الثلاثاء، 23 يوليو 2013

لحظة الأوراق المكشوفة في مصر



لحظة الأوراق المكشوفة في مصر
أسقطوا مرسي .. فأيقظوا زعامته


كانت منشّطة القناة الأولى المصرية تحاور التلميذة المتحصّلة على أعلى معدّل في الابتدائية. بعد تقديم الهدايا، كان سؤال المنشطة البديهي لكل طفل: " بتتمنى ايه دي الوقت؟؟". كان الجواب عفويا وسريعا. "أتمنى ترجّعولي الريّس محمد مرسي". ارتبكت المنشطة، وعَلَا ملامحها وجه دون ملامح. هذا المشهد إجتمع فيه نقيضين، وجه العفوية الشعبية ووجه الافتعال النخبوي، واللذين يفضيان إلى دلالات وقراءات في كامل المشهد السياسي المصري.
كان جواب الطفلة البريئة إختزالا للحظة فارقة في تاريخ مصر. وكانت ملامح المنشطة أيضا إختزالا لنخبة منقطعة عن شعبها.
قبل الانقلاب العسكري لا شك أن إهتمامات هذه الطفلة كانت تقتصر على نهل العلم، حتى أني أكاد أجزم بأنها لم تكن تعرف اسم الرئيس. لكن الانقلابيّين ومن حيث لا يدرون قد غرسوا فيها اهتماما بالشأن العام، وكذلك فعلوا مع مجمل القاعدة التي ظلت مستقيلة سياسيا.
هم ليسوا حمقى بالتأكيد. ولكن تعطشهم للحكم الذي امتهنوه أكثر من 60 عاما أدى بهم إلى ما نحن فيه الآن. هم لا يعلمون أنهم قدّموا أكبر خدمة للإخوان. فإذا نظرنا في محصلة هذا الانقلاب سنجد النقاط التالية:
-         عامة الشعب نسيت المردود الهزيل لحكومة الإخوان، وأصبحت متعاطفة معهم منذ أن أعيدت لهم تلك الصورة التي استمدوا منها شعبيّتهم، ألا وهي اضطهادهم (دور الضحية).

-         اختفاء كل مظاهر الأزمات من إنارة وتموين بالبنزين إلى حماسة قوات الأمن وكذلك أعوان النظافة بعد الانقلاب. كل هذا أعطى انطباعا لدى السواد الأعظم للشعب أن إخفاقات حكومة الإخوان وأزماتها كانت مفتعلة، وحرّكتها الدولة العميقة التي كان الانقلاب مناسبة لكي تبرز للسطح.

-         ظهر جليا التحالف بين الدولة العميقة وحكومات أجنبية لا تريد للشعوب العربية أن تسوس نفسها، فكان انقلابا تعبق منه رائحة النفط والدولار الأمريكي.


-         تداعيات الانقلاب في الشارع أعطت انطباعا بأن المعتصمين في رابعة العدوية تحرّكهم عقيدة راسخة لا تتزحزح ولا تبلى (وهنا لا أعني العقيدة الدينية بل هي العقيدة المؤمنة بقضية).. أما المتظاهرون في التحرير، فمحرّكهم مال فاسد لم يقدر على إبقاء الحشود بعد الانقلاب، لأنه يفتقر لتلك العقيدة مما اضطرهم إلى إلباس الجنود زيا مدنيا وهذا موثق بالصور. كل هذا جعل المواطن العادي الذي لا لون له - وما أكثرهم في أمتنا-  يميل ويعجب بإصرار أهل رابعة العدوية، وهذا نصر آخر للاخوان.

-         أظهر الإخوان إيمانا أكبر بالديمقراطية من أدعياء الديمقراطية الذين انقلبوا عليها عندما لم تنصّبهم في الحكم. فالإخوان لم يحبسوا مُعارضيهم، ولم يغلقوا الأفواه المأجورة رغم افترائها صباحا مساءً. أما الانقلابيّون فقد استهلّوا حكمهم بطمس كل عين ترى ما لا يرون، وهو ما يؤكد يقينهم بأن صناديق الاقتراع ستلفظهم عاجلا أو آجلا. وليس أدلّ على ذلك من أن نائب رئيس الوزراء المنصّب البرادعي لم يحصل على 1 بالمئة من أصوات الناخبين، ويريد الآن أن يحاور العالم باسم مصر.


أكيد أن ردّة الفعل الطبيعية للتلميذة تختزن استنتاجات أكبر، ولكن لنقتصر على ذلك ولنحاول استقصاء ما يمكن أن نقرأه في ملامح الذهول التي لم تخفها الابتسامة المصطنعة للمذيعة: 

- لقد سهى أهل النخبة – إن كان لنا نخبة – حين تحالفوا مع الدولة العميقة أن شعب مصر قد نزع عنه عباءة الخوف بلا رجعة.

- إن التاريخ يعيد نفسه بأن يستعمل الحاكم القديم الجديد - ألا وهم العسكر- في حربه على الإخوان ومن والاهم نفس القفازات اليسارية التي يحرّكها دائما عداء وجودي لكل تمظهر سياسي للتيار الديني. هم يريدون أن يُضفوا صِبغة كنسيّة على ديننا الحنيف، فالإسلام في نظرهم يجب أن لا يتجاوز عتبات المسجد.

- سيعيد التاريخ نفسه مرة أخرى، عندما يستقرّ الحكم للآلة العسكرية. فأوّل من يطاله بطش هذه الآلة هم اليساريون، فكما أن اليساريين يرون أن لا تمظهر سياسي للتيارات الدينية، سيرى العسكر بدوره وكل ديكتاتور غاصب للحكم أن لا تمظهر سياسي لأي تيار كان. سيكونون أول ضحايا هذه الديكتاتورية. الغريب أن فصيلا من هؤلاء يعلم علم اليقين مآل الأمور لهذا البطش، لكنه مستعد لذلك في سبيل قطع كل طريق على الإسلاميين.

كل هذا العداء وكل هذا التسرّع الذي تغذيه دول ترتعد من عدوى النَفَسِ الثوريّ وتسرّب هواء الحرية لشعوبها، جعلهم يبنون -ومن حيث لا يدرون- "زعامة" لمرسي لم يستطع أن يكتسبها بخِطاباته أو حسن تسييره للحكم، وأهدته إياها فئة لا ترى الحكم إلا في صولجانها. لكن طوفان العزائم المصري سيُغرق الصولجان بمن عليه. 

أبو محمد سفيان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق