عندما علمت بنية استقدام الداعية وجدي
غنيم تمنيت أن يتم العدول عن ذلك ففي ظل هشاشة التوافق الشعبي التونسي اليوم ليس
عسيرا معرفة ما ستؤول إليه الأمور وخشيت أن تكون زيارته فرصة لتصفية حسابات سياسية
من فئات تتربص بخصومها وتعد عليها أصغر العثرات دفعا لأسباب التخاصم وتجنبا لحدوث
موسم مزايدات جديد. كل ذلك كان متوقعا إلا لدى من تصامم وصمم أن يسير بنا في هذا
المنعرج واني أبرئ الشيخ غنيم من تهمة البحث عن إثارة الفتنة في تونس وهي التهمة
التي هي أولى أن توجه للمنظمات التي استقدمته ثم لأولئك الذين نفخوا في رماد
الخلافات المعلقة وصنعوا حربا من التعليقات والاتهامات. رغم كل هذه النقاط السلبية
اقتنعت في الأخير أن زيارة وجدي غنيم تنطبق
عليها مقولة "رب ضارة نافعة" لقد كان هذا الحدث فرصة لكي نميز بين الحقيقي
والمزيف ونزن الأشخاص بمعايير دقيقة وأهم منفعة أنها منحتنا موقعا جيدا لنرى بوضوح
ظاهرة التهافت التي تنخر حياتنا العامة اليوم.
من
قاموا باستقدام الشيخ غنيم يعلمون حجم الإقبال الذي من المتوقع أن يحصل وكانوا قد
تهيئوا لهذا الحدث جيدا فاختاروا الأماكن القادرة على استيعاب الجموع الغفيرة التي
ستحضر وجندوا الكثيرين للدعاية في الجامعات والجوامع والأماكن العامة ويعلم هؤلاء
حجم رد فعل الحداثيين الذين سيعودون إلى تخويف الشعب من المد السلفي لذلك كان أحرى
بهم العمل بقاعدة سد الذرائع. من ناحية أخرى يعتبر وجدي غنيم من أكثر الوجوه
الدعوية حضورا سواء في الفضائيات أو الانترنيت فكان أحرى تجنيب تونس مثل هذا الجدل
البيزنطي الخاوي في هذه الفترة الغير مستقرة ثم ألا نلاحظ توافقا ما بين السلفيين
والحداثيين فهما دائما قطبي الجدال الفوضوي الذي يكسر جسور العودة لتهدئة النفوس
في البلاد من هذه النقطة يتضح تهافت
العلمانية والسلفية المشترك فيما يبدو أحيانا شبه تحالف بمنطلق المصلحة الواحدة
وهما المحسوبان في المعارضة.
من ناحية العلمانين (الذين يتحولون
أحيانا إلى سلفية علمانية) لا يمكنهم أن يحلموا بفرصة أفضل من هذه لدفع خصومهم لموقف
الدفاع فيما يكيلون هم الهجومات والشتائم فاندفعوا تاركين مشاغلهم اليومية وغير
عابئين بالبرد لكي يسجلوا دفاعهم عن الحرية بهجومهم على مواقف وجدي غنيم وهم بذلك
يفضحون تناقضهم فهم مع الحرية طالما مررت توجهاتهم وهاهم يوجهون أسلحتهم وأبواقهم
الإعلامية لكل رأي يخالفهم ألا تشمل حرية التعبير الشيوخ والدعاة كذلك؟
وكان رأي وجدي غنيم في ختان البنات أكبر
الفرص فهم يعلمون جيدا كيف سيتقبل التونسيون الأمر لذلك نشطت السخرية الفايسبوكية
وصار تقييم الرجل مرتبطا بتقييمه في مسألة لم يستطع أحد من علمائنا أن يجادله فيها
فما بالكم بإظهار خطئه. العلمانيون لم يروا سوى فرصة كسب المواقع في الرأي العام
واقتحم هذا الجدال السلفيون وبعض المنتمين للأحزاب ذات المرجعية الدينية من باب أن
ما يقوله العلمانيون خاطئ ضرورة وبغض النظر هل أن رأي الذي انكبوا للدفاع عنه صائب
أن لا. بالمناسبة سجلنا أن لا أحد من أنصار العلمانية تجرأ على مجابهة الشيخ غنيم
ربما يعلمون حجته إذ سيقول لهم من الأولى بالتقديس مبادئ الديمقراطية أم مبادئ
الإسلام وما دام الشعب مصرا على هويته الإسلامية
وقد خبروا تصلب الشعب التونسي في هذه النقطة فان مثل هذا الجدل يبدو محسوما على المستوى
الشعبي وقد اتقوا سخرية الشيخ اللاذعة الذي سيراهم خارج مبادئ الديمقراطية كما هم
خارج مبادئ الإسلام حسب تقييماته الخاصة.
من ناحية أخرى أدلى الرئيس المؤقت منصف
المرزوقي بدوله في الموضوع وأراد أن يظهر أبوته بإعلانه بشجاعة انه ضد مواقف غنيم ربما
تصور أنه يعبر عن رأي أغلبية شعبية مندفعا لإعلان مواقفه المشحونة بالهجائية وهو
الطامع في رضا هذه الأغلبية في المواعيد المقبلة.
المرزوقي داعية الحرية في سنوات بن علي يصبح بعد أن وجد مقعدا في السلطة متحاملا
على حرية البعض في التعبير عن مواقفهم. كم لهذه الكراسي من سحر وسلطة على الجالسين
عليها.
كانت الفرصة مهيأة لنعرف حجم علماء الدين
ومؤسساته في بلادنا ولقد ظهرت في الأيام التي حل فيها وجدي غنيم إلى تونسي مصطلحات
الإسلام المعتدل والوسطي والمدرسة التونسية في الإسلام وبرزت فكرة الإسلام التونسي
وقد كان الشيخ غنيم حاسما وحازما في هذه
المسألة إذ صرح أنه لا يوجد إسلام تونسي وآخر مصري أو إيراني أو سعودي فهذا
التقسيم مرتبط بالحدود القطرية التي هي حدود وضعها المستعمر هذا درس لفائدة الشعب
برمته ممن اختلطت عليه الأمور والمفاهيم ليعيد فهم فكرة الدين بعيدا عن مسلمات
العلماء وما تبثه الدعاية والمناهج التربوية
ولقد جلس الشيخ غنيم مع علماء دين تونسيين من مختلف المواقف والمؤسسات
وكانوا في أول اللقاء مثابرين للتهجم على مواقفه فلما تبين علو كعبه وقوة شخصيته بادروا
بالمهادنة وانقلب بعضهم مؤيدا لفكره. لقد دلتنا زيارة الشيخ على حجم المسافة بين
الإسلام الرسمي في تونس والإسلام ولا أقول إن غنيم يمثل الشكل الإسلامي الصحيح ولكنني
أقول أن التونسيون غير قادرين على الدفاع على إسلامهم فيما يرى هو أن إسلاما
بخصائص مرتبطة بالظروف التاريخية والجغرافية بدعة ولن يجدوا ما يجيبوا سوى لغتنا
الخشبية المعروفة من مخلفات الاستعمار وسياسات بورقيبة العلمانية وآلة بن علي القمعية
الموجهة للدين.
وكذلك تبين لنا حجم الهوة التي تفصل علماء الدين
عن مجتمعهم هوة تصورنا أنها بدأت تضيق
بظهور الشيخ عبد الفتاح مورو في وسائل الإعلام ولكن الزيارة أيضا ساهمت بإلقاء الضوء أكثر على
خلفيات هذا الأخير ووضعته في حجمه الصحيح فطوال
الأسبوع تحول الشيخ إلى نصير الشعب التونسي والمدافع عن هويته الإسلامية من
التحريف والتطرف وقد أعجب به حتى العلمانيون الذين رأوا فيه صورة للشيخ الحداثي
المعتدل غير أن المواجهة بين الشيخ التونسي والشيخ المصري لم تشهد اختلافا فسرعان
ما هيمن الشيخ غنيم بثقافته الدقيقة ورفضه للتنازلات فوجد مورو نفسه مجبرا على إتباع
سياسة جديدة بوضع نفسه في نفس الخندق مع الشيخ غنيم لكي لا يجد نفسه معرضا لهجمات الشيخ المصري وهو
يعلم أنه لن يستطيع الدفاع عن مواقفه كما حاول الشيخ مورو إقناع الشيخ غنيم أن لا
يتم تسجيل اللقاء بينهما متعللا بأن خلافا بينهما قد يستغله أصحاب النوايا الخبيثة
لزعزعة موقع الإسلام في تونس ولكنه في النهاية صرح بما أطلق ألسنتهم بأن مشروعه
ومشروع النهضة هو أسلمة المجتمع التونسي على المدى البعيد بإتباع سياسة المراحل
وهو شكل من أشكال التهافت المزدوج. أما أعجب عجائب التهافت فهي عنوان الصفحة الأولى
من جريدة الصريح ليوم الاثنين 20 فيفري "الشيخ مورو يلقن الشيخ غنيم درسا في
الإسلام" الدرس الكبير هو درس التزييف الممنهج للإعلام البنفسجي وقد تعرى لنا
سوء نية هذا الإعلام ولعلها كانت أبرز منافع "الفتنة" التي أثارها غنيم
بقدومه.
نحن نرى اليوم أن أي حدث يقع في تونس مؤهل للتحول إلى
ميدان خلافات وتصفية حسابات كما حدث في محاكمة نسمة أو زيارات المرزوقي الخارجية
أو تصريح لمسئول حكومي أو حزبي إذن لن نحمل وجدي غنيم مسؤولية انقساماتنا بل علينا
أن نفهم أن سبب هذه الانقسامات كامن فينا نحن كشعب واقع تحت ضغوطات الظروف
السياسية والاجتماعية والعوامل الأجنبية وعموما
تاريخ وجدي غنيم يشهد لصالحه ويثبت أنه قامة يعتز بها المسلمون بغض النظر عن
انتماءاته لا ضير أن نذكر بشهائده العلمية التي تحصل عليها في أمريكا وعن نشاطه
الدعوي في آسيا وإفريقيا وحرصه على الحجة النقلية والعقلية في جداله علاوة على
ثقافته الإسلامية الموسوعية كان علينا أن نرى كل هذا قبل أن نحكم عليه من خلال
موقفه من ختان البنات.











