الجمعة، 23 مارس 2012

الدائرة المغلقة لتوارث السلطة




يبدو أننا لن نفرغ من مسلسل التجاذبات الحزبية ولن نمر إلى مرحلة بناء الدولة وإصلاح مؤسساتها - وكانت شرعية القوى السياسية ما بعد ثورة 14 جانفي قائمة على إرادة الإصلاح ذلك ما أعلنوه في حملاتهم الانتخابية على الأقل -  فجميع هؤلاء الذين دخلوا تحت سقف المجلس التأسيسي منهمكون بتقاسم السلطة أو ما يسمى في أدبيات السياسة اليومية بالكعكة تعمية أو سخرية لست أدري.  
لفهم الواقع السياسي التونسي بموضوعية أكثر لنعد أولا للقاعدة الأساسية لعلم السياسة مقولة ميكيافيلي الشهيرة " الغاية تبرر الوسيلة " كانت الوسيلة هي لعبة ديمقراطية فرح بها الشعب التونسي وأبهر العالم بإتقانها رغم أنها التجربة الأولى ( قد تكون ربما ما يسمى في علم الاحتمالات حظ الرمية الأولى )   والغاية هي تقاسم السلطة تحت مظلة الشرعية الوليدة أي ترجمة المواقع أو الكراسي إلى قوى.
وبما أن السياسة لا يمكن إلا أن تكون ماكرة فإنها تبطن ما لا تعلن فمثلا إذا أعلنت أنها تريد حل التجمع الدستوري الديمقراطي فإنها في الحقيقة تريد أن ترثه. إن مسلسل التجاذبات هذا هو ببساطة صياغة فنية لتهافت الورثة فمن يصل إلى السلطة هو وريث للقوة الحزبية للتجمع التي تبعثرت ولكنها باقية مثل كنز مخبوء في مكان ما. وان من عملوا سابقا في كواليس السياسة – وكانت حكرا على التجمعيين – وصاروا مدمنين سياسيين لن يذهبوا بعيدا عنها وحتى إذا أرادوا فسوف تستقطبهم القوى السياسية ذات الشرعيات المحدثة وهي في الحقيقة تـُـراكم "السلطة" التي تبعثرت وتتحسس الطريق نحو الكنز المخبوء.   
بموضوعية العقل السياسي لا يمكن للقوى الجديدة إلا أن ترفض محو تراث السلطة فما معنى أن تخسر ما حققته دكتاتورية بورقيبة ودكتاتورية بن علي (هي قوة من منظور السلطة بعيدا عن الرؤية الشعبية العاطفية ) لا ننسى أن هناك قطبين في الجدلية السياسية – الدولة والمجتمع – إذن إذا تنازلت السلطة فهي تتنازل لخصمها الأزلي.

 إن ما يحدث بخصوص وراثة السلطة قريب مما نجده في متداول التحليل النفسي الفرويدي  ففي أسطورة قتل الأب بعد أن ندم الأبناء على الجريمة التي اقترفوها من أجل أن يرفعوا عنهم الحاجز الذي يمنعهم من إشباع رغباتهم الجنسية (السلطوية) والسطو على امتيازاته لم يقوموا بدفنه  وإنما التهموه (الوليمة الطوطمية) وبذلك أدمجوه فيهم وتحولوا إلى آباء لهم  مميزات الأب مقدسين إياه في الطوطم وهو تقديس ضمني رمزا لتقديس سلطته . إنهم ببساطة رفضوا أن يخسروا ما حققه الأب من قوة وسلطة ولننظر قليلا إلى الخلف ففيما كان بن علي 1987 يسمى عهده بالعهد الجديد كان في الحقيقة وريثا محضا لدولة بورقيبة  وهو ابن شرعي نبت من مؤسسات الحكم البورقيبي وترعرع فيها حتى تماهى مع أعلى درجاتها  أي موقع بورقيبة الأب  نفسه على رأس جهاز الدولة غير أن بروتوكولات السياسة واللعب على العواطف الشعبية هي التي اقتضت أن يدعي الابن أنه جاء كي يتجاوز الأب. لقد مر وقتها خطاب التجاوز أساسا  لأنه كان ما يريد الناس أن يسمعوه وكثير من خطابات التجاوز تريد أن تنطلي ثانية اليوم ولكن يبدو أن فئات تونسية استوعبت الدرس وهي ترفض أن تسمع أي خطاب من بينهم من يعبر عنهم بالأغلبية الصامتة في حين هي في الحقيقة أغلبية متصاممة ويتم فرض الصمت عليها اليوم شيئا فشيئا بعد إحداث وسائل لبناء الشرعيات الجديدة.    
في النهاية إن هذه الدائرة المغلقة بإحكام لتوارث السلطة لن تخترق من تلقاء ذاتها, وحده هو العنصر المستضعف في المعادلة ( المجتمع-الشعب ) إذا ما حقق من المؤسسات ووسائل الضغط المعقولة أي راكم من السلطة ما يصبح به خصما متكافئا مع سلطة الدولة (خصوصا سلطتها التنفيذية التي تحولت إلى ديناصور بين مخلوقات تكاد تكون غير مرئية وإلى رقيب بلا رقيب على الأقل ليكن أول انجاز هو إيجاد هذا الرقيب المضاد )  ورغم أن الحلول الجاهزة متوفرة من مجتمع مدني ونقابات ولكنها كلها مخترقة من السلطة لذلك فالوعي الشعبي – وهو مشوش ومشرذم أصلا – يجد نفسه اليوم في مأزق تجاوز الحلول وهو في موقف أقسى من موقف الجيش الذي حرقت سفنه ووجد البحر من ورائه والعدو من أمامه انه في موقف الحمل في وسط دائرة الذئاب.  

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق