الجمعة، 23 مارس 2012

قراءة في الثورة التونسية تحت ضوء الثورة الفرنسية




     من المصطلحات التي برزت في 2011 كانت "الثورة" المصطلح الأبرز وهي "نجومية" غير طارئة في الفضاء العربي ولا حتى العالمي. وإذا تحدثنا عن نجومية الثورات فان الثورة الفرنسية هي الثورة الأشهر والأبعد ذكرا.  لقد تأسس المصطلح كما نفهمه اليوم منذ سقوط الباستيل وعاش تداعيات لكي يتبلور  ويتخذ شعارا وأحيانا ذريعة.
في مصر الخمسينات أسقط المصطلح على انقلاب عسكري فأنجب ثورة ذات بصمة على أرض الواقع قادت أحلاما مشتتة إلى أبعد مما تستطيع ثم أخذت الأحلام بزمام الأمور فهدمت كل ما تحقق. وحتى نخب فرنسا أواخر القرن الثامن عشر لم تكتشف فعالية المصطلح إلا حين قطعت العامة المندفعة مسافة طويلة في الفعل التاريخي وكان سقوط الباستيل حدثا غير مدبر ولم يتصور أحد أنه الورقة التي تسقط  فينهار ورائها كل هرم الأوراق الكوتشينية     château de cartes          وأن انهياره هو أساس انهيار العالم القديم برمته. وكانت حادثة محمد البوعزيزي - وهي أمر متكرر يوميا لتحرش السلطة بمواطن عادي -  شرارة التغيير التاريخي الذي قلب حياة التونسيين.  

بدأت الثورة الفرنسية في 14 جويلية 1789 بسقوط الباستيل وليس بإسقاط الملك لويس السادس عشر الذي كان بعيدا في قصره في فرساي عن المحتجين في باريس ولم يكن أحد يتصور أن هذا الحدث سيؤدي بعد سنتين إلى فراره. لقد كان تصرفه في تلك السنتين هو الذي أهدر كل إمكان لإنقاذ نظامه (والعجيب أن نظامه الملكي سوف يعود في 1814 بسبب ذهاب الثورة إلى أقصى حدود ممكناتها وهذا من أهم دروس الثورة الفرنسية). حتى في تونس القرن الواحد والعشرين كانت أخطاء معالجة الأزمة التي اشتعلت في أواخر 2010 هي التي قادت لهذا الانهيار العجائبي لنظام دام عقودا في ظرف أسابيع معدودة مع إضافة أن بن علي مثل لويس السادس عشر كان متمسكا بقناعة عمياء هي أن نظامه أزلي وحتى الأخطاء الكبيرة لا يمكن أن تؤدي به خارج قصر قرطاج. فلا غرابة أن يكون مصيره كمصير لويس السادس عشر علما أن كلاهما حين فر كان يظن أنه عائد ولم يكن يعرف أنه يطلق رصاصة الرحمة على مشروع بقائه. هكذا نرى أن الثورات تعرف العديد من التكرار والثورة تدل أكثر من غيرها أن التاريخ يعيد نفسه.
الثورة الفرنسية كذلك صنعت مصطلح "التأسيسي" عبر مؤسسة الجمعية التأسيسية التي طوال سنة 1790 تحولت إلى سلطة موازية للسلطة القديمة المتمثلة في الملك والمؤسسات التابعة له. هذا المصطلح حاضر بيننا اليوم بقوة بعد ثورة 14 جانفي وقد كان خيار "المجلس التأسيسي" خيار بورقيبة ذو التكوين "الفرنسي" بعيد الاستقلال فلم ير إلا الطريقة الفرنسية في تأسيس الشرعيات وبناء الدولة مع أن تونس لم تعرف مثل فرنسا تلك القطيعة الحادة في مؤسسة الدولة فمثلا النظام الإداري التونسي مستمر منذ انهيار الدولة الحفصية أي منذ قرابة 500 سنة وكانت الدولة المرادية أو الحسينية ثم الاستعمار الفرنسي لا تضعه في مجال المتغيرات وإنما فقط تقوم بتغييره بإصلاحات منتظمة كي يناسب تصوراتها للسلطة تماما كما فعلوا بالنصوص الدستورية من عهد الأمان إلى دستور 1861 إلى معاهدات الحماية إلى دستور بورقيبة كلها حلقات مترابطة تعبر عن القوى السياسية الفاعلة في كل مرحلة ولا تتجاوز النصوص السابقة خوفا من أن تخسر ذلك الرصيد الكبير من السلطة التي كانت تتمتع به المنظومة السياسية التي قبلها  وهاهي الثورة مؤخرا تظل في الإطار نفسه من تفضيل الإصلاح على إعادة الهيكلة. واني بهذا الخصوص مضطر أن أطرح مثلا عمليا بسيطا في شكل تساؤل. بعد أن عهد مواطن لأحد المقاولين بناء منزله وجد انه يختلف بنسبة كبيرة جدا عما كان ينتظره سيكون القرار المعضلة هو إما أن يقضي بقية حياته في منزل غير متلائم معه أو أن يعيد بناء منزله من جديد مضحيا بكثير من المال والجهد مرة أخرى. الثورة الفرنسية اختارت أو هي اضطرت أن تعيد البناء من جديد وتقريبا نحن اليوم في نفس موقع القرار.
 طبعا كل هذا لا يعني بالضرورة إتباع المثال الفرنسي فقد جربنا مع بورقيبة هذا القرار من قبل ولا يعني نقض كل ما فعلته فرنسا لأن الثورة الفرنسية تقدمت بفرنسا وبالعالم في نهاية الأمر. وإنما الهدف أن تكون لدينا خلفية فكرية لكل قراراتنا وأن نعرف إلى أين نحن نسير؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق