التلون المنفعي أو ما يصطلح على تسميته
بقلبان الفيستة في العامية التونسية هي التهمة التي تنغص حياة رجال الصحافة التونسية اليوم وعديد من الإطارات في الميادين الاقتصادية والإدارية
وحتى العامة إنما هي في الأخير تعبير أو
متنفس شعبي يعكس عدم ثقة تجاه المؤسسات وأحيانا تجاه الدولة. وأننا نرى أن التزييف
الممنهج الذي نخر صحافتنا طوال سنوات السابقة كانت تقابله نفس الظاهرة في فرنسا وكذلك الأمر فيما يخص ظاهرة التلون البارزة في
تونس اليوم إذ يوازيها نفس الشيء في فرنسا
والتي – حتى رسميا - تعاملت مع الثورة التونسية من هذا المنطلق. إن" قلبان
الفيستة" يصبح أحيانا جزءا من سياسة دولة عظمى.
حين كشفت الأسبوعية الفرنسية"لو
كانار أونشيني"الساخرة والمختصة في التحقيقات في عدد 29 جوان 2011 عن أسماء الصحفيين
الفرنسيين الذين تعاملوا مع نظام بن علي بما سمته "شبكة التأثير غير المعلنة
" المكلفة بتلميع صورة نظام بن علي في فرنسا حدثت ضجة في فرنسا قادتها فئات
من المجتمع المدني والصحفيين وهذا عادي جدا خاصة أنه زمن الاستعداد للمواسم
الانتخابية في فرنسا ومثل هذه الأشياء تكون وسائل للضغوط وتوجيه الرأي العام.
من جهتهم سرعان ما تدارك هؤلاء الصحفيين
هذه الهزة بأن استغلوا الفرصة بالاندماج في سياق المواقف السياسية الفرنسية
الداعمة لثورة الشعب التونسي.
تكشف لنا "لوكنار أونشيني" ما
يقدر بـ 200 ألف يورو تدفع سنويا كتسديد حساب في إطار عقد بين الوكالة التونسية للاتصال الخارجي وهذه
الشبكة التي تديرها آن ميو صاحبة مؤسسة "ايماج 7" المختصة في الاستشارات
المتعلقة بالاتصالات أهم الأسماء هي لـ : ايتيان
موجوت مدير قناة تي اف 1 من 1988 إلى 2008
وهو الآن رئيس تحرير "لو فيغارو" , فراسواز لابورد مقدمة نشرة الأنباء
في قناة فرانس 2 , نيكولا دو تافرنو مدير
قناة آم 6 منذ العام 2000
ويبدو واضحا تركيز النظام التونسي على
القنوات التي تتمتع بأعلى نسب مشاهدة سواء في فرنسا أو في تونس. في القائمة كذلك
آلان وايل مدير راديو" أر آم سي" والقناة الإخبارية "بي آف أم
تيفي" ورئيس التحرير السابق لمجلة
"فالور اكتوال" جيرار جاشي ودومينيك دو مونفالون رئيس تحرير "لو
بارزيان" سابقا. مثلا كان هذا الأخير مبعوث صحيفة "فرانس سوار" إلى
تونس في شهر جويلية الفارط لتغطية الأوضاع في تونس وهي تعيش التحضيرات للحملات الانتخابية وكذلك لرصد تعامل التونسيين مع الحرب
الدائرة في ليبيا قال في مقالته المشورة في 26 جويلية 2011 "ليس هناك في
الحقيقة تونس واحدة إنما هناك ثلاث. تونس المدن الكبرى التي عاشت ثورة الياسمين
مثل تحرير والتي تجتهد اليوم لبناء الجمهورية المثالية فوق أنقاض نظام بن علي
المتسلط والذي أصبح مع الوقت نظاما فاسدا. ثانيا تونس الأرياف التي تزمجر غضبا لأن
أبنائها لم يستفيدوا من انجازات السنوات الـ 15 الأخيرة ويريدون أن يكون لهم نصيب
هذه المرة . أخيرا تونس المطلة على البحر التي لا تبكي سقوط بن علي بقدر خوفها من
الإسلاميين – واستغل شبابها الفرصة للعبور للضفة الشمالية للمتوسط- ". نفس
هذا الشخص قد نصب نفسه منظرا للثورة التونسية فهو في إطار هجومه على دومينيك
ستروتكان -الذي كانت سنة 2011 بالنسبة له كما لبن علي سنة مشئومة - قال "أن بن علي التلميذ النجيب لدى صندوق
النقد الدولي قد صنع بانقياده الأعمى للسياسات المقدمة إليه طبقة وسطى هي العامل
الأساسي في قلب نظامه". وقد أشار
الكثيرون إلى أن زيارة دو مونفالون هذه إلى
تونس غير بريئة بالمرة لانتماءاته اليسارية المعروفة. تونس بالنسبة لهؤلاء جميعا
ليست إلا ورقة تدفع أو تسحب كلما وجدوا في ذلك وسيلة للمنفعة أو الابتزاز. إن
تبعية رجل الصحافة هي معضلة هذه المهنة ,المعضلة التي تهدم المبدأ الأهم في
أخلاقيات السلطة الرابعة وإذا ما كان هذا حال الصحافة الفرنسية العريقة والقوية
فما بالكم بصحافتنا المرتبكة والهزيلة ولكن كيف تجاوز ذلك في جو من إغراءات المال
والمناصب.
القائمة تضم أيضا صحفيين غير متخصصين في السياسة
(مثل ميشال شيفر وماري آنج هورلافيل من "لوفيغارو" المختصين في عالم
الأناقة والجمال) ممن كانت الجهات الرسمية
في تونس تشتري ولاءاتهم بدعوات خاصة في النزل الفاخرة وإذا كانت هذه العملية
معقولة لانعكاسها الايجابي على نصيب تونس من
سوق السياحة التنافسي فان المسألة تتحول إلى درجة الريبة إذا تعلق الأمر
بالمقربين من الرئيس ساركوزي أهمهم وزيرة
الخارجية السابقة ميشال آليو ماري ووزير الدفاع الحالي جيرار لونغي كما كان المستشار
الخاص لساركوزي هنري غينو واحد ممن انتفعوا بهذه الدعوات وهو الذي كان يبرر مثل
هذه الاقامات في تونس بأنها مجرد زيارات لا أكثر ولا أقل في حين كانت الصحافة
المستقلة تسمي ذلك بالامتيازات مقابل التملق. إن مثال الوزيرة آليو ماري ليس حالة
منفردة- كما تصر فرنسا الرسمية على ذلك - جلي أن جزءا كبيرا من فرنسا الحكومية أو
غير الحكومية متورط في سوء النية تجاه
تونس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق