الاثنين، 2 أبريل 2012

الوثائقيات الحربائية


ذكرى الاستقلال في التلفزة .. الوثائقيات الحربائية

مثلما تقتضي تقاليد السنوات الطويلة لا بد أن تعرض علينا التلفزة التونسية وثائقياتها بمناسبة ذكرى الاستقلال. الإطار هو مشهد تونسي متحرك: سنة من الثورة، وفاق وطني شبه منهار فيما تعرف الساحة صعود الباجي قائد السبسي –وهو صعود إعلامي أساسا- كفاعل سياسي مؤثر وتذمر شعبي وحكومي على الأداء الإعلامي للمؤسسة يجسده المعتصمون على أبوابها منادين بالتطهير والمحاسبة. اعتبارا لكل هذا كان هناك هذا العام تغير طارئ ولكنه تغير على مستوى القشرة لا غير كما سنبين اعتمادا على تقنيات تحليل المحتوى.
 
في البداية تمجيد وتعظيم لصانع الاستقلال كدنا معه لا نعرف في أي سنة نحن، عمّق هذا الشعور صور الأبيض والأسود والصوت الهادئ الرتيب وفي الخلفية موسيقى كلاسيكية. الإضافة هي تلك التوابل الثورية من الاعتراف بانتهاكات النظام البورقيبي لمعارضيه والاستبداد المطلق بالحكم ففضح الديكتاتورية بضاعة رائجة اليوم وهي وسيلة لصناعة مصداقية. الضيوف كانوا عمر الشاذلي طبيب بورقيبة والمؤرخ عبد الجليل التميمي وآمر الحرس الوطني في الستينات سالم الصباغ وأحمد بن صالح الذي منح الفرصة ليبرر سياساته وليبرر بورقيبة كذلك. وكي لا يسأم المشاهد من التفاصيل التاريخية الدقيقة كانت التحلية كالعادة بزين العابدين بن علي فهو الذي خدّر بورقيبة وهو الذي عفّن كل الجوّ السياسي في الثمانينات للوصول للحكم وفي آخر البرنامج تنغلق الدائرة على تمجيد وتعظيم جديد إذ تستدعى هاجر بورقيبة لا لتتحدث عن الاستقلال وإنما لتؤكد تواصل البورقيبية في الفعل بمشاركتها في الثورة ثم لتصبح هي صانعة الثورة عندما قالت "لقد ترك لنا بورقيبة 10 ملايين سياسي" في مزيج من السطحية والتهافت والمغالطة. إنهم يصنعون مواقعا بدغدغة العاطفة الشعبية وبالكلمات والسيقان الجميلة (ظهرت ركبتا هاجر بورقيبة طوال فترة حوارها من الناحية العلمية لا يمكن أن يكون ذلك بريئا وخاصة أن المصوّر غيّر الكادر والحوار مسجل ولأن القليل من العري له وقع لدى المشاهد التونسي وهو جرعة لشد الانتباه).
هذه الوثائقيات التي كانت تقول لنا "ثم جاء فجر السابع من نوفمبر 1987 ليعيد مسيرة الاستقلال" هاهي اليوم تعود لتصنع قوالب جاهزة تتمحور حول الثورة والديمقراطية يريدونها أن تكون دعامة سلطة جديدة. أتساءل كيف يا ترى يريدوننا أن لا نفهم أن المضمون هو نفسه فيما لم تتغير سوى الأقنعة؟ الوثائقي من إعداد عماد قمعون الذي أتحفنا في العام السابق بملف "سقوط دولة الفساد" وكان رد الناس العفوي "دولة الفساد لم تسقط" فجاء اليوم مؤرخا للدولة منذ استقلالها ولكنه تركها ليؤرخ لمسيرة بورقيبة رغم أن مساحة كبيرة من الظل حول الاستقلال لم يتناولها الإعلام من قبل مثلا الصور الرسمية لتوقيع الاستقلال وتكوين الجيش الوطني والحياة النقابية وقتها وتجربة المجلس التأسيسي وهي مواضيع حية يمكن أن تساهم في تنوير الشعب.  الملاحظ أن هناك تذبذبا في التواريخ يكاد أن يكون متعمدا فلا يمكن للمشاهد أن يخرج بفهم موضوعي للتطور التاريخي وثمة خروج عن النص تجاوز على مستوى الحجم الزمني الموضوع الرئيسي وهو الاستقلال وهناك إسقاط مكثف للوجوه (القذافي وعبد الناصر..) والأكثر منهم جميعا هناك تبرير من كل ناحية (وسيلة بورقيبة، وزراء بورقيبة، بن علي ..).
القيمة التي يريد اعلاميو التلفزة عموما أن نقتنع بها هي المهنية ولكن ألا تقتضي هذه المهنية صلابة التكوين وصفاء المنهجية والثقافة الشاملة هذا إذا أردنا أن نسقط سوء الظن فلا نتكلم عن الحياد والموضوعية وتجنب الدعاية. غير أن المهنية التي نراها إنما هي مهنية صنعت بمعايير النظام القديم أو هي المهنية كما يفهمونها ويتصورونها لا كما ينبغي أن تكون. مثلا قيل في الوثائقي أن بن علي استعمل خطة إعلامية لصناعة انجازه.  أوكي ولكن لماذا يراد لنا أن نتصور أن نفس الممارسات ليست متواصلة.
كلمة أخيرة، بالله اتركوا الأجيال القادمة تقرأ التاريخ كما يحلو لها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق