسيس مجتمع استهلاكي ينعكس ذلك
مباشرة على الجسد فيتحوّل هو إلى قاطرة للترغيب.
إن المنعرجات التاريخية الكبيرة لا
يحققها إلا الجسد. فالثورة لم تندلع إلا حين حققها الجسد أولا بمشهد إحراق جسد وان
هذا الجانب الحسي الأليم هو الذي يقنع الآخر بالمصير المشترك وبضرورة المقاومة
وقليلا ما يتحقق ذلك بالحجج العقلية ثم لقد كان مشهد الثورة الرئيسي هو حضور أجساد
التونسيين المكثف وتحالفها ظهيرة 14 جانفي. الأجساد شاركت في الثورة وحققتها خاصة
أن هناك إجماعا بأن الثورة التونسية ليس لها بعد ثقافي واضح. والثورة خدمت الجسد
بان قلّصت من حجم القمع المسلّط عليه، نتمنى أن تصل الثورة إلى كيفية النظرة إلى
الجسد والتفكير فيه وإلا فإنها ستخسر حليفا مهمّا.
التوظيف السياسي للجسد
لقد كان ميشال فوكو رائدا في تعرية
السلطة وكان أحد انجازاته ربط كل ممارسات السلطة بالجسد، فالسلطة هي " فن
صياغة الأجساد " إذ تهدف المنظومات التربوية والتأديبية (المدرسة والسجن مع
العديد من المؤسسات الأخرى) إلى اختلاق جسد طيّع يمكن استغلاله في العمل للصالح
العام، فالطفل يعرّض للتأديب الجسدي أو
يهدّد به حتى يتحوّل إلى ما يريده منه محيطه الاجتماعي وكذلك الجانح إذ يعاد
إخضاعه جسديا حتى لو كان جرمه غير بدني بالمرة كالتزوير أو التخطيط لجريمة. يوضّح
فتحي التريكي في عمله "الفلسفة الشريدة" هذه الفكرة بالقول "لا
يصبح الجسد قوة مفيدة إلا إذا كان منتجا وخاضعا وهذا ما تقوم به السلطة" وذلك
عبر وسائل ما يسمى بتكنولوجيا السيطرة على الجسد.
بما أن الجسد هو شكل حضور الفرد في
العالم فهو يمثل أول ما يتلقى منه في محيطه، وهذه أول عملية اتصالية علاوة أن كل
أدوات الاتصال الخاصة بالإرسال أو التلقي هي ملكات جسدية، وبتضخم مفهوم الصورة في
العقود الأخيرة الموازي للتطورات الاقتصادية والتقنية تضخّم دور الجسد وأصبح أكثر
فأكثر محورية، فالجسد هو بطل الصورة الأول وهدفها بما أنها تقدّمه مثالا للتقليد،
يبرز ذلك في الفنون البصرية وفي الإشهار إذ يمثل الجسد فيه وسيلة إقناع أساسية
فمثلا حتى إذا كان المنتوج سيارة أو مادة غذائية فان التركيز يقوم على إبراز قيمته
في الجسد لأن الجسد هو قرين الرغبة.
يزداد حضور الجسد في السياسة فحركات
السياسيين لها دور في تبليغ رسائل للمتلقين سواء بصفة واعية أو غير واعية وقد أصبح
الأداء الجسدي للسياسيين موضوع درس اليوم كما فعل المحلل النفساني جوزيف مسنجر في
كتاب "المعاني الخفية لحركات السياسيين" إذ يربط بين السياسي وأتباعه
بوجود توافق بين ما يقدّمه وما ينتظرونه جسديا. ثم ألا نرى أن تركيز السياسيين على
وسائل الإعلام المرئية أكثر بكثير من المقروءة والسمعية لتغييبها للجسد في مادتها
الإعلامية، نفهم من ذلك أن تسريب الأفكار بالصورة يأتي في مرتبة أهم من تسريبها
عبر الخطاب اللفظي القائم فقط على الأداء الصوتي والتسلسل المنطقي للحجج. لا يغيب
عنا أن هذا السياسي هو الذي يدير لعبة السلطة الطامحة لإخضاع الأجساد من حولها فلا
مجال إلا أن يستغل الجسد بقوة للإقناع والجذب و للتحيّل أو ما يسمّى بالنفاق
بالجسد والذي تقوله بعبارات أخرى القاعدة الأولى في السياسة "الغاية تبرر
الوسيلة".
للجسد نفس الدور الجوهري في الفن،
فالسينما والمسرح والرقص فنون الجسد بامتياز وهو مثل الآلة الموسيقية لدى الممثل
حيث يتم إسقاط كل الأحاسيس والأفكار والخبرات في إطار واحد هو الجسد. هذا عن دور
الجسد في الأداء، أما الجسد كموضوع فلا يخلو أي شكل فني منه – فيما عدا الموسيقى
ولكن صعود ثقافة الصورة جعلت الجسد مكمّلا للموسيقى - ويتضح هذا خاصة في نسبة تناول الجسد في النحت
وفي الرسم، حتى الفنون الأدبية فرغم أن اللغة هي المحور الذي تدور عليه العملية
الإبداعية فان الجسد هو الذي يكتب في النهاية.
علاوة على السياسي والفنان الذي له علاقة
جوهرية بأدائه الجسدي، يمثل الجسد لآخرين سبيل الرزق وتحقيق الذات اقتصاديا وهنا
نتحدث عن الجسد كمهنة بالنسبة للرياضي
وعامل الترصيف والمناجم والمومس .. حيث يصبح الجسد هو الحياة. وتقودنا علاقة الجسد
بالاقتصاد والمال إلى موقع الجسد في عالم الجريمة فهو محور عوالم الدعارة
والإباحية وتجارة الأعضاء البشرية وهو وسيلة الإفساد القيمي.
علاقة المجتمع المتوترة مع
الجسد
إن المجتمع هو الذي أوصل الجسد إلى
الصورة التي هو عليها الآن. فلو تساءلنا ماذا يفعل الناس بأجسادهم في مجتمعنا؟
يمكن الحديث في مجتمعنا اليوم عن ثلاث
فئات كبرى: فئة المنحازين لمظاهر التديّن ومنطقها مع الجسد هو الحجب والحرمان
يقابلهم فئة الانفتاح المفرط على الغرب بمنطق علوية الجسد إلى حد توثينه، ويقع
بينهما أغلبية لا توافقهما إلا في القليل وهؤلاء تبقى ممارساتهم خاضعة للتصوّر
الاجتماعي الموروث الذي يتميّز بلامبالاته تجاه الجسد. وفي الثلاث حالات يمتهن
الجسد.
من بين الممارسات الموجّهة للجسد نجد الإهمال
والتقليد والنمطية ومحاصرته بالتابوهات المتعسفة مما يؤدي إلى منعه من اللذة
والجمال والتقدير وتركه للألم والأمراض علاوة على التدجين والتلقين وتعريضه للعنف
المباشر والاستغلال أو لجبروت الغريزة مقابل الكبت والحرمان (العنف السلبي)
وإبقائه مقصى من دائرة الإشباع وأحيانا يتم التعامل مع الجسد بمفهوم الجثة بأن
يوارى أو يتخلص من صورته. إن وجود مشكلة بين الإنسان وجسده تصنع ضرورة مشكلة بين
الإنسان وحياته، والمجتمع هو مجال تراكم هذه المشاكل. كما نلاحظ التباسات تضيّق
على الجسد مثل ربط مفهوم الشرف بالجسد وإسقاطه خصوصا على جسد الزوجة أو الابنة
المرتبطين بفكرة الملكية في المجتمعات الأبوية في حين أن مفهوم الشرف يتم التساهل
فيه لو تعلق بالشرف المهني أو العمومي.
تبقى علاقة المجتمع العربي بالجسد في
حاجة إلى مراجعة شاملة، لأن البقاء بنفس التعامل معه يعيق أي فرصة للتقدم إلى
الأمام في أي مجال، فمن بين المفاهيم الثلاث التي يقع بينها الإنسان يظل الجسد هو
الأدنى موضعا بعد العقل والروح لذلك يقول الكاتب الصحفي مأمون فندي في مقال له بجريدة
الشرق الأوسط " الجسد هو الثلث المعطل للحياة العربية سياسيا وثقافيا".
الإسلام كدين للجسد
إن نظرية الإسلام في الجسد غير
متعالية، فالإسلام دين ضد الحرمان والكبت:
إذ لا يقبل الجسد المجرّد من نوازعه ورغباته ويدعو لعدم تعريض الجسد للشهوات دون
تنفيس ويبرز ذلك مثلا في حثه على الزواج والتيسير فيه ويبقى التضييق الذي يرافق
الزواج من صنع المجتمع الذي ينتج بذلك ما سمّيناه سابقا بالعنف السلبي تجاه الجسد.
ثم إن الإسلام لا يمكن فهمه بمعزل عن عباداته فممارسات الصلاة والصيام والحج
والوضوء تدور كلها حول الجسد، يقول فريد الزاهي في كتاب الجسد والصورة والمقدّس في
الإسلام "ظل الجسد خادما للمقدّس الإسلامي وسندا له" رغم ذلك فإن
"مفهوم الجسد حبيس النص الفقهي ولم يجد له مرتعا سوى في النص التخييلي شعرا
كان أو حكيا". في داخل هذه المنظومة الفقهية نلاحظ أن تناول الجسد يوازيه
تضخّم لمفهوم العورة حتى تحوّل تناول الجسد من منظور إسلامي إلى ما يشبه البدعة.
وأسقط ذلك على حركية المجتمع وأصبح منتجا لقيم مفارقة للتصوّر الأصلي للجسد في
الإسلام قادت إلى صعود فكر متشدّد أو ما ورائي.
عموما لا تنفصل الأديان عن الجسد سواء
بطقوسها التعبّدية أو بما تحيط الجسد به من تعاليم، ويبقى الختان أبرز مظهر لذلك
إذ يمثل عهدا بين الله والعبد يكتب في جسد المخلوق. كذلك ترتبط الخطوات الأولى
للإنسان بالجسد في قصص الخلق المختلفة يبقى أبرزها قصة الخطيئة الأصلية في
الديانات السماوية الثلاث أو قتل قبيل لهابيل وكذلك في صلب يسوع حسب التصوّر
المسيحي إذ أن فداء الإنسان من الخطيئة الأصلية تمّ عبر الجسد في إشارة لأن كل
طريق للخلاص يمرّ منه.
مصالحة الجسد
إن بداية الطريق لتغيير أنفسنا -ومنه
لتغيير واقعنا- يمر من إعادة تأسيس علاقة أكثر وعي وجديّة مع الجسد، وإن تمجيده لا
نقصد به توثينه ولا يعني نبذ الجانب الروحاني أو مصادرة العقل فكلاهما ينتظر سندا
جسديا متينا، نحتاج إلى نظرة معتدلة للجسد لا تهمّشه ولا تقدّسه وأن نعمل على وضعه
في المكانة اللائقة به لأنه العنصر الظاهر الذي يمكن أن نلمس حجم المنجزات فوقه.
وإن إحدى معضلاتنا اليوم أننا حين نُمنح الحريّة لا نحسن استغلالها ونبقى مرتبكين
أمامها، وكما أشرنا سابقا فالحريّة تمارس في الجسد وعبره، غير أننا بعدم فهم دور
الجسد وقيمته نعطي فرصة للبعض كي يجعلوا منه أداة تحقيق غايات لا تكون في صالح
الجميع وهم من يقول فيهم طاغور: كل ما يحرّر الإنسان يحوّلونه إلى قيود.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق