الجمعة، 23 مارس 2012

متنفس الذاكرة .. قراءة غير فرجوية لمسرحية بورقيبة السجن الأخير لمحمد رجاء فرحات


متنفس الذاكرة  
قراءة غير فرجوية لمسرحية بورقيبة السجن الأخير لمحمد رجاء فرحات

لئن تجرأت كل من السينما بأعمال أحمد زكي خاصة والرواية العربية بأعمال مثل مدن الملح لعبد الرحمن منيف  أو سنوات البروستاتا للصافي سعيد مؤخرا بتناول شخصيات ذات حضور فاعل ومباشر في حياتنا السياسية والاجتماعية  فان المسرح مازال لم يتورط كثيرا في نفس التوجه - حتى المسرح العالمي- أبدا لم يتم تناول رجل السياسة بهذا القرب كما حصل في مسرحية بورقيبة السجن الأخير.  من هذا المنظور يمكن الإشادة بعمل محمد رجاء فرحات إلى ما لا نهاية مع الإشارة إلى  تلك الحرفية الدقيقة في خلق الفرجة المسرحية تلك "الصنعة" التي ورثها من تقاليد مسرحية تونسية مخصوصة ثم أساسا من تكوينه في مدارس المسرح الايطالي.
إن حجر الزاوية في  المسرحية هي شخصية بورقيبة سيعول رجاء فرحات أساسا على ذاكرة بورقيبة لبناء نصه غير أن المأزق في سيرة بورقيبة أنها تقع تماما تحت دائرة ضوء التاريخ التونسي المعاصر المعروف وما التاريخ التونسي المعاصر المعروف في النهاية إلا تاريخ بورقيبة الشخصي تقريبا إذن هي لن تجد قيمة مضافة إذا ادعت أنها مسرحية تاريخية لكن سرعان ما تخطى محمد رجاء فرحات هذا المأزق بعناصر من شخصية بورقيبة أيضا ؛ شخصية بورقيبة الهازلة والهازئة والضامرة بالتعبير الشعبي التونسي وكانت تلك  لمسة الفتنة في الفرجة ثم لا ننسى الهيكل العظمي لسيرته – سيرة رجل السلطة المنقلب عليه والمنبوذ في أواخر عمره – فهي تراجيديا متكاملة دون بحث عن اجتهادات فنية. هذا المركّب سيكون بلا منازع هو الطعم الأساسي الذي نخرج به من المسرحية.

 لو نظرنا للعمل من خارج أنه مسرحية فإننا نراه تشكيلا جديدا لنفس الأطروحة التاريخية المتداولة – أطروحة السلطة – أطروحة بورقيبة عن تاريخ تونس ولم يحاول أن يرمي فيها بقليل من الفكر النقدي أو حتى يضع التاريخ في موضع تساؤل. النقد الذي نتعلمه هو نقد بورقيبة للنخبة في عصره - هنا يعود الفضل لبورقيبة الأصلي وليس بورقيبة الممسرح – لقد التزمت المسرحية بالوقوف عند حافة تنشيط الذاكرة الجماعية ولم تستثمر الكثير من المواد الغنية في حياة بورقيبة مثل أسرار القصر الرئاسي أو عالمه النسائي أو صناعة العلاقات العالمية  وهي مواد غنية جدا ومثيرة علاوة على المساحة التخييلية التي يسمح بها الفن المسرحي من الابتداع والزخرف.

 كانت  ذاكرة بورقيبة طوال المسرحية تحاول أن تؤطر الفهم الشعبي للتاريخ (فهو تاريخه) ثم تطمع في أن تحتويه وقد اشتغل على ذلك بورقيبة من قبل سياسيا. رأيت في هذه الذاكرة سجنا للفهم الشعبي والمسرحية إطارها السجن الذي فرضه بن علي على بورقيبة وعلى ذاكرته غير أنه منذ خروج ذاكرته من سجنها الأخير سرعان ما عادت إلى سيرتها الأولى باحتكار التاريخ فهي دائما تطلب أن تكون سجنا هي الأخرى. إن تجاوز ذاكرة بورقيبة هي أن نتجاوز أنفسنا بحق فنغير حقيقتنا ويصبح تاريخ تونس تاريخنا جميعا وليس تاريخ بورقيبة أو تاريخ حزب أو أسرة. 
ثم  إن زاوية النظر المنبهرة التي رأى منها رجاء فرحات بورقيبة تحولت عائقا لتذوق المسرحية لدى المشاهد حين يريد أن يخضع نفسه للموضوعية لأنها تهاجمه فهي كأنما تتهمه بأنه لا يعرف تاريخ الوطنية التونسية ولنكن صريحين جدا لازال جيل كامل (رجاء فرحات وقائد السبسي مثال آخر)  يصر أن يمرر نظرته لبورقيبة  للأجيال التي تليه –وهي نظرة لفكرة الوطنية ولفكرة الدولة -  والأعمال الفنية طالما كانت وسائل للفعل السياسي والتاريخي   لقد قالها ميشال فوكو من قبل لجميع المثقفين "لا تقعوا في حب السلطة" فما بالكم بالوقوع في زاوية نظر السلطة. كما قلت النقد الذي نتعلمه هو نقد بورقيبة للنخبة  والنخبة هي التي تصوغه الآن لنا بعد أن رحل  فلنطبق فكر بورقيبة على بورقيبة نفسه.

أما المأخذ الأساسي فهو الرغبة في دغدغة العاطفة الجماهيرية لنتفق أولا أن  المسرحية تستهدف فئتين كبيرتين فئة المعترفين بأبوة بورقيبة الذين هم ينتظرون ما يدعم عشقهم لزعيمهم الأزلي وفئة الأجيال المتأخرة الواقعة تحت طائلة تهمة الجهل التاريخي الغير مغتفر فتطمع الفئة الأولى في أن تضعهم في المدار الصحيح. بورقيبة في المسرحية فوق الشبهة الدينية وهذا منطقي لأنه هو المتحدث لكن الغريب أن فكرة العلمانية غائبة عن المسرحية تماما وهي فكرة حاضرة بقوة في واقعنا السياسي الحالي كانت الفرصة مواتية لمناقشتها في أعماقها التاريخية غير أن التقبل الجماهيري لم يكن مضمونا لذلك اختفت. ثم كان تناول صورة بن علي (ظهر باسم الزفت طوال المسرحية) التناقض الذي أفسد  نجاح رجاء فرحات الكبير في فسخ المسافة بين بورقيبة وبورقيبة الممسرح وانفصل فجأة عن رؤية بورقيبة مفضلا الانسياق للرؤية الجماهيرية الحالية فالرابط بين الرجلين رابط أبوي تحت سقف جهاز الدولة لم يكن بورقيبة يرى  في بن علي إلا ثمرة جهازه ففي حالة بن علي بالذات غابت على بورقيبة فطرته النقدية فتم إحضارها عنوة في المسرحية هنا يظهر جليا أن رجاء فرحات يفضل تبرير شخص بورقيبة على عرضه كما هو ثم لنرى التركيز على ذلك التناظر الشهير بين بن علي وبورقيبة بين الجاهل والمثقف بين المتعالي والمتواضع بين الحاد والمرن وقد كانت إضافة شخصية والي المنستير حيلة ذكية لفسح المجال لبورقيبة ليهزئ من عهد ما بعد بورقيبة. عموما إن رؤية بورقيبة من خلال مساوئ بن علي هي أسهل الطرق لإثبات أبويته الشرعية لتونس بذلك تكون الفئة الثانية اقتيدت إلى المدار الصحيح.
بورقيبة إضافة لكل ما أنجزه فعلا  تضيف له المسرحية فضيلة الاعتراف بالذنب انه يصل إلى الاعتذار من الشعب التونسي لأنه ترك فرصة الوراثة لمن لا يستحقها وفي طيات ذلك الرؤية الشعبية المتسامحة مع الدكتاتورية –كأننا  نقبل بالمستبد المستنير (وهو أسهل الحلول )   لقد نسي رجاء فرحات أن عنصرا أساسيا في شخصية بورقيبة عنصر النرجسية قد غيب  لقد حرص أن يكون" جميع من حوله أوان من فخار فيما كان هو الوحيد الذي صاغ نفسه من حجارة الصوان" كما قال الصافي سعيد من قبل في عمله "بورقيبة سيرة شبه محرمة".

رغم كل هذه المآخذ – وهذه المقالة تبقى مما يشمله نقد بورقيبة -  فان المسرح التونسي شهد بهذا العمل نفسا جديدا والجماهير هي التي تقيم الأعمال المسرحية وهذا جمهور المسرح البلدي قد خرج منشرحا لا يصدق أن قد أمضى ثلاثة ساعات بين دروس التاريخ المعاصر وتهكمات بورقيبة العجيبة وبين الشعر الفرنسي والأمثال الشعبية التونسية. لقد أتيح لهذا الشعب أن يجالس أكثر رجال تونس تأثيرا بندية.
تقديري الكبير للسيد محمد رجاء فرحات لأنه استغل بورقيبة ليمرر رسالته الخاصة كفنان وأن يجهر بالدعوة للبناء الفكري للمجتمع : الثقافة إلى جانب السياسة والاقتصاد  ثم كما أن المسرحية كان يمكن أن يكون فيها رجاء فرحات لوحده على الركح إلا انه فضل أن يكون معه الطبيبة ووالي المنستير يستند عليهما كلما قرر الوقوف  فقد حرص أيضا أن لا يكون بورقيبة لوحده حاضرا في تاريخ تونس لقد حضر الطاهر الحداد ومحمد علي الحامي وفرحات حشاد ومحمود الماطري وحتى مقدمة بن خلدون كانت حاضرة وخصومه من الثعالبي إلى بن صالح. ثم إن هناك عبرة تؤثث خلفية المسرحية هي أن تاريخ تونس ليس تاريخ الموقع الجغرافي أو تاريخ الموارد الطبيعية إنما هو تاريخ الإنسان التونسي وبورقيبة الذي فعل ما فعل بالتاريخ هو إنسان تونسي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق