الخميس، 22 مارس 2012

حركة أهل الكهف .. شهود على سوء استخدام الثورة


حركة أهل الكهف ..  شهود على سوء استخدام الثورة

منذ 14 جانفي والفنان التونسي مرتبك وعاجز عن تلبية مطلب اجتماعي عاجل وهو التعبير عن التغير الذي لحق التونسيين بعد الثورة. ربما ليس هناك سوى سخرية الشارع والفايسبوك للقيام بهذا الدور اليوم. أما المغنون والشعراء والروائيون والسينمائيون فهم يبحثون بلا جدوى وبتهافت لانتزاع رضا هذا الشعب عنهم وتحقيق مرابيحهم المعتادة ولكنهم عموما ظلوا مقيدين بنفس الوسائل القديمة يحاولون تطويعها لأغراض الثورة كما طوعوها لأغراض سنوات القمع فيما تحولت وسائلهم تلك إلى ما يشبه العملة الممسوحة.   الثورة وجدت في غفلة منهم متنفسها الفني والشعبي الطلائعي عبر الفنون التشكيلية التي طالما قيل عنها أنها طارئة على حضارتنا. جماعة أهل الكهف وهم من خريجي معاهد الفنون الجميلة قد أقدموا على جعل الشوارع مدونة توثيقية شاهدة على مسار الثورة وصانعة له فيما يلخص أحد نشطاءها فلسفتها بأن الهدف من هذه الأعمال هو نقل العدوى.   

 برزت الجماعة خصوصا في اعتصامات القصبة وقد ساهمت في ملأ جدران ساحة الحكومة بتصورات فنية لمطالب الشعب الثائر كان أبرزها شعار "بن علي هرب واللي غلطوه مازالوا"  والذي تحول إلى فكرة سياسية ترجمتها الأحداث وحتى النصوص القانونية وما زالت قابلة للشحن. بعد انقضاء الاعتصام سارعت بلدية مدينة تونس بفسخ كل ما رسم فوق الجدران معلنة عن فرض مبدأ هيبة الدولة الذي جاء به قائد السبسي فدخل في دائرة اهتمام الجماعة بشعارات"لا يمكن لي أن أحلم مع جدي" و"لا تقعوا في حب السلطة" وبقيت الجماعة تعرف صعوبات وتهديدات بين أخطار هيبة الدولة وطوفان القوى الحزبية وموجة السلفية  وقد اعترف أفرادها علانية أنهم جاءوا ليمارسوا الإرهاب الجمالي. خرجت الحركة عن مركزية العاصمة بأن حملت أعمالها إلى فئات شعبية حاصرتها السياسات بالتهميش والفقر وتغييب القيم الجمالية فحاولت الجماعة نقل الثقافة الرفيعة والجميلة لهؤلاء فكان ادوارد سعيد في جبنيانة " ومحمود درويش في حي التضامن كما حاولت تخليد نضالات المهمشين مثل مهذب السبوعي الذي قاد المظاهرات في المزونة على كرسي متحرك وأبدع شعار "سينتصر هذا الجسد".
 عملت الحركة على زعزعة قناعات متحجرة  لدى الرأي العام مثل قداسة السلطة وقَدَر المجتمع الاستهلاكي وحيادية الصورة التلفزية وهي حين تمارس فنها في الشارع تذيب صنما رسخه اختلاط المفاهيم في الوعي الجمعي بين ملك الدولة والملك العمومي  ومن مبادئ الحركة أنها لا تقبل الظهور الإعلامي وهو موقف احتجاجي ضد ما يسمونه مجتمع استهلاك المعلومات وبسبب عدم الثقة في الإعلام التونسي الذي يمارس من جهته إرهابا ناعما تجاه المجتمع ثم حرصا على بقاء العمل الفني وسيلة للتواصل وهم بهذا الخصوص قد أعلنوا في بيان لهم "للتذكير: إنَّ مدَّة صلوحية أعمال "أهل الكهف" لا تتجاوز الـ24 ساعة. نرجو منكم تخريبها أو تهذيبها أو تعذيبها أو إعادة توضيبها." فيما يضيف أحدهم "أو عدم لمسها و فسح المجال للغير للاستفادة منها" ظاهرة البيانات تحيلنا إلى توجه آخر للحركة وهو النشاط على الفايسبوك للتعريف بأعمالها ويبقى القاسم المشترك واضحا بين الفضائين - الافتراضي والعمومي - وهو الحيطان. ومن خلال الانترنيت تأخذ الكلمة والصورة المشعل من الجداريات التي تعرف التضييق عليها وهي فسحة  حرية لتمرير المواقف الفكرية والفنية فالفنّ في رأيهمُ "لا يأتي من النظرياَّت, بل يُولّدها. ثم يبول عليها حين يسكر من جديد" و"أي تشابه بين ما تقوم به "أهل الكهف" والفن هو من محض نسج خيال المشاهد. ولا تتحمَّل "أهل الكهف" أية مسؤوليّة في ذلك".

أفراد الحركة  تقبلوا بروح رياضية وربما برضا وامتنان ما حصل من تخريب لجداريتهم في حي التضامن ففوق صورة جيل دولوز التي كتبت فوقها قولته "أن تخلق هو أن تقاوم" جاء أحدهم وكتب الخالق هو الله فجاء بعده من يوضح للأول التباس المعاني فوق الصورة وبعدها أقدم آخر على دهن كلمة تخلق فظلت فارغة ليجيء أحدهم لكتابة كلمة أخرى مكانها وفي النهاية أحضرت تراكس لتحدث ثقبا في الجدار وتفسخ الجملة واضعة حدا للجدال. هذه الحادثة تترجم فكرة الجماعة في مواصلة الناس للعمل الفني.
 لقد افتكت أهل الكهف جزءا من الهامش العام ليحولوه إلى فكر وجمال بعيدا عن الوعظ والاستيطيقا الزائفة والمصالح العاجلة ووجدوا ثغرة للانفلات من لعنة اللغة الخشبية التي صارت مرضا مزمنا في تونس والإبداع لن يكون إلا بهذا المستوى من الجرأة والتمكن. الثقب انفتح أمام الفنون وما عليها إلا أن تفتك هي الأخرى المواقع من الدولة ومن الفراغ والإهمال ولكن يبدو أنها إلى حد الآن مازالت محصنة من العدوى.  كلمة السر صارت معروفة إن المثقف الذي يريد أن يحتمي ببرنس المؤسسات لم يعد له ما يقدم للمجتمع وإذا بقي الفن كما كان مختبئا تحت ظلال الدولة منتظرا الدعم والحقوق والفضاءات ومجموعة البدع التي اخترقت السلطة بها الثقافة من قبل فما معنى حدوث الثورة إذن ؟

شوقي بن حسن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق