في أواخر العشرينات عادت مجموعة من
الشباب التونسي بعد سنوات التحصيل المعرفي في باريس. كان من بينهم الحبيب بورقيبة الذي لم يقتصر على دراسة تخصصه
في القانون وأطل على علوم السياسة والاقتصاد والفلسفة والتاريخ والأدب فلما عاد إلى
تونس انكبّ على فهم الواقع الذي أفرز الوضع الاجتماعي والسياسي المتعفن الذي وجده
مستغلا الأدوات التي لديه. كان هدفه كما أعلن دائما هو تغيير الأدمغة وتغيير الناس
لتأتي النتائج بعد ذلك بصفة طبيعية. من أجل ذلك سخّر كل الوسائل المتاحة للقيام
بهذا العمل الجبار والمعقد وكانت أوروبا وقتها واقعة تحت سحر آلات الدعاية
الإيديولوجية ومن بينها الصحافة وبدأت تونس تواكب التطور العالمي بخطوات محتشمة.
آمن بورقيبة دائما أن الوسيلة بحجم أهمية الغاية لذلك حين اشتغل على الصحافة كقناة
بينه وبين الناس أعطاها الجهود الأدبية والمادية والزمنية اللازمة لتحقيق غاياته.
ليتحوّل في النهاية إلى "مؤسسة اتصالية" حسب تعبير الأستاذ جمال الزرن.
تتقاطع قصة بورقيبة مع الصحافة بقصته مع
مهنته الأصلية المحاماة فمن خلالها انفتح أمامه
باب العمل السياسي حين عمل متدربا في مكتب المحامي صالح فرحات وهو سكرتير
عام الحزب الحر الدستوري. كانت مقالاته في البداية عبارة عن مقالات رأي احتجاجية
غالبا وموجهة للمثقفين ممن لهم نفس تكوين بورقيبة. ولكن مع بداية انضمامه للحزب
أصبح يكتب في جريدة الصوت التونسي الناطقة بالفرنسية فخصّص نصف وقته للكتابة. منذ
1930 أصبح لبورقيبة مكتب خاص به غير أن هذه الخطوة بالذات كانت شبه نهاية مسيرته
المهنية فقد أصبح المكتب بوابة العمل السياسي وبرز في السنوات الأربعة اللاحقة
كصحفي أكثر منه كمحامي. المحاماة مكنته من معرفة هموم الناس وكانت المقالات تتبع
غالبا المنهجية الحجاجية للمرافعات. من ثم أحس بقوة الوسيلة التي يستعملها فأسس
بالاشتراك مع رفاقه جريدة العمل ومنها انطلق قدر الزعيم.
في البداية كان المتلقي في ذهن بورقيبة
هم المشتغلون بالعمل الوطني وأراد أن يكون منطلق مشروعه في التغيير من خلالهم.
يقول الشاذلي القليبي:"ارتمى بورقيبة في العمل الصحفي وهو الإطار السياسي
الوحيد الذي يستطيع الشباب من خلاله النشاط السياسي. إضافة بورقيبة للعمل الوطني
كانت على مستوى التنظيم ووضوح الرؤية. لقد كان هناك انفصام بين المبادئ والعمل. إذ
يُعلن عن أهداف في حين لا يتم القيام بعمل ايجابي قصد تحقيقها وهذا ما يمكن تسميته
بالوعي التعيس لقادة تلك الفترة".
وجد بورقيبة أن النخبة والعامة لا تستطيع أية
فئة منهما أن تعوّل على الثانية وهذه الثغرة مع انفصال الباي عن الرعية والإدارة
هي نقاط الضعف التي تلعب عليها فرنسا لتبقي حال التونسيين في الحضيض لذلك حاول
بورقيبة أن يملأ كل هذا الفراغ ببث الوعي في النخبة أولا ثم في العامة بعد ذلك.
سيكون لأزمة 1929 أثرها الاقتصادي على الأعيان وعلى الطبقات السفلى التي بدأت
بالغليان تحت وطأة الجوع والجفاف. وبدأ سقوط الطبقة (برجوازية العاصمة) التي تمسك
بالحزب شيئا فشيئا ماديا وأخلاقيا. في نفس العام 1929 وصل أحمد باي للحكم وهو
المعروف بمرضه وضعف شخصيته فساهم ذلك في يأس النخبة والشعب في دور العائلة المالكة
وعرف بورقيبة أن الوقت قد حان ليأخذ الشباب المتنور مصير الوطن بيديه إذ لا يمكن
التعويل على أحد.
أول ما استفز بورقيبة للكتابة الصحفية هي قضية
الحجاب في جريدة "تونس الاشتراكية" ثم صار موضوع الهوية مفضلا لديه في
جريدة اللواء للشاذلي خير الله خاصة في أحداث التجنيس التي كان له فيها دور كبير.
في جريدة صوت التونسي أصبح البعد السياسي بارزا فعمل على تمرير قراءته وتحليلاته
للواقع كي يستثمرها المشتغلون بالشأن الوطني. تحت سقف هذه الجريدة نضج بورقيبة
السياسي وتعلم كيف يستغل أي حدث للتوظيف السياسي (التجنيس – قضية الحجاب والشاشية –
خمسينية احتلال تونس وحتى مئوية احتلال الجزائر – المؤتمر الافخارستي ... ).
ما مّيز بورقيبة في جريدة صوت التونسي هو
وضوح الرؤية السياسية والتحليل التاريخي مما أهله للبروز في أوساط المثقفين وبدأ
مسيرة الصعود في الخطط الحزبية. أهم انجاز صحفي هو أن المقالات أصبحت موجهة مباشرة
للسلطات الفرنسية في حين كان أعضاء الحزب لا يجرؤون على ذلك ويفضلون وضع الباي
كوسيط بينهم وبين السلطات الفرنسية.
أحرجت مقالته عن ميزانية الدولة قادة
الحزب فيما ارتبكت السلطات الفرنسية لأنها لم تكن تستطيع أن تثبت أنه محرض أو حتى
على الأقل ضدها لقد كان يلعب على المساحة الضيقة من الحرية التي تسمح بها الثغرات
القانونية. ظل بورقيبة متابعا لتفاصيل
الأحداث السياسية في فرنسا وخاصة الحملات الانتخابية فمتى صعد أصحابها إلى المناصب
ذكرهم بوعودهم ووضع السلطات الفرنسية في تونس في حرج آخر لتناقضهم مع سياسة فرنسا
المركزية كتب"إن الفرنسيين الموجودين في فرنسا قد فهمونا" ليلقي الضغط
على سلطات الحماية في تونس.
تتلخص إستراتيجية بورقيبة تجاه فرنسا في
هذا المقطع: "هذه الأحوال لا يمكن أن تدوم وإن أمن فرنسا لا يستقر إلا إذا
وجدت دولة تونسية حرة تتفهم وتتعاون معها.
الأفضل لفرنسا أن تساعد على بعث هذا الوضع من أن تمضي في تعكير الأحوال". في
هذه الفترة كان بورقيبة يعتبر نفسه يعمل في الصحيفة ولا يعمل في صفوف الحزب كما
صرّح لصاحبها الشاذلي خير الله.
أهم مقال لبورقيبة هو "تطور
الحماية" الاثنين 23 فيفري 1931 وضّح فيه الأسباب العميقة لما حصل من ضعف
الدولة من باب أخذ العبرة فركز على ضعف التمثيل الخارجي لتونس الذي كان يمكن أن
يجعل الحكومة تحتاط خاصة أن مؤامرة الدول الاستعمارية كانت وقتها علنية في
المؤتمرات وحتى في الصحف. كشف كذلك أن تونس عام 1881 كانت في حالة مالية غير
كارثية وأن المشكل هو الخلل في الإدارة المالية وكان حل الحماية الذي عرضته فرنسا
أكبر من المشكل بكثير وبعد أن منحت فرنسا الفرصة دمرت الجهاز الإداري التونسي
وإصلاحات خير الدين. لقد وسعت هذه المقالة التحليلية أفق النظرة السياسية
للتونسيين وكأنه يقول لسوء الحظ لم يكن لدينا وقتها سياسيون. كتب في نفس المقال
"إن نظام الحماية يحمل في داخله بذرة موته، بسبب تناقضه الداخلي فالدولة لا
تستطيع أن تكون في آن خاضعة وذات سيادة". بعد أشهر فقط أصبح يقول "يجب
نقل المسألة التونسية لتصبح جزءا من الواقع السياسي في فرنسا في انتظار أن تكون
جزءا من الواقع السياسي الدولي"
الخميس 25 جوان 1931.
في
أواخر 1932 أصبح الشاذلي خير الله تحت ضغط جماعة الحزب لذلك قرّر بورقيبة مع
زملائه الخروج من الجريدة (بروفة الانشقاق الحزبي) فأنشأ مع بشير المهذبي جريدة العمل
التونسي بالفرنسية التي صدر العدد الأول منها في 1 نوفمبر 1932 وظهرت منذ 1934 بصيغتها العربية بإدارة الطاهر
صفر . أصبح جماعة المتخرجين من فرنسا يسمون قبل انشقاقهم جماعة "العمل
التونسي" فارتبطوا عضويا بالجريدة التي أسسوها والتي أخذت على عاتقها في آن
فضح ممارسات الاستعمار وخور قادة الحزب. كانت نقطة الخلاف الأساسية هي دور الجهات
والجماهير في النضال الوطني وقد لخص
بورقيبة موقفه من الحزب في رسالة موجهة لمحمود الماطري قائلا "إن الحزب
الدستوري أضحى منذ 1928 جزءا من مسرحية الحماية". بدأ بروز أسلوب التهكم
والسخرية في كتابة بورقيبة وكان هذا نتيجة لفهمه الدقيق لتناقضات اللعبة السياسية
وممارسات الاستعمار وتفاهة الوسائل لتحقيق الآمال الكبيرة. ونظرا للمساحة الجديدة
التي توفرت لديه بدأ انتقاد الإدارة الفرنسية باسم الشعب الذي همشته "إن
الجوع وكل قافلة التبعات المادية والمعنوية التي تسايره لا تستطيع أن تنتظر رفاهية
المكاتب أو كسل الإداريات". في 8 مارس 1933 كتب خطابا مباشرا للمقيم العام في
أكبر تحدي للسلطات الاستعمارية وتصوّر أعضاء الحزب القديم أنه قد حفر قبره بيديه
غير أن بورقيبة كان يعلم أنه محمي بقانونية الغير مسموح به. مع ظهور النسخة
العربية من الجريدة أخذ الطاهر صفر المشعل من بورقيبة الذي بدأ يتفرغ لمهام أخرى
ويكتشف شيئا فشيئا مواهبه الكبيرة في الخطابة والاتصال المباشر بالجماهير. وحين ستحدث
القطيعة مع الحزب القديم ستتبعها قطيعة مع العمل الصحفي.
للمقال عند بورقيبة مخطط لا يحيد عنه تقريبا
فثمة في البداية عرض تاريخي توظف فيه بعض الإشارات للراهن ثم يأخذ المقال الطابع
الحجاجي معتمدا على المقارنة والمنطق البسيط ثم يقوم بتعرية الحقائق وفي النهاية
غالبا ما تتحول الأفكار إلى شعارات تحريضية. كتب بورقيبة كذلك في المواضيع الأدبية
والاجتماعية وكان قليل الزخرفة البلاغية يكثر من الاستشهاد بأقوال الخصوم ليبرز
تناقضاتها ويبين الفرصة التي يمكن للشعب أو للمناضلين استغلالها ضد فرنسا.
من خلال الصحافة اختبر بورقيبة آرائه
وعرف وقعها في الشعب وفي المستعمر وتعلم أن الكلمة المكتوبة جزء رئيسي من النضال
ولكنه غير كافي لذلك سينفتح على الاتصال المباشر بالناس ليكمل مشروعه في تغيير
الأدمغة والواقع. صحيح أنه سينقطع عن
الكتابة الصحفية ولكنه سيظل يوظفها في بث آرائه ويضعها في صفه وقت خصوماته وحين
تولى الرئاسة بعد الاستقلال ظل مشرفا من بعيد على جريدة العمل وفي خطبه الموجهة
للصحافيين نلمس نبرة أبوية خاصة. لقد كانت وسائل الاتصال في كل مرة حليفة بورقيبة، وكان يستوعب كل تحديث
في المجال الإعلامي فمن الصحافة المكتوبة إلى الخطاب الإذاعي إلى الخطاب التلفزي
كان بورقيبة دائم الحضور وهو الذي كتب في أول مقال له فيما يشبه المبدأ الذي لن يحيد عليه "إما
أن يحصل التطور وإما أن يكون الموت" الجمعة 11 جانفي 1929.
المراجع
Articles de presse
1929-1934 (Histoire du mouvement national) - Préface de Chedli Klibi
مقال
للأستاذ جمال الزرن – مؤسسة التميمي 2005
بورقيبة
سيرة شبه محرمة – الصافي سعيد
أرشيف جريدة العمل لسنة 1934
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق