الجمعة، 23 مارس 2012

وجدي غنيم وواقع التهافت في تونس





عندما علمت بنية استقدام الداعية وجدي غنيم تمنيت أن يتم العدول عن ذلك ففي ظل هشاشة التوافق الشعبي التونسي اليوم ليس عسيرا معرفة ما ستؤول إليه الأمور وخشيت أن تكون زيارته فرصة لتصفية حسابات سياسية من فئات تتربص بخصومها وتعد عليها أصغر العثرات دفعا لأسباب التخاصم وتجنبا لحدوث موسم مزايدات جديد. كل ذلك كان متوقعا إلا لدى من تصامم وصمم أن يسير بنا في هذا المنعرج واني أبرئ الشيخ غنيم من تهمة البحث عن إثارة الفتنة في تونس وهي التهمة التي هي أولى أن توجه للمنظمات التي استقدمته ثم لأولئك الذين نفخوا في رماد الخلافات المعلقة وصنعوا حربا من التعليقات والاتهامات. رغم كل هذه النقاط السلبية اقتنعت في الأخير أن زيارة وجدي غنيم  تنطبق عليها مقولة "رب ضارة نافعة" لقد كان هذا الحدث فرصة لكي نميز بين الحقيقي والمزيف ونزن الأشخاص بمعايير دقيقة وأهم منفعة أنها منحتنا موقعا جيدا لنرى بوضوح ظاهرة التهافت التي تنخر حياتنا العامة اليوم.
 من قاموا باستقدام الشيخ غنيم يعلمون حجم الإقبال الذي من المتوقع أن يحصل وكانوا قد تهيئوا لهذا الحدث جيدا فاختاروا الأماكن القادرة على استيعاب الجموع الغفيرة التي ستحضر وجندوا الكثيرين للدعاية في الجامعات والجوامع والأماكن العامة ويعلم هؤلاء حجم رد فعل الحداثيين الذين سيعودون إلى تخويف الشعب من المد السلفي لذلك كان أحرى بهم العمل بقاعدة سد الذرائع. من ناحية أخرى يعتبر وجدي غنيم من أكثر الوجوه الدعوية حضورا سواء في الفضائيات أو الانترنيت فكان أحرى تجنيب تونس مثل هذا الجدل البيزنطي الخاوي في هذه الفترة الغير مستقرة ثم ألا نلاحظ توافقا ما بين السلفيين والحداثيين فهما دائما قطبي الجدال الفوضوي الذي يكسر جسور العودة لتهدئة النفوس في البلاد  من هذه النقطة يتضح تهافت العلمانية والسلفية المشترك فيما يبدو أحيانا شبه تحالف بمنطلق المصلحة الواحدة وهما المحسوبان في المعارضة.  
من ناحية العلمانين (الذين يتحولون أحيانا إلى سلفية علمانية) لا يمكنهم أن يحلموا بفرصة أفضل من هذه لدفع خصومهم لموقف الدفاع فيما يكيلون هم الهجومات والشتائم فاندفعوا تاركين مشاغلهم اليومية وغير عابئين بالبرد لكي يسجلوا دفاعهم عن الحرية بهجومهم على مواقف وجدي غنيم وهم بذلك يفضحون تناقضهم فهم مع الحرية طالما مررت توجهاتهم وهاهم يوجهون أسلحتهم وأبواقهم الإعلامية لكل رأي يخالفهم ألا تشمل حرية التعبير الشيوخ والدعاة كذلك؟
وكان رأي وجدي غنيم في ختان البنات أكبر الفرص فهم يعلمون جيدا كيف سيتقبل التونسيون الأمر لذلك نشطت السخرية الفايسبوكية وصار تقييم الرجل مرتبطا بتقييمه في مسألة لم يستطع أحد من علمائنا أن يجادله فيها فما بالكم بإظهار خطئه. العلمانيون لم يروا سوى فرصة كسب المواقع في الرأي العام واقتحم هذا الجدال السلفيون وبعض المنتمين للأحزاب ذات المرجعية الدينية من باب أن ما يقوله العلمانيون خاطئ ضرورة وبغض النظر هل أن رأي الذي انكبوا للدفاع عنه صائب أن لا. بالمناسبة سجلنا أن لا أحد من أنصار العلمانية تجرأ على مجابهة الشيخ غنيم ربما يعلمون حجته إذ سيقول لهم من الأولى بالتقديس مبادئ الديمقراطية أم مبادئ الإسلام  وما دام الشعب مصرا على هويته الإسلامية وقد خبروا تصلب الشعب التونسي في هذه النقطة فان مثل هذا الجدل يبدو محسوما على المستوى الشعبي وقد اتقوا سخرية الشيخ اللاذعة الذي سيراهم خارج مبادئ الديمقراطية كما هم خارج مبادئ الإسلام حسب تقييماته الخاصة. 

من ناحية أخرى أدلى الرئيس المؤقت منصف المرزوقي بدوله في الموضوع وأراد أن يظهر أبوته بإعلانه بشجاعة انه ضد مواقف غنيم ربما تصور أنه يعبر عن رأي أغلبية شعبية مندفعا لإعلان مواقفه المشحونة بالهجائية وهو الطامع في رضا هذه الأغلبية في المواعيد المقبلة.  المرزوقي داعية الحرية في سنوات بن علي يصبح بعد أن وجد مقعدا في السلطة متحاملا على حرية البعض في التعبير عن مواقفهم. كم لهذه الكراسي من سحر وسلطة على الجالسين عليها. 
كانت الفرصة مهيأة لنعرف حجم علماء الدين ومؤسساته في بلادنا ولقد ظهرت في الأيام التي حل فيها وجدي غنيم إلى تونسي مصطلحات الإسلام المعتدل والوسطي والمدرسة التونسية في الإسلام وبرزت فكرة الإسلام التونسي وقد كان  الشيخ غنيم حاسما وحازما في هذه المسألة إذ صرح أنه لا يوجد إسلام تونسي وآخر مصري أو إيراني أو سعودي فهذا التقسيم مرتبط بالحدود القطرية التي هي حدود وضعها المستعمر هذا درس لفائدة الشعب برمته ممن اختلطت عليه الأمور والمفاهيم ليعيد فهم فكرة الدين بعيدا عن مسلمات العلماء وما تبثه الدعاية والمناهج التربوية  ولقد جلس الشيخ غنيم مع علماء دين تونسيين من مختلف المواقف والمؤسسات وكانوا في أول اللقاء مثابرين للتهجم على مواقفه فلما تبين علو كعبه وقوة شخصيته بادروا بالمهادنة وانقلب بعضهم مؤيدا لفكره. لقد دلتنا زيارة الشيخ على حجم المسافة بين الإسلام الرسمي في تونس والإسلام ولا أقول إن غنيم يمثل الشكل الإسلامي الصحيح ولكنني أقول أن التونسيون غير قادرين على الدفاع على إسلامهم فيما يرى هو أن إسلاما بخصائص مرتبطة بالظروف التاريخية والجغرافية بدعة ولن يجدوا ما يجيبوا سوى لغتنا الخشبية المعروفة من مخلفات الاستعمار وسياسات بورقيبة العلمانية وآلة بن علي القمعية الموجهة للدين.
 وكذلك تبين لنا حجم الهوة التي تفصل علماء الدين عن مجتمعهم هوة تصورنا أنها  بدأت تضيق بظهور الشيخ عبد الفتاح مورو في وسائل الإعلام  ولكن الزيارة أيضا ساهمت بإلقاء الضوء أكثر على خلفيات هذا الأخير ووضعته في حجمه الصحيح  فطوال الأسبوع تحول الشيخ إلى نصير الشعب التونسي والمدافع عن هويته الإسلامية من التحريف والتطرف وقد أعجب به حتى العلمانيون الذين رأوا فيه صورة للشيخ الحداثي المعتدل غير أن المواجهة بين الشيخ التونسي والشيخ المصري لم تشهد اختلافا فسرعان ما هيمن الشيخ غنيم بثقافته الدقيقة ورفضه للتنازلات فوجد مورو نفسه مجبرا على إتباع سياسة جديدة بوضع نفسه في نفس الخندق مع الشيخ غنيم  لكي لا يجد نفسه معرضا لهجمات الشيخ المصري وهو يعلم أنه لن يستطيع الدفاع عن مواقفه كما حاول الشيخ مورو إقناع الشيخ غنيم أن لا يتم تسجيل اللقاء بينهما متعللا بأن خلافا بينهما قد يستغله أصحاب النوايا الخبيثة لزعزعة موقع الإسلام في تونس ولكنه في النهاية صرح بما أطلق ألسنتهم بأن مشروعه ومشروع النهضة هو أسلمة المجتمع التونسي على المدى البعيد بإتباع سياسة المراحل وهو شكل من أشكال التهافت المزدوج. أما أعجب عجائب التهافت فهي عنوان الصفحة الأولى من جريدة الصريح ليوم الاثنين 20 فيفري "الشيخ مورو يلقن الشيخ غنيم درسا في الإسلام" الدرس الكبير هو درس التزييف الممنهج للإعلام البنفسجي وقد تعرى لنا سوء نية هذا الإعلام ولعلها كانت أبرز منافع "الفتنة" التي أثارها غنيم بقدومه.
نحن نرى اليوم أن أي حدث يقع في تونس مؤهل للتحول إلى ميدان خلافات وتصفية حسابات كما حدث في محاكمة نسمة أو زيارات المرزوقي الخارجية أو تصريح لمسئول حكومي أو حزبي إذن لن نحمل وجدي غنيم مسؤولية انقساماتنا بل علينا أن نفهم أن سبب هذه الانقسامات كامن فينا نحن كشعب واقع تحت ضغوطات الظروف السياسية والاجتماعية  والعوامل الأجنبية وعموما تاريخ وجدي غنيم يشهد لصالحه ويثبت أنه قامة يعتز بها المسلمون بغض النظر عن انتماءاته لا ضير أن نذكر بشهائده العلمية التي تحصل عليها في أمريكا وعن نشاطه الدعوي في آسيا وإفريقيا وحرصه على الحجة النقلية والعقلية في جداله علاوة على ثقافته الإسلامية الموسوعية كان علينا أن نرى كل هذا قبل أن نحكم عليه من خلال موقفه من ختان البنات.

وجدي غنيم ..الكوميديا المنقبة




يبدو أن علينا أن نفهم أن الثورة أدخلت على التونسيين عادات جديدة من بينها عادة انتهاز الفرص للخلاف فأي حدث يقع مهيأ للتحول إلى ميدان خلافات وتصفية حسابات تذكروا محاكمة قناة نسمة وبيان الباجي قائد السبسي وأي زيارة خارجية للمرزوقي أو الجبالي أحيانا خبر في جريدة أو حادث مرور وأخيرا موجة البرد التي جثمت على البلاد والتي حولتها هشاشة البنية التحتية والتغطية الإعلامية إلى كارثة وطنية تستدعي الإعانات الأجنبية  كان أحرى أن تجمع مثل هذه الطوارئ الخصوم من أبناء الوطن الواحد ولكن  هاهي تتحول هي الأخرى إلى مهرجان من المزايدات والتلاسن. 

في هذا الجو المشحون وفي هذا الطقس البارد جاء الشيخ وجدي غنيم إلى تونس ليلقي المحاضرات أمام الآلاف  – وظاهرة استدعاء المشايخ المصريين أو الخليجيين إلى تونس موضة تنتشر  تذكر بظاهرة استقدام المغنيات المصريات أو اللبنانيات – وهو صاحب شعبية كبيرة بما انه نجم من نجوم الفضائيات الخليجية الدينية ونمط استثنائي من الدعاة اذ يجمع بين السلفي المتشدد وصاحب النكتة الساخر بامتياز حتى أن البعض يعتبره صاحب موهبة كوميدية تتفوق على الكثير من أهل الميدان كل هذا مع ثقافة دينية متينة عمودها الرئيسي ذاكرة فولاذية تحفظ القرآن بتفاصيله الدقيقة عن ظهر قلب فهو يأتي بالآية ورقمها في السورة وسنة وحادثة نزولها. عنصر آخر مثير وغريب هو تكوينه في التجارة وإدارة الأعمال وتحصله على شهائد عليا من الجامعات الأمريكية وانتمائه في السبعينات للجيش المصري. وجدي غنيم مصدر إزعاج لدى الدوائر الرسمية أينما يحل فكثيرا ما منع من إلقاء المحاضرات أو يتم طرده من البلدان التي يقيم فيها مثل البحرين وانجلترا لانحيازه المعلن إلى الإسلام التكفيري.
وكذلك لا يلقى وجدي غنيم أي ترحيب من الحداثيين ومن كل الفئات الإسلامية غير السلفية لذلك منذ أن أعلن عن نية استدعائه إلى تونس نشط الفايسبوك تهكما عن الداعية الذي يدافع عن النقاب كمبدأ إسلامي لا يناقش ويعتبر الفن من محرمات الدين  وتبقى إحدى عجائبه التي لا ندري هل هي من باب الدعوة أم من باب التنكيت اعتباره ختان البنات عملية تجميل. الفرصة كانت مواتية للكثيرين للتهكم من هذا النوع من الإسلام الظلامي القادم من الصحراء وكان فرصة لتمرير مواقف سياسية من أصحاب الخلفيات اليسارية والعلمانية فيما تدافع أنصار السلفية وبعض المنتمين للأحزاب ذات المرجعية الدينية في هذا الجدال من باب أن كل ما يقوله هؤلاء العلمانيون هو خاطئ بغض النظر هل أن الرأي الذي انكبوا للدفاع عنه صائب أم لا.
الدعوة لاستقدام وجدي غنيم كانت من جمعيات سلفية تونسية وهي التي تتصور أنه بمثل هذه الشخصيات يمكن حقن الدماء الوهابية في عروق الثورة التونسية لذلك كان الموقف الرسمي التونسي من سياسيين ورجال دين غير مرحب بمجيئه فقد دعا المفتي عثمان بطيخ لتجنب استقدام الدعاة المتشددين للابتعاد عن إثارة الفتنة في المجتمع التونسي كما أن الشيخ عبد الفتاح مورو جاء صراحة ضد استدعاءه معتبرا أن التونسيين يعرفون أي إسلام  يتماشى مع مجتمعهم وقد كان تصريحه مناسبة أخرى لتهافت العلمانيين بما أنهم وجدوا في الأمر "وشهد شاهد من أهلها". 
أخيرا يمكن القول أن هذه الدعوة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون ورائها نية حسنة فمن استقدموه كان في بالهم ولا شك حجم الإقبال الذي سيحصل وقد أعدوا لذلك جيدا كما أنه من جهة أخرى يعتبر وجدي غنيم من أكثر الوجوه الدعوية حضورا سواء في الفضائيات أو الانترنيت فكان أحرى تجنيب تونس مثل هذا الجدل البيزنطي الخاوي في هذه الفترة الغير مستقرة. لمثل هؤلاء أتوجه بالسؤال  ماذا سيكون موقفهم حين تدعو إحدى المنظمات  نادية الفاني أو سلمان رشدي أو نوال السعداوي لا شك سيرون في ذلك استفزازا شديد اللهجة وسيرون حتما فرصة كبيرة للهجوم والمزايدة. 

فرنسا المتلونة .. الشريك غير النزيه




التلون المنفعي أو ما يصطلح على تسميته بقلبان الفيستة في العامية التونسية هي التهمة التي تنغص حياة  رجال الصحافة التونسية اليوم  وعديد من الإطارات في الميادين الاقتصادية والإدارية وحتى العامة  إنما هي في الأخير تعبير أو متنفس شعبي يعكس عدم ثقة تجاه المؤسسات وأحيانا تجاه الدولة. وأننا نرى أن التزييف الممنهج الذي نخر صحافتنا طوال سنوات السابقة كانت تقابله نفس الظاهرة في فرنسا  وكذلك الأمر فيما يخص ظاهرة التلون البارزة في تونس اليوم  إذ يوازيها نفس الشيء في فرنسا والتي – حتى رسميا - تعاملت مع الثورة التونسية من هذا المنطلق. إن" قلبان الفيستة" يصبح أحيانا جزءا من سياسة دولة عظمى.
حين كشفت الأسبوعية الفرنسية"لو كانار أونشيني"الساخرة والمختصة في التحقيقات  في عدد 29 جوان 2011 عن أسماء الصحفيين الفرنسيين الذين تعاملوا مع نظام بن علي بما سمته "شبكة التأثير غير المعلنة " المكلفة بتلميع صورة نظام بن علي في فرنسا حدثت ضجة في فرنسا قادتها فئات من المجتمع المدني والصحفيين وهذا عادي جدا خاصة أنه زمن الاستعداد للمواسم الانتخابية في فرنسا ومثل هذه الأشياء تكون وسائل للضغوط وتوجيه الرأي العام.
من جهتهم سرعان ما تدارك هؤلاء الصحفيين هذه الهزة بأن استغلوا الفرصة بالاندماج في سياق المواقف السياسية الفرنسية الداعمة لثورة الشعب التونسي. 

تكشف لنا "لوكنار أونشيني" ما يقدر بـ 200 ألف يورو تدفع سنويا كتسديد حساب في إطار عقد  بين الوكالة التونسية للاتصال الخارجي وهذه الشبكة التي تديرها آن ميو صاحبة مؤسسة "ايماج 7" المختصة في الاستشارات المتعلقة بالاتصالات  أهم الأسماء هي لـ : ايتيان موجوت  مدير قناة تي اف 1 من 1988 إلى 2008 وهو الآن رئيس تحرير "لو فيغارو" , فراسواز لابورد مقدمة نشرة الأنباء في قناة فرانس 2 , نيكولا دو تافرنو  مدير قناة آم 6 منذ العام 2000
ويبدو واضحا تركيز النظام التونسي على القنوات التي تتمتع بأعلى نسب مشاهدة سواء في فرنسا أو في تونس. في القائمة كذلك آلان وايل مدير راديو" أر آم سي" والقناة الإخبارية "بي آف أم تيفي"  ورئيس التحرير السابق لمجلة "فالور اكتوال" جيرار جاشي ودومينيك دو مونفالون رئيس تحرير "لو بارزيان" سابقا. مثلا كان هذا الأخير مبعوث صحيفة "فرانس سوار" إلى تونس في شهر جويلية الفارط لتغطية الأوضاع في تونس وهي تعيش التحضيرات للحملات  الانتخابية وكذلك لرصد تعامل التونسيين مع الحرب الدائرة في ليبيا قال في مقالته المشورة في 26 جويلية 2011 "ليس هناك في الحقيقة تونس واحدة إنما هناك ثلاث. تونس المدن الكبرى التي عاشت ثورة الياسمين مثل تحرير والتي تجتهد اليوم لبناء الجمهورية المثالية فوق أنقاض نظام بن علي المتسلط والذي أصبح مع الوقت نظاما فاسدا. ثانيا تونس الأرياف التي تزمجر غضبا لأن أبنائها لم يستفيدوا من انجازات السنوات الـ 15 الأخيرة ويريدون أن يكون لهم نصيب هذه المرة . أخيرا تونس المطلة على البحر التي لا تبكي سقوط بن علي بقدر خوفها من الإسلاميين – واستغل شبابها الفرصة للعبور للضفة الشمالية للمتوسط- ". نفس هذا الشخص قد نصب نفسه منظرا للثورة التونسية فهو في إطار هجومه على دومينيك ستروتكان -الذي كانت سنة 2011 بالنسبة له كما لبن علي سنة مشئومة -  قال "أن بن علي التلميذ النجيب لدى صندوق النقد الدولي قد صنع بانقياده الأعمى للسياسات المقدمة إليه طبقة وسطى هي العامل الأساسي في قلب نظامه".  وقد أشار الكثيرون إلى  أن زيارة دو مونفالون هذه إلى تونس غير بريئة بالمرة لانتماءاته اليسارية المعروفة. تونس بالنسبة لهؤلاء جميعا ليست إلا ورقة تدفع أو تسحب كلما وجدوا في ذلك وسيلة للمنفعة أو الابتزاز. إن تبعية رجل الصحافة هي معضلة هذه المهنة ,المعضلة التي تهدم المبدأ الأهم في أخلاقيات السلطة الرابعة وإذا ما كان هذا حال الصحافة الفرنسية العريقة والقوية فما بالكم بصحافتنا المرتبكة والهزيلة ولكن كيف تجاوز ذلك في جو من إغراءات المال والمناصب.               
القائمة تضم أيضا صحفيين غير متخصصين في السياسة (مثل ميشال شيفر وماري آنج هورلافيل من "لوفيغارو" المختصين في عالم الأناقة والجمال)  ممن كانت الجهات الرسمية في تونس تشتري ولاءاتهم بدعوات خاصة في النزل الفاخرة وإذا كانت هذه العملية معقولة لانعكاسها الايجابي على نصيب تونس من  سوق السياحة التنافسي فان المسألة تتحول إلى درجة الريبة إذا تعلق الأمر بالمقربين من الرئيس ساركوزي أهمهم  وزيرة الخارجية السابقة ميشال آليو ماري ووزير الدفاع الحالي جيرار لونغي كما كان المستشار الخاص لساركوزي هنري غينو واحد ممن انتفعوا بهذه الدعوات وهو الذي كان يبرر مثل هذه الاقامات في تونس بأنها مجرد زيارات لا أكثر ولا أقل في حين كانت الصحافة المستقلة تسمي ذلك بالامتيازات مقابل التملق. إن مثال الوزيرة آليو ماري ليس حالة منفردة- كما تصر فرنسا الرسمية على ذلك - جلي أن جزءا كبيرا من فرنسا الحكومية أو غير الحكومية متورط  في سوء النية تجاه تونس.

تاريخ الرقابة الصحفية في تونس





يقول علماء الاجتماع أن الطفولة هي فترة الوقوع تحت وصاية جميع أشكال السلطة. يمكن إسقاط هذا التعريف بسهولة على حال الصحافة لدينا فالصحفيون في تونس كالأطفال تماما واقعون تحت جميع أشكال السلطة فيما تزعم الأدبيات الإعلامية أن الصحافة هي السلطة الرابعة. غير أن واجب الصحافة دائما أن تفتك مكانتها  تلك على حساب السلط الأخرى لذلك تجد نفسها تحت مختلف الوصايات وينشأ مفهوم الرقابة. في الحقيقة  الصحافة  نفسها بما هي جزء من الحريات ومن الفكر الناقد تستدعي الرقابة كنقيض لها ليلعب الصحفيون أدوارهم  في سياق هذا الصراع الأزلي فلنقف إذن قليلا على تاريخ هذا الخصم المباشر لأن الرؤية الصحيحة لما وقع ربما يمككنا من الخروج من محنة الطفولة الصحفية. وسوف نلاحظ أنه جزء لا يتجزأ من تاريخ تونس المعاصر فلا يمكن فهمه دون الرجوع بالنظر إلى تاريخ الرقابة الصحفية إنهما  في كلمة تاريخان متوازيان.  


كان الفرنسيون العامل الأساسي في دخول الصحافة إلى تونس فأولى المطابع جلبوها  مع مشاريعهم الاقتصادية قبل الاستعمار – وكانت خطوة لاختراق البلاد - وواكب صعود ظاهرة الصحافة الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر نشريات فرنسية في تونس وقد كانت بوادر النهضة العربية الآتية أصدائها من المشرق دافعا لظهور الصحافة باللغة العربية غير أن قلة القارئين بالفرنسية وضيق الفئة المتعلمة التونسية كانا عاملين لتهميش دور الصحافة. صدرت أول جريدة تونسية "الرائد التونسي" عام 1860 بإشراف محمد بيرم الخامس بأمر من الباي والوزير خير الدين باشا  وكانت إخبارية تعنى بنشر المراسيم العلية وتوزيع الملكيات العقارية والتسميات الإدارية والعسكرية وقد تحولت بعد ذلك إلى الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ورافقتها عدد من الصحف غير منتظمة النشر. بما أن أصحاب المطابع وكتاب المقالات من المقربين أو المشتغلين بالسلطة فلم تكن الرقابة الصحفية موجودة.
سيكون تطور العلاقة بين تونس وفرنسا بعد معاهدة الحماية منذ 1881 بداية للانفصال بين النشر والسلطة وعامل ظهور الرقابة والصحافة بشكلها الحديث. في سنوات الاستعمار كانت الصحافة تحت الوصاية الفرنسية التامة أو بالأحرى تحت الاضطهاد الفرنسي المباشر. قليلة هي الدوريات التي لم تكن قصيرة العمر وأقل منها من كانت منتظمة النشر. في 14 أكتوبر 1884 صدر مرسوم يفرض كفالة 10 آلاف ريال على كل جريدة سياسية و5 آلاف ريال على كل أسبوعية عامة بهدف تعطيل النشر واحتكاره لكن الفئات الميسورة التونسية كانت قادرة على تجاوز هذا الشرط فظهرت  جريدة "الحاضرة" منذ  1888 لسالم بو حاجب التي  غلب عليها الجانب الاجتماعي ولم تكن شديدة اللهجة ولذلك لم تتعرض لغضب السلطات وبدأت شعبية الصحف مع جريدة "الزهرة" لعبد الرحمن الصنادلي  1890  وحين أحست السلطات الفرنسية بتفاقم الخطر الصحفي عليها روجع القرار عدة مرات وأصبح التدخل في المسائل الإدارية ثم التحريرية تحت غطاء القانون مما شل الصحافة التونسية التي اضمحلت تقريبا إلى حدود سنة  1904  حيث ظهرت قليل من النشريات بالعربية. في عام 1907 قررت حركة الشباب التونسي التي يتزعمها علي باش حانبة  إصدار جريدة "التونسي"  وكان عبد العزيز الثعالبي من أهم الحريصين على دخول الصحف في معركة المجابهة الاستعمارية وقد انشأ العديد من الصحف أهمها "سبيل الرشاد" و"الفجر" ومنذ 1910 برزت ظاهرة الجرائد الهزلية بجريدة "المضحك" وكانت أهمها جريدة "السردوك" للشاذلي الفهري التي أعاد إصدارها محمود بيرم التونسي في 1937 حين تم نفيه من مصر وكانت مع جريدة "السرور" لعلي الدوعاجي تمارس نقدا شعبيا للاستعمار وبدأت الصحافة تخرج من قوقعتها النخبوية والأهم من ذلك أنها دخلت ميدان المواجهة السياسية المباشرة ولكي لا تتفاقم الظاهرة  عادت في 1911 القرارات الصارمة وذلك بمنع كل الجرائد العربية غير جريدة "الزهرة" بعد أحداث مقبرة الجلاز. في 9 سبتمبر 1913 اثر إعلان حالة طوارئ استغلت السلطات الفرنسية الفرصة لكي تمنع كل النشريات حتى 1916 وقتما ظهرت محاولات محتشمة لإعادة الروح في الصحف التونسية. في 1922 وضعت السلطات نصا قانونيا يميز فيه بين شروط  نشر الدوريات بالفرنسية والدوريات بالعربية وفي في عام 1926 بدأت النصوص القانونية تفرق في عمليات المنع حيث أن مرسوم 29 جانفي 1926 يوقف النشريات المخالفة سياسيا أي التحريضية. كان سبب تطور النصوص القانونية هو تطور الصحافة في العالم بعد الحرب العالمية الأولى إذ كانت مواقف السلطات الفرنسية في تونس تساير ما يحدث في صحافتها.
في الثلاثينات كانت موجة عودة الطلبة التونسيين المتخرجين من الكليات الفرنسية المحرك الأساسي للعمل الصحفي حيث ظهر أخيرا "الصحافي" الذي أصبح  معترفا به كمهنة في عام 1935 غير أنه ألغي في 1937 حين كانت تونس تستعد للسنوات القاسية في المواجهة الدموية المسلحة للمستعمر. من الناحية القانونية لن يعود الصحفي المحترف إلا في عام 1952 . كان تشكل الفكر الحزبي دعامة الصحافة الناهضة وأصبح التحزب والكتابة الصحفية مترادفين وكانت جرائد مثل جريدة "الأمة" التي ينشر فيها الطاهر الحداد وجريدة "لاكسيون تونيزيان" التي أسسها البشير المهذبي والحبيب بورقيبة عام 1932 وضمت الدستوريين الجدد تمثل ثورة في الصحافة التونسية نظرا لقيمة الأقلام ولوجود ميدان واسع للعمل الصحفي ووجدت الحركات الوطنية و النقابية في الصحافة وسيلة للتنظيم والتحريض حتى صارت الصحافة في الأربعينات عنصرا أساسيا في العمل النضالي وهيمنت الصحافة الحزبية على الأشكال الصحفية الأخرى ولم يبدأ الخروج من الأطر الحزبية إلا عام 1951 بتأسيس الحبيب شيخ روحه جريدة الصباح التي ستكون الجريدة الأولى في تونس المستقلة.

بعد الاستقلال ضمن الدستور التونسي في فصله الثامن "حرية الرأي والتعبير والنشر والاجتماع وتأسيس الجمعيات وتمارس حسبما يضبطه القانون" كان كل ذلك من باب وضع دستور يليق بدولة تريد أن تكون مثالا للحداثة في العالم العربي ثم يبدو أن بورقيبة وأعضاء المجلس التأسيسي عموما كانوا متعاطفين مع الصحافة التي عاشروها سنوات وكان  النظر إليها من زاوية الامتنان بما حققته لهم وللوطن غير أنها ستبدأ شيئا فشيئا توجه نظراتها النقدية إلى سياسات أصحاب القرار ولذلك كان على الرقابة أن تحظر.  
في سنوات الاستقلال الأولى كان على الصحافة أن لا تحصد ما زرعته طوال السنوات السابقة  إذ استقطبت مشاغل الدولة والسياسة تقريبا كل النخبة المثقفة التي أنتجتها الثلاثينات والأربعينات فاعتزل محمود المسعدي مثلا  العمل الصحفي والأدبي لكي يتولى المناصب الوزارية وكذلك فعل آخرون ساهم ذلك في غياب الثقل الذي كانت تمارسه الصحافة في الميادين الاجتماعية والثقافية.
بخصوص الرقابة كانت في أوائل عهد بورقيبة رقابة غير مقصودة إذ يمكن القول أنه لم يكن هناك داع للرقابة ما دامت النخبة الصحفية في ذلك الوقت - الستينات خاصة – تدور في فلك بورقيبة الشخص وكان الولاء للمجاهد الأكبر هو الرقابة الفعلية لقد كانت المواقع مشغولة بجيل يخلط عن حسن نية بين الولاء لبورقيبة والوطنية  ثم كان النقد الذي يوجه للحكومة أو للحزب بمثابة النقد الموجه للرئيس فقد توحدت المفاهيم الثلاثة في مفهوم واحد: بورقيبة ولم يعد هناك أي هامش للنقد السياسي. في هذا المناخ لا يمكن للصحافة أن تنمو ولقد اعتبر أول من نقدوا بورقيبة ناكرين للجميل – ليس من السلطة فحسب ولكن حتى من الشعب كذلك – الرقابة كان يمارسها شعب بأكمله. ثم جاء معهد الصحافة الذي أسسه هذا الجيل الأول عام 1968 وألقى بوجهة نظره في الصحافة على الأجيال التالية. هكذا بدأت عجلة الصحافة بعد الاستقلال تدور في حلقة مفرغة إن صحافة كتلك لم تكن تحتاج إلى رقابة   وأصبح مفهوما أن دور الصحافة يقف عند  نقل ما يدور من الأحداث وتحول عمل الصحفي مثل عمل أي موظف واتسعت تبعا لذلك الهوة بين الصحافة والمجتمع.  

في السبعينات ومع ظهور فئات نخبوية صاعدة من رحم الجامعة التونسية بدأت صحافة جديدة بالظهور شيئا فشيئا فكان وجود الرقابة ملازما ولكن لأن الصحافة التونسية لم تكن ذات وزن وكانت أغلبية الصحفيين قريبين أو متقربين من وجهة النظر الرسمية فكان الرقيب القانوني كافيا لغربلة المنجز الصحفي ولم يكن يدور في خلد السلطات أن تكون الرقابة عنيفة. صدرت مجلة الصحافة في عام 1975  لتوضح حرية الصحافة في عبارة "حسبما يضبطه القانون" التي ستستغل لتقحم السلطة التنفيذية في دور الرقابة الصحفية إذ أن النشريات في تونس تتطلب موافقة وزير الداخلية.
  غير أن بوادر الوهن والارتباك  بدأت تظهر على جهاز الدولة فعرفت الرقابة كغيرها من المؤسسات تراجعا استغلته النخب الجديدة بتوجهاتها اليسارية والإسلامية لتتقدم في المواقع على مستوى الدولة والمجتمع وبدأت الصحافة تساير الأحداث فعرفت الثمانينات فترة نشطة وثرية من حيث عدد النشريات أو من حيث القيمة والجرأة  ربما ساهم فيها تواجد محمد مزالي وزيرا أولا وهو احد رجال الفكر والتعليم وقد مارس العمل الصحفي لسنوات ولكن تحرك القمع البوليسي في الفضاءات الجامعية والثقافية انعكس على العمل الصحفي وبدأ يظهر ترهيب الصحفيين وسيلة للرقابة.  إن الثمانينات كانت فترة مزدهرة ثقافيا وخلالها تهيكل المشهد الصحفي التونسي غير أن العشرية الموالية سوف تهدر ذلك النفس الشعبي الجديد وهي تعيش على انجازات الثمانينات دون أن تستطيع أن تتقدم بها.   

فتح عهد بن علي المجال أمام الأحلام الصحفية كي تكبر – تزامن ذلك مع توسع حركة خوصصة الإعلام في فرنسا والعالم - وكانت النصوص القانونية تتطور وتمنح الحرية للصحافة كي تتحول بحق إلى سلطة رابعة كل ذلك كان على الورق فيما تتأخر الصحافة على مستوى الواقع وتخسر كل مواقعها وبدأت الرقابة في البداية – كما في أول حكم بورقيبة – باعتبار النقد السياسي نشازا في جوقة البناء الوطني ثم تحولت إلى رقابة زاجرة ثم رقابة ذاتية داخلية.  
كان التخويف سياسة ذكية لتمرير الرقابة وكان المشهد الوطني العام قائما على التخويف في أوائل التسعينات فاليد الغليظة التي اجتثت بها المعارضة السياسية تنبئ بما سيكون عليه رد الفعل الرسمي تجاه الصحفيين إذا ما أرادوا شق عصا الطاعة وكان العنف الجسدي والسجن – كما حدث عام 1991 مع حمادي الجبالي رئيس تحرير جريدة "الفجر" التابعة لحركة النهضة حين دعا إلى إصلاحات سياسية وكلفه ذلك حكما بـ 16 سنة سجنا -  يمرر رسالة واضحة لزملائه ويفتح الباب لإنشاء رقابة ذاتية وشيئا فشيئا أصبح الصحافيون يعرفون المواضيع المحرمة مثل قواعد المهنة.  
تحولت الصحافة إلى فرصة للانتهازية وبذلك توفرت سبل جديدة للرقابة من داخل المؤسسة الصحفية فالصحافيون صاروا يمارسون رقابة على بعضهم ولم يعد يسمح بمن لا يكون داخل هذه المنظومة أن يبقى صحفيا وكذلك تلازمت الرقابة مع الضغط المادي إذ كانت الاستشهارات توزع للجرائد حسب الولاءات والعلاقات لقد أصبح سبيل عيش الجريدة مرتبطا برضا الفئة الحاكمة عليها. كان قانون الأحزاب السياسية  لسنة 1999 دافعا أيضا للجرائد الحزبية كي ترضخ للأمر الواقع بعبارة عامية "التلحيس" مقابل حق البقاء. لقد تزيفت الصحافة كما تزيفت الانتخابات وتزيفت النقابات وتزيف كل شيء تقريبا.
على مستوى آخر كانت الرقابة تستهدف الصحافة الأجنبية حيث تم منع العديد من الصحف أو المجلات الفرنسية خاصة "لوفيغارو" و "ليبيراسيون" من التوزيع في تونس رغم أنه من الناحية القانونية لا يمكن حجب أي جريدة إلا بقرار من المحكمة لكن النظام كان يصل إلى أبعد من ذلك بتعطيل الصحفيين الأجانب حين يأتون إلى تونس وأحيانا التحرش بهم حتى في بلدانهم الأصلية.  كانت صورة الصحافة في العشرية الأولى من هذا القرن شبيهة بتوءمين غير منفصلين – الرقابة والقمع – ولا غرابة ما دام  نظام بن علي  قد صنف من 1998 إلى 2010 من بين أسوأ عشر أعداء للصحافة في العالم حسب المنظمات الصحافية الدولية مثل  لجنة حماية الصحافيين المتواجدة في أمريكا و منظمة مراسلون بلا حدود المتواجدة في باريس فيما كانت الصحافة التونسية وقتها تمرر لمواطنيها أن مثل هذه التصنيفات تدخل في إطار سياسات الغرب الاستعمارية كوسيلة للضغط والابتزاز وقد كان ذلك صحيح أحيانا إلا أن كل ذلك كان يشير إلى أن النظام قد أخضع الصحافة بصفة شبه تامة. في الواقع كان جسد الصحافة قد أصبح مريضا سواء بوجود رقابة أو بدونها.   
 في السنوات الأخيرة لنظام بن علي امتدت أيدي المقربين من كواليس قصر قرطاج إلى الإعلام وكانت أهم هذه الخطوات في 2009 حين اشترى صخر الماطري 70 بالمائة من رأس مال دار الصباح وكأنه بذلك يعلن تحالفا جديدا للفساد مع الإعلام بعد التحالف مع السياسة والاقتصاد وبدأت خطوة جديدة لمفهوم الرقابة الذي أخذ يتطور نحو مفهوم الاحتواء.

للأمانة لعبت الصحافة خلال أيام الثورة دورا يشبه دور الرقيب تقريبا و بعد سقوط رأس النظام شهدت الصحافة ثورة كمية غير أن مفعول الرقابة التي مورست سابقا غلبت على الأقلام التي وجدت نفسها تعايش انتظارات شعبية واسعة مع مخزون من الرقابة الذاتية  دون نسيان تلك العدوانية من قبل بعض الفئات - يبقى ذلك مفهوما لتوسع الهوة بين الصحافة والمجتمع -  ووجدت نفسها منساقة وراء النقد العشوائي أو المواكبة الغير معقلنة وبدت كأنها تعمل  لحسابات غير واضحة المعالم ممن يرون في الصحافة وسيلة لتحقيق غايات ما فسقطت فيما يشبه الفوضوية  بينما قررت السلطات المؤقتة الرسمية أن تبتعد عن دور الرقيب فصنعت حالة من الارتباك لدى الصحافة التونسية يبين هذا الوضع بوضوح هشاشة الصحافة في تونس.

بهذا التاريخ الموجز نرى أن في الشخصية الصحفية التونسية ثغرات عديدة لتسهيل اختراقها من قبل الرقابة ورغم الفرصة التي أتاحتها الثورة لا يزال هناك حاجز ما بين ما يدور في الساحة الوطنية وما تنقله الصحافة بعبارة أخرى مازالت الصحافة تنظر إلى الأحداث بنظارات غير شفافة وهذا واضح في الموقف الشعبي منها الذي لا زال لم يغفر لها أنها لم تكن في صفه في أغلب المواقف هذا الموقع بالذات – ثقة الشعب – هو ما يجب على الصحافة أن تتقدم نحوه لأنه الضمانة الوحيدة ضد الرقابة إذا أرادت السلطة إعادة استعمالها.   
 

متنفس الذاكرة .. قراءة غير فرجوية لمسرحية بورقيبة السجن الأخير لمحمد رجاء فرحات


متنفس الذاكرة  
قراءة غير فرجوية لمسرحية بورقيبة السجن الأخير لمحمد رجاء فرحات

لئن تجرأت كل من السينما بأعمال أحمد زكي خاصة والرواية العربية بأعمال مثل مدن الملح لعبد الرحمن منيف  أو سنوات البروستاتا للصافي سعيد مؤخرا بتناول شخصيات ذات حضور فاعل ومباشر في حياتنا السياسية والاجتماعية  فان المسرح مازال لم يتورط كثيرا في نفس التوجه - حتى المسرح العالمي- أبدا لم يتم تناول رجل السياسة بهذا القرب كما حصل في مسرحية بورقيبة السجن الأخير.  من هذا المنظور يمكن الإشادة بعمل محمد رجاء فرحات إلى ما لا نهاية مع الإشارة إلى  تلك الحرفية الدقيقة في خلق الفرجة المسرحية تلك "الصنعة" التي ورثها من تقاليد مسرحية تونسية مخصوصة ثم أساسا من تكوينه في مدارس المسرح الايطالي.
إن حجر الزاوية في  المسرحية هي شخصية بورقيبة سيعول رجاء فرحات أساسا على ذاكرة بورقيبة لبناء نصه غير أن المأزق في سيرة بورقيبة أنها تقع تماما تحت دائرة ضوء التاريخ التونسي المعاصر المعروف وما التاريخ التونسي المعاصر المعروف في النهاية إلا تاريخ بورقيبة الشخصي تقريبا إذن هي لن تجد قيمة مضافة إذا ادعت أنها مسرحية تاريخية لكن سرعان ما تخطى محمد رجاء فرحات هذا المأزق بعناصر من شخصية بورقيبة أيضا ؛ شخصية بورقيبة الهازلة والهازئة والضامرة بالتعبير الشعبي التونسي وكانت تلك  لمسة الفتنة في الفرجة ثم لا ننسى الهيكل العظمي لسيرته – سيرة رجل السلطة المنقلب عليه والمنبوذ في أواخر عمره – فهي تراجيديا متكاملة دون بحث عن اجتهادات فنية. هذا المركّب سيكون بلا منازع هو الطعم الأساسي الذي نخرج به من المسرحية.

 لو نظرنا للعمل من خارج أنه مسرحية فإننا نراه تشكيلا جديدا لنفس الأطروحة التاريخية المتداولة – أطروحة السلطة – أطروحة بورقيبة عن تاريخ تونس ولم يحاول أن يرمي فيها بقليل من الفكر النقدي أو حتى يضع التاريخ في موضع تساؤل. النقد الذي نتعلمه هو نقد بورقيبة للنخبة في عصره - هنا يعود الفضل لبورقيبة الأصلي وليس بورقيبة الممسرح – لقد التزمت المسرحية بالوقوف عند حافة تنشيط الذاكرة الجماعية ولم تستثمر الكثير من المواد الغنية في حياة بورقيبة مثل أسرار القصر الرئاسي أو عالمه النسائي أو صناعة العلاقات العالمية  وهي مواد غنية جدا ومثيرة علاوة على المساحة التخييلية التي يسمح بها الفن المسرحي من الابتداع والزخرف.

 كانت  ذاكرة بورقيبة طوال المسرحية تحاول أن تؤطر الفهم الشعبي للتاريخ (فهو تاريخه) ثم تطمع في أن تحتويه وقد اشتغل على ذلك بورقيبة من قبل سياسيا. رأيت في هذه الذاكرة سجنا للفهم الشعبي والمسرحية إطارها السجن الذي فرضه بن علي على بورقيبة وعلى ذاكرته غير أنه منذ خروج ذاكرته من سجنها الأخير سرعان ما عادت إلى سيرتها الأولى باحتكار التاريخ فهي دائما تطلب أن تكون سجنا هي الأخرى. إن تجاوز ذاكرة بورقيبة هي أن نتجاوز أنفسنا بحق فنغير حقيقتنا ويصبح تاريخ تونس تاريخنا جميعا وليس تاريخ بورقيبة أو تاريخ حزب أو أسرة. 
ثم  إن زاوية النظر المنبهرة التي رأى منها رجاء فرحات بورقيبة تحولت عائقا لتذوق المسرحية لدى المشاهد حين يريد أن يخضع نفسه للموضوعية لأنها تهاجمه فهي كأنما تتهمه بأنه لا يعرف تاريخ الوطنية التونسية ولنكن صريحين جدا لازال جيل كامل (رجاء فرحات وقائد السبسي مثال آخر)  يصر أن يمرر نظرته لبورقيبة  للأجيال التي تليه –وهي نظرة لفكرة الوطنية ولفكرة الدولة -  والأعمال الفنية طالما كانت وسائل للفعل السياسي والتاريخي   لقد قالها ميشال فوكو من قبل لجميع المثقفين "لا تقعوا في حب السلطة" فما بالكم بالوقوع في زاوية نظر السلطة. كما قلت النقد الذي نتعلمه هو نقد بورقيبة للنخبة  والنخبة هي التي تصوغه الآن لنا بعد أن رحل  فلنطبق فكر بورقيبة على بورقيبة نفسه.

أما المأخذ الأساسي فهو الرغبة في دغدغة العاطفة الجماهيرية لنتفق أولا أن  المسرحية تستهدف فئتين كبيرتين فئة المعترفين بأبوة بورقيبة الذين هم ينتظرون ما يدعم عشقهم لزعيمهم الأزلي وفئة الأجيال المتأخرة الواقعة تحت طائلة تهمة الجهل التاريخي الغير مغتفر فتطمع الفئة الأولى في أن تضعهم في المدار الصحيح. بورقيبة في المسرحية فوق الشبهة الدينية وهذا منطقي لأنه هو المتحدث لكن الغريب أن فكرة العلمانية غائبة عن المسرحية تماما وهي فكرة حاضرة بقوة في واقعنا السياسي الحالي كانت الفرصة مواتية لمناقشتها في أعماقها التاريخية غير أن التقبل الجماهيري لم يكن مضمونا لذلك اختفت. ثم كان تناول صورة بن علي (ظهر باسم الزفت طوال المسرحية) التناقض الذي أفسد  نجاح رجاء فرحات الكبير في فسخ المسافة بين بورقيبة وبورقيبة الممسرح وانفصل فجأة عن رؤية بورقيبة مفضلا الانسياق للرؤية الجماهيرية الحالية فالرابط بين الرجلين رابط أبوي تحت سقف جهاز الدولة لم يكن بورقيبة يرى  في بن علي إلا ثمرة جهازه ففي حالة بن علي بالذات غابت على بورقيبة فطرته النقدية فتم إحضارها عنوة في المسرحية هنا يظهر جليا أن رجاء فرحات يفضل تبرير شخص بورقيبة على عرضه كما هو ثم لنرى التركيز على ذلك التناظر الشهير بين بن علي وبورقيبة بين الجاهل والمثقف بين المتعالي والمتواضع بين الحاد والمرن وقد كانت إضافة شخصية والي المنستير حيلة ذكية لفسح المجال لبورقيبة ليهزئ من عهد ما بعد بورقيبة. عموما إن رؤية بورقيبة من خلال مساوئ بن علي هي أسهل الطرق لإثبات أبويته الشرعية لتونس بذلك تكون الفئة الثانية اقتيدت إلى المدار الصحيح.
بورقيبة إضافة لكل ما أنجزه فعلا  تضيف له المسرحية فضيلة الاعتراف بالذنب انه يصل إلى الاعتذار من الشعب التونسي لأنه ترك فرصة الوراثة لمن لا يستحقها وفي طيات ذلك الرؤية الشعبية المتسامحة مع الدكتاتورية –كأننا  نقبل بالمستبد المستنير (وهو أسهل الحلول )   لقد نسي رجاء فرحات أن عنصرا أساسيا في شخصية بورقيبة عنصر النرجسية قد غيب  لقد حرص أن يكون" جميع من حوله أوان من فخار فيما كان هو الوحيد الذي صاغ نفسه من حجارة الصوان" كما قال الصافي سعيد من قبل في عمله "بورقيبة سيرة شبه محرمة".

رغم كل هذه المآخذ – وهذه المقالة تبقى مما يشمله نقد بورقيبة -  فان المسرح التونسي شهد بهذا العمل نفسا جديدا والجماهير هي التي تقيم الأعمال المسرحية وهذا جمهور المسرح البلدي قد خرج منشرحا لا يصدق أن قد أمضى ثلاثة ساعات بين دروس التاريخ المعاصر وتهكمات بورقيبة العجيبة وبين الشعر الفرنسي والأمثال الشعبية التونسية. لقد أتيح لهذا الشعب أن يجالس أكثر رجال تونس تأثيرا بندية.
تقديري الكبير للسيد محمد رجاء فرحات لأنه استغل بورقيبة ليمرر رسالته الخاصة كفنان وأن يجهر بالدعوة للبناء الفكري للمجتمع : الثقافة إلى جانب السياسة والاقتصاد  ثم كما أن المسرحية كان يمكن أن يكون فيها رجاء فرحات لوحده على الركح إلا انه فضل أن يكون معه الطبيبة ووالي المنستير يستند عليهما كلما قرر الوقوف  فقد حرص أيضا أن لا يكون بورقيبة لوحده حاضرا في تاريخ تونس لقد حضر الطاهر الحداد ومحمد علي الحامي وفرحات حشاد ومحمود الماطري وحتى مقدمة بن خلدون كانت حاضرة وخصومه من الثعالبي إلى بن صالح. ثم إن هناك عبرة تؤثث خلفية المسرحية هي أن تاريخ تونس ليس تاريخ الموقع الجغرافي أو تاريخ الموارد الطبيعية إنما هو تاريخ الإنسان التونسي وبورقيبة الذي فعل ما فعل بالتاريخ هو إنسان تونسي.

الدائرة المغلقة لتوارث السلطة




يبدو أننا لن نفرغ من مسلسل التجاذبات الحزبية ولن نمر إلى مرحلة بناء الدولة وإصلاح مؤسساتها - وكانت شرعية القوى السياسية ما بعد ثورة 14 جانفي قائمة على إرادة الإصلاح ذلك ما أعلنوه في حملاتهم الانتخابية على الأقل -  فجميع هؤلاء الذين دخلوا تحت سقف المجلس التأسيسي منهمكون بتقاسم السلطة أو ما يسمى في أدبيات السياسة اليومية بالكعكة تعمية أو سخرية لست أدري.  
لفهم الواقع السياسي التونسي بموضوعية أكثر لنعد أولا للقاعدة الأساسية لعلم السياسة مقولة ميكيافيلي الشهيرة " الغاية تبرر الوسيلة " كانت الوسيلة هي لعبة ديمقراطية فرح بها الشعب التونسي وأبهر العالم بإتقانها رغم أنها التجربة الأولى ( قد تكون ربما ما يسمى في علم الاحتمالات حظ الرمية الأولى )   والغاية هي تقاسم السلطة تحت مظلة الشرعية الوليدة أي ترجمة المواقع أو الكراسي إلى قوى.
وبما أن السياسة لا يمكن إلا أن تكون ماكرة فإنها تبطن ما لا تعلن فمثلا إذا أعلنت أنها تريد حل التجمع الدستوري الديمقراطي فإنها في الحقيقة تريد أن ترثه. إن مسلسل التجاذبات هذا هو ببساطة صياغة فنية لتهافت الورثة فمن يصل إلى السلطة هو وريث للقوة الحزبية للتجمع التي تبعثرت ولكنها باقية مثل كنز مخبوء في مكان ما. وان من عملوا سابقا في كواليس السياسة – وكانت حكرا على التجمعيين – وصاروا مدمنين سياسيين لن يذهبوا بعيدا عنها وحتى إذا أرادوا فسوف تستقطبهم القوى السياسية ذات الشرعيات المحدثة وهي في الحقيقة تـُـراكم "السلطة" التي تبعثرت وتتحسس الطريق نحو الكنز المخبوء.   
بموضوعية العقل السياسي لا يمكن للقوى الجديدة إلا أن ترفض محو تراث السلطة فما معنى أن تخسر ما حققته دكتاتورية بورقيبة ودكتاتورية بن علي (هي قوة من منظور السلطة بعيدا عن الرؤية الشعبية العاطفية ) لا ننسى أن هناك قطبين في الجدلية السياسية – الدولة والمجتمع – إذن إذا تنازلت السلطة فهي تتنازل لخصمها الأزلي.

 إن ما يحدث بخصوص وراثة السلطة قريب مما نجده في متداول التحليل النفسي الفرويدي  ففي أسطورة قتل الأب بعد أن ندم الأبناء على الجريمة التي اقترفوها من أجل أن يرفعوا عنهم الحاجز الذي يمنعهم من إشباع رغباتهم الجنسية (السلطوية) والسطو على امتيازاته لم يقوموا بدفنه  وإنما التهموه (الوليمة الطوطمية) وبذلك أدمجوه فيهم وتحولوا إلى آباء لهم  مميزات الأب مقدسين إياه في الطوطم وهو تقديس ضمني رمزا لتقديس سلطته . إنهم ببساطة رفضوا أن يخسروا ما حققه الأب من قوة وسلطة ولننظر قليلا إلى الخلف ففيما كان بن علي 1987 يسمى عهده بالعهد الجديد كان في الحقيقة وريثا محضا لدولة بورقيبة  وهو ابن شرعي نبت من مؤسسات الحكم البورقيبي وترعرع فيها حتى تماهى مع أعلى درجاتها  أي موقع بورقيبة الأب  نفسه على رأس جهاز الدولة غير أن بروتوكولات السياسة واللعب على العواطف الشعبية هي التي اقتضت أن يدعي الابن أنه جاء كي يتجاوز الأب. لقد مر وقتها خطاب التجاوز أساسا  لأنه كان ما يريد الناس أن يسمعوه وكثير من خطابات التجاوز تريد أن تنطلي ثانية اليوم ولكن يبدو أن فئات تونسية استوعبت الدرس وهي ترفض أن تسمع أي خطاب من بينهم من يعبر عنهم بالأغلبية الصامتة في حين هي في الحقيقة أغلبية متصاممة ويتم فرض الصمت عليها اليوم شيئا فشيئا بعد إحداث وسائل لبناء الشرعيات الجديدة.    
في النهاية إن هذه الدائرة المغلقة بإحكام لتوارث السلطة لن تخترق من تلقاء ذاتها, وحده هو العنصر المستضعف في المعادلة ( المجتمع-الشعب ) إذا ما حقق من المؤسسات ووسائل الضغط المعقولة أي راكم من السلطة ما يصبح به خصما متكافئا مع سلطة الدولة (خصوصا سلطتها التنفيذية التي تحولت إلى ديناصور بين مخلوقات تكاد تكون غير مرئية وإلى رقيب بلا رقيب على الأقل ليكن أول انجاز هو إيجاد هذا الرقيب المضاد )  ورغم أن الحلول الجاهزة متوفرة من مجتمع مدني ونقابات ولكنها كلها مخترقة من السلطة لذلك فالوعي الشعبي – وهو مشوش ومشرذم أصلا – يجد نفسه اليوم في مأزق تجاوز الحلول وهو في موقف أقسى من موقف الجيش الذي حرقت سفنه ووجد البحر من ورائه والعدو من أمامه انه في موقف الحمل في وسط دائرة الذئاب.  

 

قراءة في الثورة التونسية تحت ضوء الثورة الفرنسية




     من المصطلحات التي برزت في 2011 كانت "الثورة" المصطلح الأبرز وهي "نجومية" غير طارئة في الفضاء العربي ولا حتى العالمي. وإذا تحدثنا عن نجومية الثورات فان الثورة الفرنسية هي الثورة الأشهر والأبعد ذكرا.  لقد تأسس المصطلح كما نفهمه اليوم منذ سقوط الباستيل وعاش تداعيات لكي يتبلور  ويتخذ شعارا وأحيانا ذريعة.
في مصر الخمسينات أسقط المصطلح على انقلاب عسكري فأنجب ثورة ذات بصمة على أرض الواقع قادت أحلاما مشتتة إلى أبعد مما تستطيع ثم أخذت الأحلام بزمام الأمور فهدمت كل ما تحقق. وحتى نخب فرنسا أواخر القرن الثامن عشر لم تكتشف فعالية المصطلح إلا حين قطعت العامة المندفعة مسافة طويلة في الفعل التاريخي وكان سقوط الباستيل حدثا غير مدبر ولم يتصور أحد أنه الورقة التي تسقط  فينهار ورائها كل هرم الأوراق الكوتشينية     château de cartes          وأن انهياره هو أساس انهيار العالم القديم برمته. وكانت حادثة محمد البوعزيزي - وهي أمر متكرر يوميا لتحرش السلطة بمواطن عادي -  شرارة التغيير التاريخي الذي قلب حياة التونسيين.  

بدأت الثورة الفرنسية في 14 جويلية 1789 بسقوط الباستيل وليس بإسقاط الملك لويس السادس عشر الذي كان بعيدا في قصره في فرساي عن المحتجين في باريس ولم يكن أحد يتصور أن هذا الحدث سيؤدي بعد سنتين إلى فراره. لقد كان تصرفه في تلك السنتين هو الذي أهدر كل إمكان لإنقاذ نظامه (والعجيب أن نظامه الملكي سوف يعود في 1814 بسبب ذهاب الثورة إلى أقصى حدود ممكناتها وهذا من أهم دروس الثورة الفرنسية). حتى في تونس القرن الواحد والعشرين كانت أخطاء معالجة الأزمة التي اشتعلت في أواخر 2010 هي التي قادت لهذا الانهيار العجائبي لنظام دام عقودا في ظرف أسابيع معدودة مع إضافة أن بن علي مثل لويس السادس عشر كان متمسكا بقناعة عمياء هي أن نظامه أزلي وحتى الأخطاء الكبيرة لا يمكن أن تؤدي به خارج قصر قرطاج. فلا غرابة أن يكون مصيره كمصير لويس السادس عشر علما أن كلاهما حين فر كان يظن أنه عائد ولم يكن يعرف أنه يطلق رصاصة الرحمة على مشروع بقائه. هكذا نرى أن الثورات تعرف العديد من التكرار والثورة تدل أكثر من غيرها أن التاريخ يعيد نفسه.
الثورة الفرنسية كذلك صنعت مصطلح "التأسيسي" عبر مؤسسة الجمعية التأسيسية التي طوال سنة 1790 تحولت إلى سلطة موازية للسلطة القديمة المتمثلة في الملك والمؤسسات التابعة له. هذا المصطلح حاضر بيننا اليوم بقوة بعد ثورة 14 جانفي وقد كان خيار "المجلس التأسيسي" خيار بورقيبة ذو التكوين "الفرنسي" بعيد الاستقلال فلم ير إلا الطريقة الفرنسية في تأسيس الشرعيات وبناء الدولة مع أن تونس لم تعرف مثل فرنسا تلك القطيعة الحادة في مؤسسة الدولة فمثلا النظام الإداري التونسي مستمر منذ انهيار الدولة الحفصية أي منذ قرابة 500 سنة وكانت الدولة المرادية أو الحسينية ثم الاستعمار الفرنسي لا تضعه في مجال المتغيرات وإنما فقط تقوم بتغييره بإصلاحات منتظمة كي يناسب تصوراتها للسلطة تماما كما فعلوا بالنصوص الدستورية من عهد الأمان إلى دستور 1861 إلى معاهدات الحماية إلى دستور بورقيبة كلها حلقات مترابطة تعبر عن القوى السياسية الفاعلة في كل مرحلة ولا تتجاوز النصوص السابقة خوفا من أن تخسر ذلك الرصيد الكبير من السلطة التي كانت تتمتع به المنظومة السياسية التي قبلها  وهاهي الثورة مؤخرا تظل في الإطار نفسه من تفضيل الإصلاح على إعادة الهيكلة. واني بهذا الخصوص مضطر أن أطرح مثلا عمليا بسيطا في شكل تساؤل. بعد أن عهد مواطن لأحد المقاولين بناء منزله وجد انه يختلف بنسبة كبيرة جدا عما كان ينتظره سيكون القرار المعضلة هو إما أن يقضي بقية حياته في منزل غير متلائم معه أو أن يعيد بناء منزله من جديد مضحيا بكثير من المال والجهد مرة أخرى. الثورة الفرنسية اختارت أو هي اضطرت أن تعيد البناء من جديد وتقريبا نحن اليوم في نفس موقع القرار.
 طبعا كل هذا لا يعني بالضرورة إتباع المثال الفرنسي فقد جربنا مع بورقيبة هذا القرار من قبل ولا يعني نقض كل ما فعلته فرنسا لأن الثورة الفرنسية تقدمت بفرنسا وبالعالم في نهاية الأمر. وإنما الهدف أن تكون لدينا خلفية فكرية لكل قراراتنا وأن نعرف إلى أين نحن نسير؟

الخميس، 22 مارس 2012

أبو يعرب المرزوقي .. الفيلسوف حين تعيده الثورة






بعد العزلة الفلسفية التي عاشها أبو يعرب المرزوقي لسنوات هي حالة طبيعية للفلسفة في كل زمن وحالة تعسفية حين تكون البلاد محكومة بنظام استبدادي ظلامي كنظام بن علي . بعد هذه العزلة هاهو الفيلسوف يطوف البلاد التونسية زائرا مدنها الداخلية قبل مدنها الكبرى ليطرح أفكاره للناس ويتفاعل معهم في جو من الحميمية بعيد تماما عن التلونات السياسية والتهريج الحزبي فمشروع أبو يعرب المرزوقي راسخ منذ زمن في أعماله التي تتجاوز العشرين مؤلفا ولا يمكن أن يتلون بطوارئ السياسة والأحداث الوطنية والإقليمية. هو الذي كان يقول " إن الدين ليس عندهم – أي أهل السياسة – إلا التعويض الوهمي عن الفشل السياسي"  وهو الذي كان يرى في ما يسمى بالنخب أصل الداء "تأتي النخبة كي تمسك بآليات القمع الوقائي إنها مافيا من الإعلاميين والأكاديميين والنقاد المزيفين ينصبون شعراءا وعلماءا وكتابا مزيفين في عالم كله تزييف" هذا قوله في كتاب "العلاقة بين الشعر المطلق و الإعجاز القرآني" المنشور في عام 2000 ببيروت أليس هذا ما كان عليه الوضع في بلادنا ؟؟ 

في محاضرته التي ألقاها في تطاوين في جويلية الفارط قام بإسناد الفضل للثورة التي أرجعت جموع الأمة العربية إلى التاريخ رغم أن فلاسفة الإسلام المعاصر كعابد الجابري وعبد الله العروي في المغرب أو حامد نصر أبو زيد وحسن حنفي في مصر والمرزوقي نفسه دعوا نفس الدعوة ولكن فقط الثورة هي التي أعادت التاريخ إلى الفكر الإسلامي وموقعت الإنسان العربي من جديد فيه ليعود فاعلا كما كان قبل أن تتغلب عليه عوامل الانحطاط ثم الاستعمار ثم الاستبداد فهو يتجاوزها ليرجع إلى الاضطلاع برسالته المكلف بها  ¤ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا لتكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ¤ البقرة 143ً وحسب أبي يعرب المرزوقي لن تكون الأمة الإسلامية قادرة على الشهادة على الناس ما يكن الإنسان المسلم هو الأفضل والأفضلية لا تستمد من كونه مسلما أو من عنصره وإنما بالتقوى بحسب النص القرآني أي بالاقتداء بالقيم الإسلامية التي هي قيم الإنسانية.
يتحول أبو يعرب المرزوقي شيئا شيئا إلى ظاهرة بفضل الانترنيت فكثيرة هي كتبه المتوفرة في طبعات الكترونية مجانية ولكن الإنترنيت وسيلة لا غير والسبب الحقيقي لبروزه هو تجذر مشروعه الفلسفي في قضايا وهموم الإنسان المعاصر وأصالته فأبو يعرب المرزوقي لم يكن أبدا مستوردا لفلسفة الغرب ويعرف أن حلول الغرب إذا أسقطت على أزماتـنا فإنها تزيدنا غرقا فيها. و يكفي أن تضع اسمه في موقع اليوتوب مثلا لتسمع من الحوارات والخطب ما يشفي غليلك من المتعة الفلسفية ويوقظ وعيك في زمن التعمية والفوضى ويعيدك إلى الغاية الأصلية للإنسان وهي الاستخلاف أي الفعل والمشاركة في البناء الحضاري. وانظر في الحلقتين التي استدعي فيهما في برنامج الشريعة والحياة عام 2009 ليخطف الأضواء قليلا من العلامة يوسف القرضاوي لتعرف أن هذا التونسي يشع على مجمل المسلمين وأن من أفضال الثورة علينا أنها تعيد مفكرينا الحقيقيين لنا لنهتدي بهم عوضا عن تلك النخبة المزيفة التي طالما احتكرت المنابر والمواقع.
من ناحية أخرى يعتبر أبو يعرب المرزوقي من أهم الناحتين اللغويين (أي مستحدثي الكلمات للمعاني المستحدثة) كمصطلح الجداثة الذي هو المقابل المفهومي لمصطلح الحداثة في قوله "الحياة المستعارة التي تبدو حداثة هي عين الجداثة" أي البقاء خارج الفعل الإنساني – كذلك مصطلح الأصلانيين ليقابل مصطلح العلمانيين (وهو بالمناسبة مصطلح متداول يرسخ للتشويش النظري لأن المفكرين العرب حين استوردوا الكلمة لم يدققوا في ترجمتها ولذلك هو يصر على تطوير اللغة العربية بالنحت لكي لا نقع فيما وقعنا فيه)  عوضا عن مصطلح الأصوليين أو السلفية التي تقابلها التبعية (جدلية الانغلاق في الماضي و الانفساخ في الآخر) وهما الخطر الذي كان ومازال يهدد الأمة الإسلامية ويهدد كل الأمم.
معروف عن أبي يعرب المرزوقي أنه يستخرج من القرآن عناصر فلسفته فمثلا يستخرج من سورة يوسف الشروط الأساسية للمشاركة في البناء الإنساني (معنى الاستخلاف في الأرض) وهي الشروط التي توفرت في سيرة النبي يوسف منذ طفولته إلى تمكينه في الأرض وهذه الشروط هي:الحب (شرط التعايش المشترك)  - العلم ( شرط معرفة المستقبل)- السياسة (شرط تنظيم الحياة) – الاقتصاد ( شرط تحقيق الحاجة) و برهان الرب أي الدين (شرط الالتزام القيمي).للإشارة أن أبا يعرب المرزوقي كان قد اعتكف على التفسير الفلسفي للقرآن وانتهى منه في 2010 معنونا باسم " الجلي في التفسير" وهو أول تفسير فلسفي للقرآن من منشورات الدار المتوسطية للنشر بتونس.

                                            شوقي بن حسن

الخصوصية الثقافية للثورة التونسية





إن الثورة التونسية لها خصوصية فريدة من بين كل الثورات هي أنها لم تكن مدعومة ثقافيا فهؤلاء المثقفون من شعراء وروائيين ومسرحيين وسينمائيين ورسامين وموسيقيين لا يكاد يبدو لهم دور في أي مناسبة منذ مظاهرات 14 جانفي إلى اعتصامات القصبة مع أنهم حاضرون بأجسادهم وأفواههم ويتهافتون من أجل البروز كمبشرين سابقين بالثورة أو كموضحين لمسارات الشعب وقت ضبابية المشهد السياسي وهذا دليل أن هؤلاء جميعا ليس لهم أي وزن لا في الحياة السياسية ولا في القاعدة الشعبية.
والملاحظ أنه إلى الآن تظل ثورتنا غير مدعومة ثقافيا وذلك من ألطاف الله لأن نظام بن علي لم يورثنا نخبة ثقافية كما أورثنا عهده وعهد بورقيبة نخبة سياسية ضاربة بعروق إسمنتية مسلحة في أجهزة الدولة.

 

ظاهرة النبوءة لدى مثقفي تونس






   كثيرا ما ألاحظ في الخطاب الثقافي اليوم صعود جماعة المتنبئين بالثورة فيتم إسقاط أي تلميح متفائل في مدوناتهم القديمة وكأنه تنبؤ صريح بالثورة علما بأن هذه الظاهرة ليس بدعة تونسية بل هي إفراز طبيعي يواكب كل الثورات ولكن الظاهرة التونسية لها خصائصها العميقة حيث أن المدونة الثقافية كانت منفصلة تماما عن الشعب ومصنفة في خانة شبه الخواء الثقافي وكل هذا يقع تحميل أوزاره على مساوئ سياسة الدولة الثقافية وأحيانا على شخصية بن علي كرجل غير مثقف ألقى بظلال جهله على كل البلاد حتى على إبداعات النخبة. فبفضل هذه الحيلة المشروعة يستطيع المثقف أن يصنع جذورا نضالية لينتمي لثقافة ما بعد الثورة وكأننا أمام عملية أخذ أداور ومواقع في المشهد التونسي الجديد.
لكل هؤلاء أقول أنه في ظل الضبابية السياسية والاجتماعية وحتى النفسية والتاريخية التي تعيشها بلادنا من منكم يملك الشجاعة لكي  يتنبأ بما سوف تصير عليه تونس منذ الآن في السنوات القادمة ؟

قراءة تونسية في كتاب الأمير



مازال كتاب الأمير لنيكولا ميكيافيلي يحتفظ ببريقه فهو أيقونة الكتب السياسية إلى اليوم رغم مرور قرابة الخمسة قرون على تأليفه ليس لأنه دليل عملي لرجال السياسة وهم قد تجاوزوا كل التقنيات المكيافيلية بأشواط وليس لأنه دعا وتنبأ بوحدة ايطاليا المستحيلة آنذاك فتحققت في غضون ثلاثة قرون بل لأنه أتاح للقارئ فرصة أن يرى آلة الحكم كيف تعمل من الداخل و ذلك بالرغم من أن ميكيافيلي كان يضع نفسه في خدمة أميره (لورنزودي دي ميديتشي) حيث يصرح أنه سيشرح له الوسائل التي يتمكن بها الأمراء والملوك من التغلب على الأمم والتحكم فيها.
لكن رجلا يقول "إن الحرب والسياسة  توأمان فمن كان يريد أن يفوز في الأولى عليه أن يكون فائزا في الثانية" أو "أن الحرب هي أن نجني ثمار السلم" فهو يقيم مبدأ يكاد أهل السياسة جميعا يسيرون تحت لوائه في كل الأزمنة وإننا لنرى هذه المقولة قاعدة في فكرة الدولة الصهيونية ومن قبلها في السياسة الخارجية الأمريكية أو البريطانية وفي المقابل نرى كيف أن الدولة الناصرية في مصر اندفعت في خيار الحسم الحربي من غير أن تكون قد هيأت لذلك سياسيا كيف خسرت معاركها في كلا المجالين.
زين العابدين بن علي مثلا - وكذلك حسني مبارك وعلي عبد الله صالح والقذافي وبشار الأسد كلهم سواسية في الأمر - لم تسعفه الثقافة لكي يقرأ نصيحة مكيافيلي التي كانت يمكن أن تنقذ نظامه فميكيافيلي يقول منذ قرون "أن الأمير ينبغي أن يعيش مع الشعب على وتيرة واحدة بحيث لا يضطر إلى تغيير سلوكه تحت الضغوط فإن فعل الخير المرغم عليه لا قيمة له" فكانت إصلاحات 13 جانفي ووعود التنحي والرجوع إلى الضوابط الدستورية كلها مزيدا من الزيت فوق نار ثورة 14 جانفي.

  ان مصيبة من مصائب العصر أن هناك ساسة لا يقرؤون ولا يعرفون علم السياسة فما بالك بالشعوب التي يقع عليها أيضا واجب المعرفة السياسية ثم ان مصيبة أخرى من مصائب العصر  ان يتم تطبيق حلول عصر تجاوزته البشرية 
مثَلُ ذلك تطبيق مقولة ميكيافيلي " لا ينبغي للأمير أن يحفظ العهود ما دامت الأسباب التي دعت للعهود قد انقضت"
أو " أن الاتصاف بالفضائل خطر ولكن الظهور بها نافع" لقد كان إطار السياسة في عهده هو البلاط بدسائسه ومؤامراته  وليس الشارع أو المؤسسات السياسية المفتوحة  وفي عصره مازال لم يتبلور مفهوم الدولة الحديثة فميكيافيلي سابق لروسو وفلاسفة الأنوار الذين سيأخذون على عاتقهم بناء المفاهيم الحديثة للدولة والسياسة حتى أن الفيلسوف الانجليزي فرنسيس بيكون كان يقول إن ميكيافيلي لا يفيد أحدا من الملوك لأنهم يعرفون ما يقصدون ولكنه يفيد الشعوب ويفتح عينيها لما يحيق بها من أخطار. علما أن رجال السياسة والدين في كل العصور كانوا ضد كتاباته علنا فيما هم يقومون بتطبيق أساليبه - هذه لعبة الظاهر والباطن التي فضحها ميكيافيلي ولخصها في مقولة الغاية تبرر الوسيلة التي هي الطاقة التي تغذي عالم السياسة كله والمبدأ الذي عجزت أن تتجاوزه.
لكل الساسة والمتسيسين أشير عليهم أن هذا الرجل كان ينصح أميره فيقول "إن واجب الأمير أن يكسب ثقة الشعب وإلا لا ملجأ له وقت المحنة". وفي موضع آخر "إن واجب الأمير أن يبحث عن الوسائل التي تجعل رعاياه في حاجة إلى حكمه" ومن بين الوسائل العدالة والأمن وتشريكهم في بناء الوطن فإن لم يكن كذلك فليس لديهم ما يخسرونه إن تركوه لأحكام التاريخ القاسية والأمثال غير بعيدة عن الأذهان.

تونس في 7 جويلية 2011
نشرت في عرابيا عدد 31 جويلية 2011 (في عمود من القاموس السياسي)

حركة أهل الكهف .. شهود على سوء استخدام الثورة


حركة أهل الكهف ..  شهود على سوء استخدام الثورة

منذ 14 جانفي والفنان التونسي مرتبك وعاجز عن تلبية مطلب اجتماعي عاجل وهو التعبير عن التغير الذي لحق التونسيين بعد الثورة. ربما ليس هناك سوى سخرية الشارع والفايسبوك للقيام بهذا الدور اليوم. أما المغنون والشعراء والروائيون والسينمائيون فهم يبحثون بلا جدوى وبتهافت لانتزاع رضا هذا الشعب عنهم وتحقيق مرابيحهم المعتادة ولكنهم عموما ظلوا مقيدين بنفس الوسائل القديمة يحاولون تطويعها لأغراض الثورة كما طوعوها لأغراض سنوات القمع فيما تحولت وسائلهم تلك إلى ما يشبه العملة الممسوحة.   الثورة وجدت في غفلة منهم متنفسها الفني والشعبي الطلائعي عبر الفنون التشكيلية التي طالما قيل عنها أنها طارئة على حضارتنا. جماعة أهل الكهف وهم من خريجي معاهد الفنون الجميلة قد أقدموا على جعل الشوارع مدونة توثيقية شاهدة على مسار الثورة وصانعة له فيما يلخص أحد نشطاءها فلسفتها بأن الهدف من هذه الأعمال هو نقل العدوى.   

 برزت الجماعة خصوصا في اعتصامات القصبة وقد ساهمت في ملأ جدران ساحة الحكومة بتصورات فنية لمطالب الشعب الثائر كان أبرزها شعار "بن علي هرب واللي غلطوه مازالوا"  والذي تحول إلى فكرة سياسية ترجمتها الأحداث وحتى النصوص القانونية وما زالت قابلة للشحن. بعد انقضاء الاعتصام سارعت بلدية مدينة تونس بفسخ كل ما رسم فوق الجدران معلنة عن فرض مبدأ هيبة الدولة الذي جاء به قائد السبسي فدخل في دائرة اهتمام الجماعة بشعارات"لا يمكن لي أن أحلم مع جدي" و"لا تقعوا في حب السلطة" وبقيت الجماعة تعرف صعوبات وتهديدات بين أخطار هيبة الدولة وطوفان القوى الحزبية وموجة السلفية  وقد اعترف أفرادها علانية أنهم جاءوا ليمارسوا الإرهاب الجمالي. خرجت الحركة عن مركزية العاصمة بأن حملت أعمالها إلى فئات شعبية حاصرتها السياسات بالتهميش والفقر وتغييب القيم الجمالية فحاولت الجماعة نقل الثقافة الرفيعة والجميلة لهؤلاء فكان ادوارد سعيد في جبنيانة " ومحمود درويش في حي التضامن كما حاولت تخليد نضالات المهمشين مثل مهذب السبوعي الذي قاد المظاهرات في المزونة على كرسي متحرك وأبدع شعار "سينتصر هذا الجسد".
 عملت الحركة على زعزعة قناعات متحجرة  لدى الرأي العام مثل قداسة السلطة وقَدَر المجتمع الاستهلاكي وحيادية الصورة التلفزية وهي حين تمارس فنها في الشارع تذيب صنما رسخه اختلاط المفاهيم في الوعي الجمعي بين ملك الدولة والملك العمومي  ومن مبادئ الحركة أنها لا تقبل الظهور الإعلامي وهو موقف احتجاجي ضد ما يسمونه مجتمع استهلاك المعلومات وبسبب عدم الثقة في الإعلام التونسي الذي يمارس من جهته إرهابا ناعما تجاه المجتمع ثم حرصا على بقاء العمل الفني وسيلة للتواصل وهم بهذا الخصوص قد أعلنوا في بيان لهم "للتذكير: إنَّ مدَّة صلوحية أعمال "أهل الكهف" لا تتجاوز الـ24 ساعة. نرجو منكم تخريبها أو تهذيبها أو تعذيبها أو إعادة توضيبها." فيما يضيف أحدهم "أو عدم لمسها و فسح المجال للغير للاستفادة منها" ظاهرة البيانات تحيلنا إلى توجه آخر للحركة وهو النشاط على الفايسبوك للتعريف بأعمالها ويبقى القاسم المشترك واضحا بين الفضائين - الافتراضي والعمومي - وهو الحيطان. ومن خلال الانترنيت تأخذ الكلمة والصورة المشعل من الجداريات التي تعرف التضييق عليها وهي فسحة  حرية لتمرير المواقف الفكرية والفنية فالفنّ في رأيهمُ "لا يأتي من النظرياَّت, بل يُولّدها. ثم يبول عليها حين يسكر من جديد" و"أي تشابه بين ما تقوم به "أهل الكهف" والفن هو من محض نسج خيال المشاهد. ولا تتحمَّل "أهل الكهف" أية مسؤوليّة في ذلك".

أفراد الحركة  تقبلوا بروح رياضية وربما برضا وامتنان ما حصل من تخريب لجداريتهم في حي التضامن ففوق صورة جيل دولوز التي كتبت فوقها قولته "أن تخلق هو أن تقاوم" جاء أحدهم وكتب الخالق هو الله فجاء بعده من يوضح للأول التباس المعاني فوق الصورة وبعدها أقدم آخر على دهن كلمة تخلق فظلت فارغة ليجيء أحدهم لكتابة كلمة أخرى مكانها وفي النهاية أحضرت تراكس لتحدث ثقبا في الجدار وتفسخ الجملة واضعة حدا للجدال. هذه الحادثة تترجم فكرة الجماعة في مواصلة الناس للعمل الفني.
 لقد افتكت أهل الكهف جزءا من الهامش العام ليحولوه إلى فكر وجمال بعيدا عن الوعظ والاستيطيقا الزائفة والمصالح العاجلة ووجدوا ثغرة للانفلات من لعنة اللغة الخشبية التي صارت مرضا مزمنا في تونس والإبداع لن يكون إلا بهذا المستوى من الجرأة والتمكن. الثقب انفتح أمام الفنون وما عليها إلا أن تفتك هي الأخرى المواقع من الدولة ومن الفراغ والإهمال ولكن يبدو أنها إلى حد الآن مازالت محصنة من العدوى.  كلمة السر صارت معروفة إن المثقف الذي يريد أن يحتمي ببرنس المؤسسات لم يعد له ما يقدم للمجتمع وإذا بقي الفن كما كان مختبئا تحت ظلال الدولة منتظرا الدعم والحقوق والفضاءات ومجموعة البدع التي اخترقت السلطة بها الثقافة من قبل فما معنى حدوث الثورة إذن ؟

شوقي بن حسن