يقول علماء الاجتماع أن الطفولة هي فترة
الوقوع تحت وصاية جميع أشكال السلطة. يمكن إسقاط هذا التعريف بسهولة على حال
الصحافة لدينا فالصحفيون في تونس كالأطفال تماما واقعون تحت جميع أشكال السلطة
فيما تزعم الأدبيات الإعلامية أن الصحافة هي السلطة الرابعة. غير أن واجب الصحافة
دائما أن تفتك مكانتها تلك على حساب السلط
الأخرى لذلك تجد نفسها تحت مختلف الوصايات وينشأ مفهوم الرقابة. في الحقيقة الصحافة
نفسها بما هي جزء من الحريات ومن الفكر الناقد تستدعي الرقابة كنقيض لها
ليلعب الصحفيون أدوارهم في سياق هذا
الصراع الأزلي فلنقف إذن قليلا على تاريخ هذا الخصم المباشر لأن الرؤية الصحيحة
لما وقع ربما يمككنا من الخروج من محنة الطفولة الصحفية. وسوف نلاحظ أنه جزء لا
يتجزأ من تاريخ تونس المعاصر فلا يمكن فهمه دون الرجوع بالنظر إلى تاريخ الرقابة
الصحفية إنهما في كلمة تاريخان
متوازيان.
كان الفرنسيون العامل الأساسي في دخول
الصحافة إلى تونس فأولى المطابع جلبوها مع
مشاريعهم الاقتصادية قبل الاستعمار – وكانت خطوة لاختراق البلاد - وواكب صعود
ظاهرة الصحافة الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر نشريات فرنسية في تونس وقد كانت
بوادر النهضة العربية الآتية أصدائها من المشرق دافعا لظهور الصحافة باللغة
العربية غير أن قلة القارئين بالفرنسية وضيق الفئة المتعلمة التونسية كانا عاملين
لتهميش دور الصحافة. صدرت أول جريدة تونسية "الرائد التونسي" عام 1860 بإشراف
محمد بيرم الخامس بأمر من الباي والوزير خير الدين باشا وكانت إخبارية تعنى بنشر المراسيم العلية وتوزيع
الملكيات العقارية والتسميات الإدارية والعسكرية وقد تحولت بعد ذلك إلى الرائد
الرسمي للجمهورية التونسية ورافقتها عدد من الصحف غير منتظمة النشر. بما أن أصحاب
المطابع وكتاب المقالات من المقربين أو المشتغلين بالسلطة فلم تكن الرقابة الصحفية
موجودة.
سيكون تطور العلاقة بين تونس وفرنسا بعد
معاهدة الحماية منذ 1881 بداية للانفصال بين النشر والسلطة وعامل ظهور الرقابة
والصحافة بشكلها الحديث. في سنوات الاستعمار كانت الصحافة تحت الوصاية الفرنسية
التامة أو بالأحرى تحت الاضطهاد الفرنسي المباشر. قليلة هي الدوريات التي لم تكن
قصيرة العمر وأقل منها من كانت منتظمة النشر. في 14 أكتوبر 1884 صدر مرسوم يفرض
كفالة 10 آلاف ريال على كل جريدة سياسية و5 آلاف ريال على كل أسبوعية عامة بهدف
تعطيل النشر واحتكاره لكن الفئات الميسورة التونسية كانت قادرة على تجاوز هذا
الشرط فظهرت جريدة "الحاضرة"
منذ 1888 لسالم بو حاجب التي غلب عليها الجانب الاجتماعي ولم تكن شديدة
اللهجة ولذلك لم تتعرض لغضب السلطات وبدأت شعبية الصحف مع جريدة "الزهرة"
لعبد الرحمن الصنادلي 1890 وحين أحست السلطات الفرنسية بتفاقم الخطر
الصحفي عليها روجع القرار عدة مرات وأصبح التدخل في المسائل الإدارية ثم التحريرية
تحت غطاء القانون مما شل الصحافة التونسية التي اضمحلت تقريبا إلى حدود سنة 1904 حيث
ظهرت قليل من النشريات بالعربية. في عام 1907 قررت حركة الشباب التونسي التي
يتزعمها علي باش حانبة إصدار جريدة
"التونسي" وكان عبد العزيز
الثعالبي من أهم الحريصين على دخول الصحف في معركة المجابهة الاستعمارية وقد انشأ
العديد من الصحف أهمها "سبيل الرشاد" و"الفجر" ومنذ 1910 برزت
ظاهرة الجرائد الهزلية بجريدة "المضحك" وكانت أهمها جريدة
"السردوك" للشاذلي الفهري التي أعاد إصدارها محمود بيرم التونسي في 1937
حين تم نفيه من مصر وكانت مع جريدة "السرور" لعلي الدوعاجي تمارس نقدا
شعبيا للاستعمار وبدأت الصحافة تخرج من قوقعتها النخبوية والأهم من ذلك أنها دخلت
ميدان المواجهة السياسية المباشرة ولكي لا تتفاقم الظاهرة عادت في 1911 القرارات الصارمة وذلك بمنع كل
الجرائد العربية غير جريدة "الزهرة" بعد أحداث مقبرة الجلاز. في 9
سبتمبر 1913 اثر إعلان حالة طوارئ استغلت السلطات الفرنسية الفرصة لكي تمنع كل
النشريات حتى 1916 وقتما ظهرت محاولات محتشمة لإعادة الروح في الصحف التونسية. في
1922 وضعت السلطات نصا قانونيا يميز فيه بين شروط
نشر الدوريات بالفرنسية والدوريات بالعربية وفي في عام 1926 بدأت النصوص
القانونية تفرق في عمليات المنع حيث أن مرسوم 29 جانفي 1926 يوقف النشريات المخالفة
سياسيا أي التحريضية. كان سبب تطور النصوص القانونية هو تطور الصحافة في العالم
بعد الحرب العالمية الأولى إذ كانت مواقف السلطات الفرنسية في تونس تساير ما يحدث
في صحافتها.
في الثلاثينات كانت موجة عودة الطلبة
التونسيين المتخرجين من الكليات الفرنسية المحرك الأساسي للعمل الصحفي حيث ظهر
أخيرا "الصحافي" الذي أصبح معترفا به كمهنة في عام 1935 غير أنه ألغي في
1937 حين كانت تونس تستعد للسنوات القاسية في المواجهة الدموية المسلحة للمستعمر. من
الناحية القانونية لن يعود الصحفي المحترف إلا في عام 1952 . كان تشكل الفكر الحزبي
دعامة الصحافة الناهضة وأصبح التحزب والكتابة الصحفية مترادفين وكانت جرائد مثل
جريدة "الأمة" التي ينشر فيها الطاهر الحداد وجريدة "لاكسيون
تونيزيان" التي أسسها البشير المهذبي والحبيب بورقيبة عام 1932 وضمت
الدستوريين الجدد تمثل ثورة في الصحافة التونسية نظرا لقيمة الأقلام ولوجود ميدان
واسع للعمل الصحفي ووجدت الحركات الوطنية و النقابية في الصحافة وسيلة للتنظيم
والتحريض حتى صارت الصحافة في الأربعينات عنصرا أساسيا في العمل النضالي وهيمنت
الصحافة الحزبية على الأشكال الصحفية الأخرى ولم يبدأ الخروج من الأطر الحزبية إلا
عام 1951 بتأسيس الحبيب شيخ روحه جريدة الصباح التي ستكون الجريدة الأولى في تونس
المستقلة.
بعد الاستقلال ضمن الدستور التونسي في
فصله الثامن "حرية الرأي والتعبير والنشر والاجتماع وتأسيس الجمعيات وتمارس
حسبما يضبطه القانون" كان كل ذلك من باب وضع دستور يليق بدولة تريد أن تكون
مثالا للحداثة في العالم العربي ثم يبدو أن بورقيبة وأعضاء المجلس التأسيسي عموما
كانوا متعاطفين مع الصحافة التي عاشروها سنوات وكان النظر إليها من زاوية الامتنان بما حققته لهم
وللوطن غير أنها ستبدأ شيئا فشيئا توجه نظراتها النقدية إلى سياسات أصحاب القرار
ولذلك كان على الرقابة أن تحظر.
في سنوات الاستقلال الأولى كان على
الصحافة أن لا تحصد ما زرعته طوال السنوات السابقة إذ استقطبت مشاغل الدولة والسياسة تقريبا كل
النخبة المثقفة التي أنتجتها الثلاثينات والأربعينات فاعتزل محمود المسعدي مثلا العمل الصحفي والأدبي لكي يتولى المناصب
الوزارية وكذلك فعل آخرون ساهم ذلك في غياب الثقل الذي كانت تمارسه الصحافة في
الميادين الاجتماعية والثقافية.
بخصوص الرقابة كانت في أوائل عهد بورقيبة
رقابة غير مقصودة إذ يمكن القول أنه لم يكن هناك داع للرقابة ما دامت النخبة
الصحفية في ذلك الوقت - الستينات خاصة – تدور في فلك بورقيبة الشخص وكان الولاء
للمجاهد الأكبر هو الرقابة الفعلية لقد كانت المواقع مشغولة بجيل يخلط عن حسن نية
بين الولاء لبورقيبة والوطنية ثم كان
النقد الذي يوجه للحكومة أو للحزب بمثابة النقد الموجه للرئيس فقد توحدت المفاهيم
الثلاثة في مفهوم واحد: بورقيبة ولم يعد هناك أي هامش للنقد السياسي. في هذا
المناخ لا يمكن للصحافة أن تنمو ولقد اعتبر أول من نقدوا بورقيبة ناكرين للجميل –
ليس من السلطة فحسب ولكن حتى من الشعب كذلك – الرقابة كان يمارسها شعب بأكمله. ثم
جاء معهد الصحافة الذي أسسه هذا الجيل الأول عام 1968 وألقى بوجهة نظره في الصحافة
على الأجيال التالية. هكذا بدأت عجلة الصحافة بعد الاستقلال تدور في حلقة مفرغة إن
صحافة كتلك لم تكن تحتاج إلى رقابة وأصبح مفهوما أن دور الصحافة يقف عند نقل ما يدور من الأحداث وتحول عمل الصحفي مثل
عمل أي موظف واتسعت تبعا لذلك الهوة بين الصحافة والمجتمع.
في السبعينات ومع ظهور فئات نخبوية صاعدة
من رحم الجامعة التونسية بدأت صحافة جديدة بالظهور شيئا فشيئا فكان وجود الرقابة
ملازما ولكن لأن الصحافة التونسية لم تكن ذات وزن وكانت أغلبية الصحفيين قريبين أو
متقربين من وجهة النظر الرسمية فكان الرقيب القانوني كافيا لغربلة المنجز الصحفي
ولم يكن يدور في خلد السلطات أن تكون الرقابة عنيفة. صدرت مجلة الصحافة في عام
1975 لتوضح حرية الصحافة في عبارة
"حسبما يضبطه القانون" التي ستستغل لتقحم السلطة التنفيذية في دور
الرقابة الصحفية إذ أن النشريات في تونس تتطلب موافقة وزير الداخلية.
غير أن بوادر الوهن والارتباك بدأت تظهر على جهاز الدولة فعرفت الرقابة كغيرها
من المؤسسات تراجعا استغلته النخب الجديدة بتوجهاتها اليسارية والإسلامية لتتقدم
في المواقع على مستوى الدولة والمجتمع وبدأت الصحافة تساير الأحداث فعرفت
الثمانينات فترة نشطة وثرية من حيث عدد النشريات أو من حيث القيمة والجرأة ربما ساهم فيها تواجد محمد مزالي وزيرا أولا وهو
احد رجال الفكر والتعليم وقد مارس العمل الصحفي لسنوات ولكن تحرك القمع البوليسي
في الفضاءات الجامعية والثقافية انعكس على العمل الصحفي وبدأ يظهر ترهيب الصحفيين
وسيلة للرقابة. إن الثمانينات كانت فترة
مزدهرة ثقافيا وخلالها تهيكل المشهد الصحفي التونسي غير أن العشرية الموالية سوف
تهدر ذلك النفس الشعبي الجديد وهي تعيش على انجازات الثمانينات دون أن تستطيع أن
تتقدم بها.
فتح عهد بن علي المجال أمام الأحلام
الصحفية كي تكبر – تزامن ذلك مع توسع حركة خوصصة الإعلام في فرنسا والعالم - وكانت
النصوص القانونية تتطور وتمنح الحرية للصحافة كي تتحول بحق إلى سلطة رابعة كل ذلك
كان على الورق فيما تتأخر الصحافة على مستوى الواقع وتخسر كل مواقعها وبدأت
الرقابة في البداية – كما في أول حكم بورقيبة – باعتبار النقد السياسي نشازا في
جوقة البناء الوطني ثم تحولت إلى رقابة زاجرة ثم رقابة ذاتية داخلية.
كان التخويف سياسة ذكية لتمرير الرقابة
وكان المشهد الوطني العام قائما على التخويف في أوائل التسعينات فاليد الغليظة
التي اجتثت بها المعارضة السياسية تنبئ بما سيكون عليه رد الفعل الرسمي تجاه
الصحفيين إذا ما أرادوا شق عصا الطاعة وكان العنف الجسدي والسجن – كما حدث عام
1991 مع حمادي الجبالي رئيس تحرير جريدة "الفجر" التابعة لحركة النهضة
حين دعا إلى إصلاحات سياسية وكلفه ذلك حكما بـ 16 سنة سجنا - يمرر رسالة واضحة لزملائه ويفتح الباب لإنشاء
رقابة ذاتية وشيئا فشيئا أصبح الصحافيون يعرفون المواضيع المحرمة مثل قواعد
المهنة.
تحولت الصحافة إلى فرصة للانتهازية وبذلك
توفرت سبل جديدة للرقابة من داخل المؤسسة الصحفية فالصحافيون صاروا يمارسون رقابة
على بعضهم ولم يعد يسمح بمن لا يكون داخل هذه المنظومة أن يبقى صحفيا وكذلك تلازمت
الرقابة مع الضغط المادي إذ كانت الاستشهارات توزع للجرائد حسب الولاءات والعلاقات
لقد أصبح سبيل عيش الجريدة مرتبطا برضا الفئة الحاكمة عليها. كان قانون الأحزاب
السياسية لسنة 1999 دافعا أيضا للجرائد
الحزبية كي ترضخ للأمر الواقع بعبارة عامية "التلحيس" مقابل حق البقاء. لقد
تزيفت الصحافة كما تزيفت الانتخابات وتزيفت النقابات وتزيف كل شيء تقريبا.
على مستوى آخر كانت الرقابة تستهدف
الصحافة الأجنبية حيث تم منع العديد من الصحف أو المجلات الفرنسية خاصة "لوفيغارو"
و "ليبيراسيون" من التوزيع في تونس رغم أنه من الناحية القانونية لا
يمكن حجب أي جريدة إلا بقرار من المحكمة لكن النظام كان يصل إلى أبعد من ذلك
بتعطيل الصحفيين الأجانب حين يأتون إلى تونس وأحيانا التحرش بهم حتى في بلدانهم
الأصلية. كانت صورة الصحافة في العشرية
الأولى من هذا القرن شبيهة بتوءمين غير منفصلين – الرقابة والقمع – ولا غرابة ما
دام نظام بن علي قد صنف من 1998 إلى 2010 من بين أسوأ عشر أعداء
للصحافة في العالم حسب المنظمات الصحافية الدولية مثل لجنة حماية الصحافيين المتواجدة في أمريكا و
منظمة مراسلون بلا حدود المتواجدة في باريس فيما كانت الصحافة التونسية وقتها تمرر
لمواطنيها أن مثل هذه التصنيفات تدخل في إطار سياسات الغرب الاستعمارية كوسيلة
للضغط والابتزاز وقد كان ذلك صحيح أحيانا إلا أن كل ذلك كان يشير إلى أن النظام قد
أخضع الصحافة بصفة شبه تامة. في الواقع كان جسد الصحافة قد أصبح مريضا سواء بوجود
رقابة أو بدونها.
في
السنوات الأخيرة لنظام بن علي امتدت أيدي المقربين من كواليس قصر قرطاج إلى
الإعلام وكانت أهم هذه الخطوات في 2009 حين اشترى صخر الماطري 70 بالمائة من رأس
مال دار الصباح وكأنه بذلك يعلن تحالفا جديدا للفساد مع الإعلام بعد التحالف مع
السياسة والاقتصاد وبدأت خطوة جديدة لمفهوم الرقابة الذي أخذ يتطور نحو مفهوم
الاحتواء.
للأمانة لعبت الصحافة خلال أيام الثورة
دورا يشبه دور الرقيب تقريبا و بعد سقوط رأس النظام شهدت الصحافة ثورة كمية غير أن
مفعول الرقابة التي مورست سابقا غلبت على الأقلام التي وجدت نفسها تعايش انتظارات
شعبية واسعة مع مخزون من الرقابة الذاتية
دون نسيان تلك العدوانية من قبل بعض الفئات - يبقى ذلك مفهوما لتوسع الهوة
بين الصحافة والمجتمع - ووجدت نفسها
منساقة وراء النقد العشوائي أو المواكبة الغير معقلنة وبدت كأنها تعمل لحسابات غير واضحة المعالم ممن يرون في الصحافة
وسيلة لتحقيق غايات ما فسقطت فيما يشبه الفوضوية
بينما قررت السلطات المؤقتة الرسمية أن تبتعد عن دور الرقيب فصنعت حالة من
الارتباك لدى الصحافة التونسية يبين هذا الوضع بوضوح هشاشة الصحافة في تونس.
بهذا التاريخ الموجز نرى أن في الشخصية
الصحفية التونسية ثغرات عديدة لتسهيل اختراقها من قبل الرقابة ورغم الفرصة التي
أتاحتها الثورة لا يزال هناك حاجز ما بين ما يدور في الساحة الوطنية وما تنقله
الصحافة بعبارة أخرى مازالت الصحافة تنظر إلى الأحداث بنظارات غير شفافة وهذا واضح
في الموقف الشعبي منها الذي لا زال لم يغفر لها أنها لم تكن في صفه في أغلب المواقف
هذا الموقع بالذات – ثقة الشعب – هو ما يجب على الصحافة أن تتقدم نحوه لأنه
الضمانة الوحيدة ضد الرقابة إذا أرادت السلطة إعادة استعمالها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق