طارق رمضان ظاهرة عالمية استوردتها تونس ليومين
(25 -26 فيفري 2012) بعد استدعائه لتقديم كتابه "الإسلام والصحوة
العربية" في جو سياسي واجتماعي دقيق حيث أن التجاذب بين الحكومة والمعارضة
على أشده كما أن زيارة وجدي غنيم من قبله ما زالت تلقي بظلالها على المشهد. ويبدو
أن طارق رمضان قد قرأ الوضع في تونس جيدا فأتى بتصنيفات وتفسيرات لما حدث وكذلك
بحلول واستشرافات أهمها سخافة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين ثم مطالبته للنخب
التونسية أن تنزع من ذهنها محاولة إثارة إعجاب فرنسا ولم يفوت الفرصة لتهنئة التونسيين
بانجازهم فيما ظل مصرا على عدم اعتبار ما حدث ثورة وهو بذلك لم يفلت من التهمة
التي تلاحقه أينما حل: ازدواجية الخطاب.
طارق رمضان مولود عام 1962 في سويسرا وهو
حفيد حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين غير أنه لا ينتمي للحركة إذ يصر على اعتبار
نفسه مفكرا إسلاميا مستقلا. درس الفلسفة والأدب الفرنسي وعمل في التدريس. في
الثمانيات بدأت أولى خطوات ظهوره الجماهيري بمشاركته المكثفة في الجمعيات
والمنظمات العالمية واهتم خصوصا بالمغتربين في المجتمعات الأوروبية وبقضايا العالم
الثالث. منذ 1992 تخصص في الدراسات الإسلامية حين استقر بمصر لمدة عام ومنذ نهاية التسعينات
بدأ يأخذ بعدا عالميا نظرا لتصاعد اهتمام الغرب بالظاهرة الإسلامية وظهور مفهوم
الاسلاموفوبيا الذي سيكون محور العديد من مؤلفاته فصنع لنفسه موقعا مثيرا للجدل
بين من يعتبرونه من القلة المؤهلة لبناء الجسور بين العالمين الغربي والإسلامي
وبين من يرى فيه تواصلا لدور الدعاة الإسلاميين المتشددين لكن من داخل الأطر
الجامعية والثقافية العالمية وبأسلوب عقلاني مرن يستطيع من خلاله تمرير خلفياته
الإيديولوجية.
يعتمد طارق رمضان كثيرا على المحاضرات واللقاءات
المباشرة مع الناس لنشر مواقفه ويتميز ببساطة الهندام والمصطلحات وكثرة استعماله لإشارات
قسمات وجهه في الحوارات وأحيانا الهزل ورغم أصوله المصرية فهو قليل التحدث باللغة
العربية لكنه في محاضراته بالفرنسية أو انجليزية يضمّن عددا من العبارات العربية
ويجتهد في ترجماتها أما لغة الكتابة فهي عادة الفرنسية ولذلك فحجم تأثيره في فرنسا
كبير مما جعله في مواجهة متواصلة مع نخبها. في 1994 أصدر أول كتبه "المسلمون في العلمانية" وبعدها بعام
منع من الإقامة في فرنسا ولكنه ظل يزورها بصفة مكثفة. تتمحور أغلب أعماله حول
إشكالية مشاركة المسلمين في المجتمعات الغربية ووضع الإسلام عموما في العالم
الغربي. ما يميز طارق رمضان كذلك هو كثرة الكتب التي كتبت حوله أهمها "هل يجب
إسكات طارق رمضان؟" لعزيز الزموري و"الأخ طارق" للفرنسية كارولين
فوريست و"من يخاف طارق رمضان" للألمانية نينا زو فورستنبورغ. الملاحظ
أنه ورغم العدد الكبير من مؤلفاته – أكثر من عشرين عملا - فلم يترجم للعربية سوى 3
كتب.
طارق رمضان من أبرز المحللين لشخصية المسلم المغترب إذ يرى أنه يعاني من
عقدة نقص مزدوجة بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية يقول للمسلمين في أوروبا
"كفوا عن النظر لأنفسكم كأقلية مهمّشة"و"عوض
البحث عن العزلة أو البحث عن الاندماج دون جدوى علينا أن نقدم بديلا" من هنا
نفهم كيف جمع المعجبين حوله وتحول للكثيرين منهم إلى رمز للهوية وقد اعتبرته جريدة
التايمز اللندنية نجم الشباب الإسلامي في أوروبا.
إن حجر الأساس في شهرته هي المواجهة التلفزية في 2003 مع نيكولا
ساركزوي وزير الداخلية آنذاك حول الحجاب في المؤسسات العامة إذ تميز بالأريحية
والجرأة وأثبت أن مفهوم الحرية لديه اكبر من مفهوم الحرية لدى العلمانية الفرنسية بما
أنه يدافع على حق اختيار المرأة للباسها فيما تقوم الدولة الفرنسية بإجبار النساء
على اختيار معين. كثيرا ما يبدي طارق رمضان إعجابه بالنموذج التركي في الحكم ويصر
دائما على تمرير فكرته الأساسية "أن الخوف من الإسلام يشل تفكير الغرب وهذا
هو سبب مشاكل الشرق الأوسط" . في أوائل 2010 حصلت ضجة إعلامية في أمريكا حوله
بعد أن رفعت إدارة الرئيس أوباما الحظر الذي كان عليه طوال سنوات حكم جورج بوش
فاعتبرت ذلك مجلة ويلكي ستاندراد المقربة من المحافظين "انتصارا لفكر الإخوان
في أمريكا".
الدفعة الثانية المهمة في مسيرة طارق
رمضان هي الثورات العربية التي أعادت له الكثير من الأضواء وقد أصبح من أكبر
المتحدثين عنها في أوروبا رغم إصراره الدائم أن مصطلح الربيع العربي غير مبرر وأن
ما حصل ليس ثورة ورغم ذلك فتونس هي الثورة الأنجح. موقفه من الثورة يذكرنا بما قام
به عام 2005 حين وجه بيانا للعلماء المسلمين عبر فيه عن رفضه لتنفيذ الحدود لعدم
توفر الشروط الموضوعية ولكن يلح أنه ليس مع إنكار الحد وبمثل هذا الابتعاد عن
الوضوح والحسم يبدو كأنه يدفع بالذرائع لخصومه حين يتهمونه بازدواجية الخطاب.
بعيدا عن المناصرين أو المتهجمين هو الآن صوت الإسلام
الأول في المنظومة الفرنكوفونية لا يكدر صفو هذه المكانة سوى وضعه الإشكالي
المرتبط بقناعاته وأهدافه إذ يريد البقاء في موقع يتواصل منه مع المتخاصمين وهو في
الحقيقة يصنع عداوات من الطرفين ولكنه
أحيانا يحقق الكثير من الأنصار وهو ما شهدته تونس. 
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق