مازال كتاب الأمير لنيكولا ميكيافيلي
يحتفظ ببريقه فهو أيقونة الكتب السياسية إلى اليوم رغم مرور قرابة الخمسة قرون على
تأليفه ليس لأنه دليل عملي لرجال السياسة وهم قد تجاوزوا كل التقنيات المكيافيلية
بأشواط وليس لأنه دعا وتنبأ بوحدة ايطاليا المستحيلة آنذاك فتحققت في غضون ثلاثة
قرون بل لأنه أتاح للقارئ فرصة أن يرى آلة الحكم كيف تعمل من الداخل و ذلك بالرغم
من أن ميكيافيلي كان يضع نفسه في خدمة أميره (لورنزودي دي ميديتشي) حيث يصرح أنه
سيشرح له الوسائل التي يتمكن بها الأمراء والملوك من التغلب على الأمم والتحكم
فيها.
لكن رجلا يقول "إن الحرب
والسياسة توأمان فمن كان يريد أن يفوز في
الأولى عليه أن يكون فائزا في الثانية" أو "أن الحرب هي أن نجني ثمار
السلم" فهو يقيم مبدأ يكاد أهل السياسة جميعا يسيرون تحت لوائه في كل الأزمنة
وإننا لنرى هذه المقولة قاعدة في فكرة الدولة الصهيونية ومن قبلها في السياسة
الخارجية الأمريكية أو البريطانية وفي المقابل نرى كيف أن الدولة الناصرية في مصر
اندفعت في خيار الحسم الحربي من غير أن تكون قد هيأت لذلك سياسيا كيف خسرت معاركها
في كلا المجالين.
زين العابدين بن علي مثلا - وكذلك حسني
مبارك وعلي عبد الله صالح والقذافي وبشار الأسد كلهم سواسية في الأمر - لم تسعفه
الثقافة لكي يقرأ نصيحة مكيافيلي التي كانت يمكن أن تنقذ نظامه فميكيافيلي يقول
منذ قرون "أن الأمير ينبغي أن يعيش مع الشعب على وتيرة واحدة بحيث لا يضطر
إلى تغيير سلوكه تحت الضغوط فإن فعل الخير المرغم عليه لا قيمة له" فكانت
إصلاحات 13 جانفي ووعود التنحي والرجوع إلى الضوابط الدستورية كلها مزيدا من الزيت
فوق نار ثورة 14 جانفي.
ان مصيبة من مصائب العصر أن هناك ساسة لا يقرؤون ولا يعرفون علم السياسة
فما بالك بالشعوب التي يقع عليها أيضا واجب المعرفة السياسية ثم ان مصيبة أخرى من
مصائب العصر ان يتم تطبيق حلول عصر
تجاوزته البشرية
مثَلُ ذلك تطبيق مقولة ميكيافيلي "
لا ينبغي للأمير أن يحفظ العهود ما دامت الأسباب التي دعت للعهود قد انقضت"
أو " أن الاتصاف بالفضائل خطر ولكن
الظهور بها نافع" لقد كان إطار السياسة في عهده هو البلاط بدسائسه
ومؤامراته وليس الشارع أو المؤسسات
السياسية المفتوحة وفي عصره مازال لم
يتبلور مفهوم الدولة الحديثة فميكيافيلي سابق لروسو وفلاسفة الأنوار الذين سيأخذون
على عاتقهم بناء المفاهيم الحديثة للدولة والسياسة حتى أن الفيلسوف الانجليزي
فرنسيس بيكون كان يقول إن ميكيافيلي لا يفيد أحدا من الملوك لأنهم يعرفون ما
يقصدون ولكنه يفيد الشعوب ويفتح عينيها لما يحيق بها من أخطار. علما أن رجال
السياسة والدين في كل العصور كانوا ضد كتاباته علنا فيما هم يقومون بتطبيق أساليبه
- هذه لعبة الظاهر والباطن التي فضحها ميكيافيلي ولخصها في مقولة الغاية تبرر
الوسيلة التي هي الطاقة التي تغذي عالم السياسة كله والمبدأ الذي عجزت أن تتجاوزه.
لكل الساسة والمتسيسين أشير عليهم أن هذا
الرجل كان ينصح أميره فيقول "إن واجب الأمير أن يكسب ثقة الشعب وإلا لا ملجأ
له وقت المحنة". وفي موضع آخر "إن واجب الأمير أن يبحث عن الوسائل التي
تجعل رعاياه في حاجة إلى حكمه" ومن بين الوسائل العدالة والأمن وتشريكهم في
بناء الوطن فإن لم يكن كذلك فليس لديهم ما يخسرونه إن تركوه لأحكام التاريخ
القاسية والأمثال غير بعيدة عن الأذهان.
تونس في 7 جويلية 2011
نشرت في عرابيا عدد 31 جويلية 2011 (في عمود من
القاموس السياسي)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق