يتمتع غسان بن جدو بمصداقية وشعبية لدى
المشاهد العربي لا يتمتع بها إلا قلة من رجال الإعلام فعلاوة على مهنيته وسعة
ثقافته يمثل مزيجا عجيبا من مكونات الأمة العربية بما أنه منحدر من أب تونسي مسلم
سني وأم لبنانية مسيحية مارونية ومتزوج من لبنانية شيعية ذات أصول إيرانية.
غسان بن جدو مولود في 8 أوت 1962 بمدينة
القصور من ولاية الكاف. كان والده الزيتوني الطاهر بن جدو دبلوماسيا تونسيا مقربا
من بورقيبة وعاشقا لشخصيته فنشأ غسان في
جو مسيّس بامتياز منحه فرصة تطوير ثقافته وقد كان مدمنا على القراءة إذ يعتبر نفسه
– كما صرح خلال حوار تلفزي- في سباق
القراءة والاستماع كي يستطيع مجاراة والده ومناقشته. لم يكن يخطط لأن يكون صحفيا
فقد كان والده يتمنى أن يصبح طبيبا فخيب ظنه ولكنه الآن يعتقد أن أباه سيكون فخورا
بما حققه غير أن "الوقت لن يمهله ليصحح علاقته مع أبيه" فقد توفي الأب عام 1980 حين كان عمره 18 سنة
وعرفت العائلة بعض الصعوبات المادية فاضطر للعمل في التجارة لمدة قصيرة وبعد نجاحه
في الباكالوريا تحول لدراسة الاقتصاد في فرنسا بعد أن تحصل على منحة جامعية من
تونس وشارك بكل حماسة في الحياة الطلابية وكان يدافع عن القضايا الكبيرة إلا انه
كان متذبذبا دون انتماء بين الشيوعيين والقوميين والإسلاميين لاحقا وراسل من هناك
الصحف التونسية. نشر أول مقالاته -دون احتراف الصحافة- في جريدة الرأي التونسية وفي عام 1984 زار
لبنان لأول مرة واستغل الفرصة للقيام بتحقيق صحفي ميداني لوقائع الحرب الأهلية
وحاور وجوها قيادية. تحصل على شهادة الدراسات العليا في الاقتصاد الدولي عام
1985. وفي تونس عاد ناشطا سياسيا عبر
الأطر الجامعية والصحفية ومعارضا للنظام
ضمن الكتل الإسلامية خصوصا. كان نشاطه السياسي سببا لتضييقات الأجهزة الأمنية عليه
وقد تعرض للتهديد والملاحقة البوليسية وفي الأخير وقع إجباره على مغادرة تونس في
أواخر الثمانينات فيما يشبه النفي القسري.
بدأ احتراف العمل الصحفي عام 1990 كمراسل
لجريدة الحياة اللندنية من الجزائر في أحلك فترات تاريخ الجزائر المعاصرة مع صعود
جبهة الإنقاذ وموجة العنف. في 1992 تحول للعمل في الولايات المتحدة الأمريكية في
معهد الدراسات الدولية في واشنطن ونشر أبحاثه في المجلات السياسية. حصل على
الجنسية اللبنانية بعد إقرار مرسوم التجنيس عام 1994، ما سهل أمامه الاستقرار في
بيروت والعمل لبضعة أشهر مقدماً للبرنامج الحواري "مرايا الأحداث" على
قناة المنار، قبل أن ينتقل مديراً لتحرير ثم رئيساً لتحرير مجلة "شؤون
دولية" الصادرة عن المعهد العربي للدراسات الدولية بواشنطن.
كانت الخطوة الحاسمة في مسيرته الصحفية
عام 1995 حين انتدبته هيأة الإذاعة البريطانية البي بي سي كمراسل لها في طهران
وأصبح بعد مدة قصيرة مديرا إقليميا عن وسط آسيا وهناك صنع لنفسه دائرة علاقات
كبيرة وعرف بصلاته الوثيقة من الرئيس محمد خاتمي وفي إيران تزوج من ندى الحسيني
طبيبة الأسنان عام 1991 وهي مثله من زواج مختلط (الأب إيراني والأم لبنانية) وقد
أتم عقد القران عالم الدين اللبناني محمد حسين فضل الله. عام 1999 تعاقد مع
الجزيرة وهي في بداياتها ليصبح رئيس
مكتبها في طهران وقدم من هناك برامج حوارية استقطبت عدد كبيرا من المشاهدين تميزت
بروح الابتكار كالحوار في الهواء الطلق أو في المناطق التي شهدت الأحداث والمزج
بين المحاور الواحد والتفاعل مع الجمهور. غطى عام 2000 لقناة الجزيرة تحرير جنوب
لبنان وبدأ معها برنامجه الشهير حوار مفتوح الذي كان غير دوري. في إحدى الحلقات
أدار حوارا من على طاولة كانت تستعمل من قبل الاسرائيليين في التحقيق ونظرا لنجاح
البرنامج وضرورة جعله أسبوعيا طرح عليه الإقامة
في الدوحة مع الإبقاء على موقعه مديرا لمكتب الجزيرة في طهران غير أنه فضل
البقاء بعيدا عن الجو الإداري للقناة ووجد حلا وسطا عام 2004 حين أصبح رئيس مكتب
الجزيرة في بيروت.
وضع اغتيال رفيق الحريري في فيفري 2005
مكتب الجزيرة في بيروت تحت الأضواء فقام بتغطيات مكثفة وحوارات هامة في مراحل
حساسة من الأزمة بعيدا عن التحريض وقد أكسبه ذلك محبة وثقة اللبنانيين من جميع
الطوائف. غسان بن جدو المنسوب اليوم إلى المدافعين عن النظام السوري منع لمدة عام
ونصف من دخول سوريا لعدم رضا النظام السوري على أدائه الصحفي أيام أزمة مطالبة
اللبنانيين بخروج القوات السورية من لبنان وقد غلب في تلك المرحلة مهنية الصحفي
على الجانب العاطفي.
يعتبر غسان بن جدو أن أكبر شرف وصل إليه هو
محاورته الرئيس الكوبي فيدال كاسترو والسبق الصحفي الذي قام به خلال حرب 2006 على
لبنان بمقابلة حسن نصر الله وفي 2009 قام بالدخول إلى قطاع غزة المحاصر وتصوير
حلقتين من برنامج حوار مفتوح بعد أن وصل إليه عبر الأنفاق من مصر وقد منعته
السلطات المصرية من اجتياز معبر رفح. إضافة إلى تغطيته الدقيقة للأحداث في لبنان وخاصة
العدوان الإسرائيلي في 2006 صنع من برنامجه حوار مفتوح ورقة مهمة في جماهيرية قناة
الجزيرة وقد جال البرنامج العالم من
البرازيل إلى أميركا إلى الصين (أول برنامج حواري يدخل سور الصين العظيم) واليابان
( أول برنامج عربي يحاور رئيس وزراء ياباني) وتركيا وجنوب إفريقيا وغيرها.
لم يتردد غسان بن جدو من الاستقالة من
قناة الجزيرة في 23 أفريل 2011 رغم المسيرة المهنية الناجحة والامتيازات احتجاجا
على طريقة تناول قناة الجزيرة للحراك الشعبي في البحرين علاوة على موقعه القريب من
سوريا وحزب الله وبخصوص استقالته يقول بن جدو "قناة الجزيرة أنهت حلما كاملا
من المهنية والموضوعية وباتت تلك المهنية في الحضيض بعدما خرجت قناة الجزيرة عن
كونها وسيلة إعلام وتحولت إلى غرفة عمليات للتحريض والتعبئة". وبعد هذه
التصريحات فضّل أن لا يخوض هذا الموضوع لاعتبارات أخلاقية.
رفض غسان بن جدو بعد الثورة في تونس أن
يتسلم مناصب عليا عرضت عليه لأن ذلك سوف يجبره على التخلي عن جنسيته اللبنانية
وصار في المدة الأخيرة ينتقد الحكومة التونسية كثيرا خاصة بعد احتضان تونس مؤتمر
أصدقاء سوريا. علما أنه لم يعد إلى تونس إلا في أواخر جانفي 2011 لأول مرة منذ 21 عاما وفي خضم الزخم العاطفي للثورة
التونسية قرر إنشاء قناة تونسية ببعد عربي ولكنه بعد دراسة متأنية لواقع الإعلام
العربي شعر أن المطلوب هو قناة عربية متموقعة في بيروت خاصة أن نايف كريم عرض عليه
دمج مشروعه مع قناة الاتحاد التي يعتزم إنشائها فتم الاتفاق على إنشاء قناة
الميادين.
ستكون إدارته لهذه القناة بعدا جديدا
ينضاف لمسيرته المهنية وهو الحريص على تقديم إعلام مختلف وبنّاء إذ يعتبر أن
الفضاء الإعلامي العربي مازال يستوعب المزيد رغم كثرة القنوات وأن المجتمع العربي
في مرحلة حساسة يستطيع أن يستغلها ليحقق أحلامه وتطلعاته ووظيفة الإعلام أن يساهم
في هذه المسيرة.
شوقي بن حسن 
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق