حين كانت المدارس الفنية لبداية القرن
العشرين تذهب نحو التجريد بعد أن كان تصوير الطبيعة والجسد هو المهيمن في فن الرسم
الكلاسيكي، أراد الرسام الاسباني سالفادور دالي أن يمزج المنزعين في أعماله لذلك
اعتنى بقضية الجسد من منطلق مدرسته السريالية وطوّر تصوّرا جديدا له.
معلوم تأثر المدرسة السريالية بفكر عالم
النفس النمساوي سيغموند فرويد، لذلك فان منطلق فهم دالي للجسد هو اللاوعي، بعبارة
أخرى هو يبحث عن نقل صورة الجسد الموجودة في اللاوعي هاربا من التصوّر المألوف
للجسد في إطار قطيعته مع تقاليد فن الرسم وتنظيرات التوجّهات الفنية الحديثة. إن
النكهة الأساسية التي يقدمها دالي في أعماله هي الانبهار فبدونه يرى أنه لا يمكن
فهم – أو حدس – الجسد.
لقد كان يقول أن القرن التاسع عشر أفرز
تخمة من الأفكار أدت إلى الحروب والكوارث النفسية ولن يداويها سوى العودة للمرح –بالمعنى
الديونيزوسي- الذي يوفّره الجسد. فأصبح التيمة الرئيسية لأعماله في فترة الحرب
العالمية الثانية وما بعدها حين هجر أضواء الحياة العامة وأخذ يتحاشى تبذير أفكاره
في شرح مواقفه السياسية. وكان هذا الحياد السياسي موقفا في حد ذاته يعبّر من خلاله
عن اشمئزازه من خواء السياسيين ولامبالاتهم بالمصائب التي يجنونها على الناس.
من خلال هذه الخلفيات طوّر دالي رفضا
عنيفا للمسلمات والواقع، أبرزه في هجومه على المجتمع حيث لا هروب من تعقيداته
وآلامه سوى في عوالمنا الداخلية. اعتبر أن الجسد بطل في تراجيديا إغريقية، وجعل
أعماله تعبيرا عن وضع الجسد المأساوي في العالم. كما انتقد بأسلوب فني راقي السلطة
الباطرياركية حين تناول جسد المرأة إذ كان يشير أنه قد قيّد ووضع تحت القواعد
والأطر (الزواج – العذرية ..) ليكون
اغتصابه أكثر اقتصادا. وهكذا بعد أن كان الجسد يمثل موقفه السياسي أصبح يمثل
تقريبا كل موقفه من الحياة فصاغ منه ميثولوجية معاصرة.



.jpg)





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق