يبدو أن علينا أن نفهم أن الثورة أدخلت
على التونسيين عادات جديدة من بينها عادة انتهاز الفرص للخلاف فأي حدث يقع مهيأ
للتحول إلى ميدان خلافات وتصفية حسابات تذكروا محاكمة قناة نسمة وبيان الباجي قائد
السبسي وأي زيارة خارجية للمرزوقي أو الجبالي أحيانا خبر في جريدة أو حادث مرور
وأخيرا موجة البرد التي جثمت على البلاد والتي حولتها هشاشة البنية التحتية
والتغطية الإعلامية إلى كارثة وطنية تستدعي الإعانات الأجنبية كان أحرى أن تجمع مثل هذه الطوارئ الخصوم من
أبناء الوطن الواحد ولكن هاهي تتحول هي
الأخرى إلى مهرجان من المزايدات والتلاسن.
في هذا الجو المشحون وفي هذا الطقس
البارد جاء الشيخ وجدي غنيم إلى تونس ليلقي المحاضرات أمام الآلاف – وظاهرة استدعاء المشايخ المصريين أو
الخليجيين إلى تونس موضة تنتشر تذكر
بظاهرة استقدام المغنيات المصريات أو اللبنانيات – وهو صاحب شعبية كبيرة بما انه
نجم من نجوم الفضائيات الخليجية الدينية ونمط استثنائي من الدعاة اذ يجمع بين
السلفي المتشدد وصاحب النكتة الساخر بامتياز حتى أن البعض يعتبره صاحب موهبة
كوميدية تتفوق على الكثير من أهل الميدان كل هذا مع ثقافة دينية متينة عمودها
الرئيسي ذاكرة فولاذية تحفظ القرآن بتفاصيله الدقيقة عن ظهر قلب فهو يأتي بالآية
ورقمها في السورة وسنة وحادثة نزولها. عنصر آخر مثير وغريب هو تكوينه في التجارة
وإدارة الأعمال وتحصله على شهائد عليا من الجامعات الأمريكية وانتمائه في السبعينات
للجيش المصري. وجدي غنيم مصدر إزعاج لدى الدوائر الرسمية أينما يحل فكثيرا ما منع
من إلقاء المحاضرات أو يتم طرده من البلدان التي يقيم فيها مثل البحرين وانجلترا
لانحيازه المعلن إلى الإسلام التكفيري.
وكذلك لا يلقى وجدي غنيم أي ترحيب من
الحداثيين ومن كل الفئات الإسلامية غير السلفية لذلك منذ أن أعلن عن نية استدعائه
إلى تونس نشط الفايسبوك تهكما عن الداعية الذي يدافع عن النقاب كمبدأ إسلامي لا
يناقش ويعتبر الفن من محرمات الدين وتبقى
إحدى عجائبه التي لا ندري هل هي من باب الدعوة أم من باب التنكيت اعتباره ختان
البنات عملية تجميل. الفرصة كانت مواتية للكثيرين للتهكم من هذا النوع من الإسلام
الظلامي القادم من الصحراء وكان فرصة لتمرير مواقف سياسية من أصحاب الخلفيات
اليسارية والعلمانية فيما تدافع أنصار السلفية وبعض المنتمين للأحزاب ذات المرجعية
الدينية في هذا الجدال من باب أن كل ما يقوله هؤلاء العلمانيون هو خاطئ بغض النظر
هل أن الرأي الذي انكبوا للدفاع عنه صائب أم لا.
الدعوة لاستقدام وجدي غنيم كانت من
جمعيات سلفية تونسية وهي التي تتصور أنه بمثل هذه الشخصيات يمكن حقن الدماء
الوهابية في عروق الثورة التونسية لذلك كان الموقف الرسمي التونسي من سياسيين
ورجال دين غير مرحب بمجيئه فقد دعا المفتي عثمان بطيخ لتجنب استقدام الدعاة
المتشددين للابتعاد عن إثارة الفتنة في المجتمع التونسي كما أن الشيخ عبد الفتاح
مورو جاء صراحة ضد استدعاءه معتبرا أن التونسيين يعرفون أي إسلام يتماشى مع مجتمعهم وقد كان تصريحه مناسبة أخرى
لتهافت العلمانيين بما أنهم وجدوا في الأمر "وشهد شاهد من أهلها".
أخيرا يمكن القول أن هذه الدعوة لا يمكن
بأي حال من الأحوال أن تكون ورائها نية حسنة فمن استقدموه كان في بالهم ولا شك حجم
الإقبال الذي سيحصل وقد أعدوا لذلك جيدا كما أنه من جهة أخرى يعتبر وجدي غنيم من
أكثر الوجوه الدعوية حضورا سواء في الفضائيات أو الانترنيت فكان أحرى تجنيب تونس
مثل هذا الجدل البيزنطي الخاوي في هذه الفترة الغير مستقرة. لمثل هؤلاء أتوجه
بالسؤال ماذا سيكون موقفهم حين تدعو إحدى
المنظمات نادية الفاني أو سلمان رشدي أو
نوال السعداوي لا شك سيرون في ذلك استفزازا شديد اللهجة وسيرون حتما فرصة كبيرة
للهجوم والمزايدة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق