بعد العزلة الفلسفية التي عاشها أبو يعرب
المرزوقي لسنوات هي حالة طبيعية للفلسفة في كل زمن وحالة تعسفية حين تكون البلاد
محكومة بنظام استبدادي ظلامي كنظام بن علي . بعد هذه العزلة هاهو الفيلسوف يطوف
البلاد التونسية زائرا مدنها الداخلية قبل مدنها الكبرى ليطرح أفكاره للناس
ويتفاعل معهم في جو من الحميمية بعيد تماما عن التلونات السياسية والتهريج الحزبي
فمشروع أبو يعرب المرزوقي راسخ منذ زمن في أعماله التي تتجاوز العشرين مؤلفا ولا
يمكن أن يتلون بطوارئ السياسة والأحداث الوطنية والإقليمية. هو الذي كان يقول
" إن الدين ليس عندهم – أي أهل السياسة – إلا التعويض الوهمي عن الفشل
السياسي" وهو الذي كان يرى في ما
يسمى بالنخب أصل الداء "تأتي النخبة كي تمسك بآليات القمع الوقائي إنها مافيا
من الإعلاميين والأكاديميين والنقاد المزيفين ينصبون شعراءا وعلماءا وكتابا مزيفين
في عالم كله تزييف" هذا قوله في كتاب "العلاقة بين الشعر المطلق و
الإعجاز القرآني" المنشور في عام 2000 ببيروت أليس هذا ما كان عليه الوضع في
بلادنا ؟؟
في محاضرته التي ألقاها في تطاوين في
جويلية الفارط قام بإسناد الفضل للثورة التي أرجعت جموع الأمة العربية إلى التاريخ
رغم أن فلاسفة الإسلام المعاصر كعابد الجابري وعبد الله العروي في المغرب أو حامد
نصر أبو زيد وحسن حنفي في مصر والمرزوقي نفسه دعوا نفس الدعوة ولكن فقط الثورة هي التي
أعادت التاريخ إلى الفكر الإسلامي وموقعت الإنسان العربي من جديد فيه ليعود فاعلا
كما كان قبل أن تتغلب عليه عوامل الانحطاط ثم الاستعمار ثم الاستبداد فهو يتجاوزها
ليرجع إلى الاضطلاع برسالته المكلف بها ¤ وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا لتكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ¤ البقرة 143ً وحسب أبي يعرب المرزوقي لن تكون
الأمة الإسلامية قادرة على الشهادة على الناس ما يكن الإنسان المسلم هو الأفضل
والأفضلية لا تستمد من كونه مسلما أو من عنصره وإنما بالتقوى بحسب النص القرآني أي
بالاقتداء بالقيم الإسلامية التي هي قيم الإنسانية.
يتحول أبو يعرب المرزوقي شيئا شيئا إلى
ظاهرة بفضل الانترنيت فكثيرة هي كتبه المتوفرة في طبعات الكترونية مجانية ولكن
الإنترنيت وسيلة لا غير والسبب الحقيقي لبروزه هو تجذر مشروعه الفلسفي في قضايا
وهموم الإنسان المعاصر وأصالته فأبو يعرب المرزوقي لم يكن أبدا مستوردا لفلسفة
الغرب ويعرف أن حلول الغرب إذا أسقطت على أزماتـنا فإنها تزيدنا غرقا فيها. و يكفي
أن تضع اسمه في موقع اليوتوب مثلا لتسمع من الحوارات والخطب ما يشفي غليلك من
المتعة الفلسفية ويوقظ وعيك في زمن التعمية والفوضى ويعيدك إلى الغاية الأصلية للإنسان
وهي الاستخلاف أي الفعل والمشاركة في البناء الحضاري. وانظر في الحلقتين التي
استدعي فيهما في برنامج الشريعة والحياة عام 2009 ليخطف الأضواء قليلا من العلامة
يوسف القرضاوي لتعرف أن هذا التونسي يشع على مجمل المسلمين وأن من أفضال الثورة
علينا أنها تعيد مفكرينا الحقيقيين لنا لنهتدي بهم عوضا عن تلك النخبة المزيفة
التي طالما احتكرت المنابر والمواقع.
من ناحية أخرى يعتبر أبو يعرب المرزوقي
من أهم الناحتين اللغويين (أي مستحدثي الكلمات للمعاني المستحدثة) كمصطلح الجداثة
الذي هو المقابل المفهومي لمصطلح الحداثة في قوله "الحياة المستعارة التي
تبدو حداثة هي عين الجداثة" أي البقاء خارج الفعل الإنساني – كذلك مصطلح
الأصلانيين ليقابل مصطلح العلمانيين (وهو بالمناسبة مصطلح متداول يرسخ للتشويش
النظري لأن المفكرين العرب حين استوردوا الكلمة لم يدققوا في ترجمتها ولذلك هو يصر
على تطوير اللغة العربية بالنحت لكي لا نقع فيما وقعنا فيه) عوضا عن مصطلح الأصوليين أو السلفية التي
تقابلها التبعية (جدلية الانغلاق في الماضي و الانفساخ في الآخر) وهما الخطر الذي
كان ومازال يهدد الأمة الإسلامية ويهدد كل الأمم.
معروف عن أبي يعرب المرزوقي أنه يستخرج
من القرآن عناصر فلسفته فمثلا يستخرج من سورة يوسف الشروط الأساسية للمشاركة في
البناء الإنساني (معنى الاستخلاف في الأرض) وهي الشروط التي توفرت في سيرة النبي
يوسف منذ طفولته إلى تمكينه في الأرض وهذه الشروط هي:الحب (شرط التعايش
المشترك) - العلم ( شرط معرفة المستقبل)-
السياسة (شرط تنظيم الحياة) – الاقتصاد ( شرط تحقيق الحاجة) و برهان الرب أي الدين
(شرط الالتزام القيمي).للإشارة أن أبا يعرب المرزوقي كان قد اعتكف على التفسير
الفلسفي للقرآن وانتهى منه في 2010 معنونا باسم " الجلي في التفسير" وهو
أول تفسير فلسفي للقرآن من منشورات الدار المتوسطية للنشر بتونس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق